الرئيسية / القرآن الكريم / تفسير الميزان : السيد الطباطبائي

تفسير الميزان : السيد الطباطبائي

واما من جانب العبد، فان يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير أن يغيب في عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى وجسدا من غير روح، أو يتبعض فيشتغل بربه وبغيره، اما ظاهرا وباطنا كالوثنيين في عبادتهم لله ولأصنامهم معا، أو باطنا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والاغراض، كأن يعبد الله وهمه في غيره، أو يعبد الله طمعا في جنة أو خوفا من نار فان ذلك كله من الشرك في العبادة الذي ورد عنه النهي، قال تعالى: (فاعبد الله مخلصا له الدين) الزمر – 2، وقال تعالى: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون) الزمر – 3.
فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة، إذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور الذي ذكرناه، وقد ظهر انه انما يتم إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد أعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلق قلبه في عبادته رجاءا أو خوفا هو الغاية في عبادته كجنة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه الله، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافيا لمقام العبودية التي لا تلائم الآنية والاستكبار، وكأن الاتيان بلفظ المتكلم مع الغير للايماء إلى هذه النكتة فان فيه هضما للنفس بالغاء تعينها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الآنية والاستقلال بخلاف ادخالها في الجماعة وخلطها بسواد الناس فان فيه امحاء التعين واعفاء الأثر فيؤمن به ذلك.
وقد ظهر من ذلك كله: ان اظهار العبودية بقوله: إياك نعبد، لا يشتمل على نقص من حيث المعنى ومن حيث الاخلاص الا ما في قوله: إياك نعبد من نسبة العبد العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود والقدرة والإرادة مع أنه مملوك والمملوك لا يملك شيئا، فكأنه تدورك ذلك بقوله تعالى وإياك نستعين، أي انما ننسب العبادة إلى أنفسنا وندعيه لنا مع الاستعانة بك لا مستقلين بذلك مدعين ذلك دونك، فقوله: إياك نعبد وإياك نستعين، لابداء معنى واحد وهو العبادة عن اخلاص، ويمكن ان يكون هذا هو الوجه في اتحاد الاستعانة والعبادة في السياق الخطابي حيث قيل إياك نعبد وإياك نستعين من دون ان يقال: إياك نعبد أعنا واهدنا الصراط المستقيم

(٢٦)

واما تغيير السياق في قوله: اهدنا الصراط الآية. فسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
فقد بان بما مر من البيان في قوله، إياك نعبد وإياك نستعين الآية، الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه في الحصر الذي يفيده تقديم المفعول، والوجه في اطلاق قوله: نعبد، والوجه في اختيار لفظ المتكلم مع الغير، والوجه في تعقيب الجملة الأولى بالثانية، والوجه في تشريك الجملتين في السياق، وقد ذكر المفسرون نكات أخرى في أطراف ذلك من أرادها فليراجع كتبهم وهو الله سبحانه غريم لا يقضى دينه.

(٢٧)

اهدنا الصراط المستقيم – 6. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين – 7.
بيان قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم الخ، اما الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط واما الصراط فهو والطريق والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثم بين انه الصراط الذي يسلكه الذين أنعم الله تعالى عليهم، فالصراط الذي من شأنه ذلك هو الذي سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة اي: ان العبد يسئل ربه ان تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط.
بيان ذلك: ان الله سبحانه قرر في كلامه لنوع الانسان بل لجميع من سواه سبيلا يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى: (يا أيها الانسان انك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) الانشقاق – 6 وقال تعالى: (واليه المصير) التغابن – 3، وقال: (الا إلى الله تصير الأمور) الشورى – 53، إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلالة على أن الجميع سالكو سبيل، وانهم سائرون إلى الله سبحانه.
ثم بين: إن السبيل ليس سبيلا واحدا ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال: ألم أعهد إليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وان اعبدوني هذا صراط مستقيم) يس – 61.
فهناك طريق مستقيم وطريق آخر ورائه، وقال تعالى (فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) البقرة – 186، وقال تعالى: (ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) غافر – 60، فبين تعالى: انه قريب من عباده وان الطريق الأقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه، ثم قال تعالى في وصف الذين لا يؤمنون: (أولئك ينادون من مكان بعيد) السجدة – 44 فبين: ان غاية الذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة.
فتبين: ان السبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل

(٢٨)

بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى: (ان الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) الأعراف – 40 ولولا طروق من متطرق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، وقال تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) طه – 81. والهوي هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة – 108، فعرف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضل، وعند ذلك تقسم الناس في طرقهم ثلثه اقسام: من طريقه إلى فوق وهم الذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته، ومن طريقه إلى أسفل، وهم المغضوب عليهم، ومن ضل الطريق وهو حيران فيه وهم الضالون، وربما اشعر بهذا التقسيم قوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلث أعني:
طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين فهو من الطريق الأول الذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلا ان قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) المجادلة – 11. يدل على أن نفس الطريق الأول أيضا يقع فيه انقسام.
وبيانه: ان كل ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى: (ومن يتبدل الكفر بالايمان فقد ضل سواء السبيل) البقرة – 108. وفي هذا المعنى قوله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا) يس – 62. والقرآن يعد الشرك ظلما وبالعكس، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن الشيطان لما قضي الامر: (اني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) إبراهيم – 22. كما يعد الظلم ضلالا في قوله تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) الانعام – 82 وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والامن من الضلال أو العذاب الذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم ولبس الايمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم أمرها واحد وهي متلازمة مصداقا، وهذا هو المراد من قولنا: ان كل واحد منها معرف بالآخر أو

(٢٩)

هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم.
إذا عرفت هذا علمت أن الصراط المستقيم الذي هو صراط غير الضالين صراط لا يقع فيه شرك ولا ظلم البتة كما لا يقع فيه ضلال البتة، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حق التوحيد علما وعملا إذ لا ثالث لهما وما ذا بعد الحق الا الضلال؟
وينطبق على ذلك قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) الانعام – 82، وفيه تثبيت للأمن في الطريق ووعد بالاهتداء التام بناءا على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم.
ثم انه تعالى عرف هؤلاء المنعم عليهم الذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى:
(ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) النساء – 68، وقد وصف هذا الايمان والاطاعة قبل هذه الآية بقوله (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ولو انا كتبنا عليهم ان اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) النساء – 66. فوصفهم بالثبات التام قولا وفعلا وظاهرا وباطنا على العبودية لا يشذ منهم شاذ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعا لأولئك المنعم عليهم وفي صف دون صفهم لمكان مع ولمكان قوله: (وحسن أولئك رفيقا ولم يقل: فأولئك من الذين.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونور هم) الحديد – 19. وهذا هو الحاق المؤمنين بالشهداء والصديقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، وقوله: لهم اجرهم.
فاؤلئك (وهم أصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدرا وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الذين أخلصوا قلوبهم واعمالهم من الضلال والشرك والظلم، فالتدبر

(٣٠)

شاهد أيضاً

الأذان بين الأصالة والتحريف – للسّيّد علي الشهرستاني

الأذان بين الأصالة والتحريف / الصفحات: ٤٤١ – ٤٦٠ نشر: مركز تحقيقات دار الحديث / ...