والزمان الذي قبله، لم تغيره الامرة، ولا أحالت خلقه الرياسة، وكيف تحيل الرياسة خلقه وما زال رئيسا! وكيف تغير الامرة سجيته وما برح أميرا لم! يستفد بالخلافة شرفا، ولا أكتسب بها زينة، بل هو كما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل، ذكر ذلك الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي في تاريخه المعروف ” بالمنتظم ” تذاكروا عند أحمد خلافة أبي بكر وعلي وقالوا فأكثروا، فرفع رأسه إليهم، وقال: قد أكثرتم! إن عليا لم تزنه الخلافة، ولكنه زانها. وهذا الكلام دال بفحواه ومفهومه على أن غيره ازدان بالخلافة وتممت نقيصته، وأن عليا عليه السلام لم يكن فيه نقص يحتاج إلى أن يتمم بالخلافة، وكانت الخلافة ذات نقص في نفسها، فتم نقصها بولايته إياها. ومنها أن الغالب على ذوي الشجاعة وقتل الأنفس وإراقة الدماء أن يكونوا قليلي الصفح، بعيدي العفو لان أكبادهم واغرة، وقلوبهم ملتهبة، والقوة الغضبية عندهم شديدة، وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في كثرة إراقة الدم وما عنده من الحلم والصفح، ومغالبة هوى النفس، وقد رأيت فعله يوم الجمل، ولقد أحسن مهيار في قوله (1): حتى إذا دارت رحى بغيهم * عليهم وسبق السيف العذل عاذوا بعفو ماجد معود * للعفو حمال لهم على العلل فنجت البقيا عليهم من نجا * وأكل الحديد منهم من أكل أطت بهم أرحامهم فلم يطع * ثائرة الغيظ ولم يشف الغلل ومنها أنا ما رأينا شجاعا جوادا قط، كان عبد الله بن الزبير شجاعا وكان أبخل الناس، وكان الزبير أبوه شجاعا وكان شحيحا، قال له عمر: لو وليتها لظلت تلاطم الناس (1) من قصيدة في ديوانه 3: 109 – 116 يذكر فيها مناقب الإمام علي وما منى به من أعدائه. (٥٢)
في البطحاء على الصاع والمد. وأراد علي عليه السلام أن يحجر على عبد الله بن جعفر لتبذيره المال، فاحتال لنفسه، فشارك الزبير في أمواله وتجاراته، فقال عليه السلام: أما إنه قد لاذ بملاذ، ولم يحجر عليه. وكان طلحة شجاعا وكان شحيحا، أمسك عن الانفاق حتى خلف من الأموال ما لا يأتي عليه الحصر. وكان عبد الملك شجاعا وكان شحيحا، يضرب به المثل في الشح، وسمي رشح الحجر، لبخله. وقد علمت حال أمير المؤمنين عليه السلام في الشجاعة والسخاء، كيف هي وهذا من أعاجيبه أيضا عليه السلام! * * * قال الرضى رحمه الله: وربما جاء في أثناء هذا الاختيار اللفظ المردد، والمعنى المكرر، والعذر في ذلك أن روايات كلامه تختلف اختلافا شديدا، فربما اتفق الكلام المختار في رواية فنقل على وجهه، ثم وجد بعد ذلك في رواية أخرى موضوعا غير وضعه الأول، أما بزيادة مختارة، أو بلفظ أحسن عبارة، فتقتضي الحال أن يعاد استظهارا للاختيار، وغيرة على عقائل الكلام. وربما بعد العهد أيضا بما اختير أولا، فأعيد بعضه سهوا ونسيانا، لا قصدا أو اعتمادا. ولا أدعي مع ذلك أنني أحيط بأقطار جميع كلامه عليه السلام، حتى لا يشذ عني منه شاذ، ولا يند ناد بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إلي، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي، وما علي إلا بذل الجهد، وبلاغة الوسع، وعلى الله سبحانه نهج السبيل، وإرشاد الدليل. ورأيت من بعد تسمية هذا الكتاب ب ” نهج البلاغة “، إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرب عليه طلابها، وفيه حاجة العالم والمتعلم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام في التوحيد والعدل وتنزيه الله سبحانه وتعالى عن شبه الخلق، ما هو بلال كل غلة، وشفاء كل علة، وجلاء كل شبهة. ومن الله أستمد التوفيق والعصمة، وأتنجز التسديد والمعونة، وأستعيذه من خطأ الجنان قبل خطأ
(٥٣)
اللسان، ومن زلة الكلم قبل زلة القدم، وهو حسبي ونعم الوكيل “. الشرح: في أثناء هذا الاختيار: تضاعيفه، واحدها ثني كعذق وأعذاق. والغيرة: بالفتح، والكسر خطأ. وعقائل الكلام: كرائمه، وعقيلة الحي: كريمته، وكذلك عقيلة الذود. والأقطار: الجوانب، وأحدها قطر. والناد: المنفرد، ند البعير يند. الربقة: عروة الحبل يجعل فيها رأس البهيمة. وقوله: ” وعلى الله نهج السبيل “، أي إبانته وإيضاحه، نهجت له نهجا. وأما أسم الكتاب ف ” نهج البلاغة ” والنهج هنا ليس بمصدر، بل هو اسم للطريق الواضح نفسه. والطلاب بكسر الطاء: الطلب. والبغية: ما يبتغي. وبلال كل غلة، بكسر الباء: ما يبل به الصدى، ومنه قوله: أنضحوا الرحم ببلالها، أي صلوها بصلتها وندوها، قال أوس: كأني حلوت الشعر حين مدحته * صفا صخرة صماء يبس بلالها (1) وإنما استعاذ من خطأ الجنان قبل خطأ اللسان، لان خطأ الجنان أعظم وأفحش من خطأ اللسان، ألا ترى أن اعتقاد الكفر بالقلب أعظم عقابا من أن يكفر الانسان بلسانه وهو غير معتقد للكفر بقلبه، وإنما استعاذ من زلة الكلم قبل زلة القدم لأنه أراد زلة القدم الحقيقية، ولا ريب أن زلة القدم أهون وأسهل، لان العاثر يستقيل من عثرته، وذا الزلة تجده ينهض من صرعته، وأما الزلة باللسان فقد لا تستقال عثرتها، ولا ينهض صريعها، وطالما كانت لا شوى (3) لها، قال أبو تمام: يا زلة ما وقيتم شر مصرعها * وزلة الرأي تنسي زلة القدم (3) (1) يهجو الحكم بن مروان بن زنباع، اللسان 13: 67، 18: 210 وحلا الرجل الشئ يحلوه، أعطاه إياه، أي جعل الشعر حلوانا له مثل العطاء. (2) لا شوى لها، أي لا برء لها، قال الكميت: أجيبوا رقي الآسي النطاسي واحذروا * مطفئة الرصيف التي لا شوى لها (3) ديوانه 3: 194، وروايته: ” يا عثرة ما وقيتم “. (٥٤)