كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 10

فهي قرّة العين الّتي لا تعلم نفس ما أخفي لها منها، و إذا حصلت انمحقت الهموم و الشهوات كلّها فصار القلب مستغرقا بنعيمها فلو القي في النار لم يحسّ بها لاستغراقه و لو عرض عليه نعيم الجنّة لم يلتفت إليه، لكمال نعيمه و بلوغه الغاية الّتي ليس فوقها غاية، و ليت شعري من لا يفهم إلّا حبّ المحسوسات كيف يؤمن بلذّة النظر إلى وجه اللّه تعالى و ما له شبه و صورة و شكل، و أيّ معنى لوعد اللّه تعالى به عباده و ذكره أنّه أعظم النعم بل من عرف اللّه عرف أنّ اللّذّات المقرونة بالشهوات المختلفة كلّها تنطوي تحت هذه اللّذّة كما قال بعضهم:

كانت لقلبي أهواء مفرّقة

فاستجمعت مذ رأتك العين أ هوائي‌

فصار يحسدني من كنت أحسده‌

فصرت مولى الورى مذ صرت مولائي‌

تركت للناس دنياهم و دينهم‌

شغلا بذكرك يا ديني و دنيائي‌

و لذلك قال بعضهم: و هجره أعظم من ناره، و وصله أطيب من جنّته. و ما أرادوا بهذا إلّا إيثار لذّة القلب في معرفة اللّه تعالى على لذّة الأكل و الشرب و النكاح فإنّ الجنّة معدن تمتّع الحواسّ فأمّا القلب فلذّته في لقاء اللّه عزّ و جلّ فقطّ، و مثال أطوار الخلق في لذّاتهم ما نذكره و هو أنّ الصبيّ في أوّل حركته و تمييزه تظهر فيه غريزة بها يستلذّ اللّعب و اللّهو حتّى يكون ذلك عنده ألذّ من سائر الأشياء ثمّ تظهر بعده لذّة الزّينة و لبس الثياب و ركوب الدّوابّ فيستحقر معها لذّة اللّعب ثمّ تظهر بعده لذّة الوقاع و شهوة النساء فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها ثمّ تظهر له لذّة الرّئاسة و العلوّ و التكاثر و هي أحبّ لذّات الدّنيا و أغلبها و أقواها كما قال: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ- الآية» [1] ثمّ بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها لذّة معرفة اللّه تعالى و معرفة أفعاله فيستحقر معها جميع ما قبلها و كلّ متأخّر فهو أقوى و هذا هو الأخير إذ يظهر حبّ اللّعب في سنّ الصّبي و حبّ الزينة في سنّ التمييز و حبّ النساء في سنّ البلوغ و حبّ الرّئاسة بعد العشرين و حبّ العلوم بقرب الأربعين و هي الغاية العليا و كما أنّ‌

[1] الحديد: 20.
الصبيّ يضحك على من يترك اللّعب و يشتغل بملاعبة النساء و طلب الرّئاسة فكذلك الرّؤساء يضحكون على من يترك الرّئاسة و يشتغل بمعرفة اللّه تعالى و العارفون يقولون‌ «إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ».

(بيان السبب في زيادة لذّة النظر في الآخرة على المعرفة في الدّنيا)

اعلم أنّ المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المختلفة المتخيّلة و الأجسام المتلوّنة المتشكّلة في أشخاص الحيوان و النبات، و إلى ما لا يدخل في الخيال كذات اللّه سبحانه و كلّ ما ليس بجسم كالعلم و القدرة و الإرادة و غيرها و من رأي إنسانا ثمّ غضّ بصره وجد صورته حاضرة في خياله كأنّه ينظر إليها و لكن إذا فتح العين و أبصر أدرك تفرقة بينهما و لا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين لأنّ الصورة المرئيّة تكون موافقة للمتخيّلة و إنّما الافتراق بمزيد الوضوح و الكشف فإنّ صورة المرئي صارت بالرّؤية أتمّ انكشافا و وضوحا و هو كشخص يرى في وقت الاسفار قبل انتشار ضوء النهار ثمّ رئي بعد تمام الضوء فإنّه لا يفارق إحدى الحالتين الأخرى إلّا في مزيد الانكشاف فإذن الخيال أوّل الإدراك و الرّويّة هي الاستكمال لإدراك الخيال و هي غاية الكشف و سمّى ذلك رؤية لأنّه غاية الكشف لا لأنّه في العين، بل لو خلق اللّه هذا الإدراك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحقّ أن يسمّى رؤية، و إذا فهمت هذا في المتخيّلات فاعلم أنّ المعلومات الّتي لا تتشكّل في الخيال أيضا لمعرفتها و إدراكها درجتان إحداهما أولى و الثانية استكمال لها و بين الثانية و الأولى من التفاوت في مزيد الكشف و الإيضاح ما بين المتخيّل و المرئي فيسمّى الثاني أيضا بالإضافة إلى الأوّل مشاهدة و لقاء و رؤية و هذه التسمية حقّ لأنّ الرّؤية سمّيت رؤية لأنّها غاية الكشف و كما أنّ سنّة اللّه تعالى جارية بأنّ تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرّؤية و يكون حجابا بين البصر و المرئي و لا بدّ من ارتفاع الحجاب لحصول الرّؤية و ما لم يرتفع كان الإدراك الحاصل مجرّد التخيّل فكذلك مقتضى سنّة اللّه أنّ النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن و مقتضى الشهوات و ما غلب عليها من الصفات البشريّة فإنّها لا تنتهي إلى‌
المشاهدة و اللّقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار و القول في سبب كونها حجابا يطول و لا يليق بهذا العلم و لذلك قال تعالى لموسى عليه السّلام: «لَنْ تَرانِي» [1] و قال تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ» [2] أي في الدّنيا. و الصحيح أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «ما رأى اللّه عزّ و جلّ ليلة المعراج»[1].

(1) أقول: بل التحقيق أنّه لا فرق في الرؤية بين الدّنيا و الآخرة فكما أنّه لا يجوز رؤيته سبحانه في الدّنيا بالعين و البصر فكذلك لا يجوز رؤيته في الآخرة بالعين و البصر، و كما أنّه يجوز رؤيته في الآخرة بالقلب و البصيرة لأهل البصائر أعني غاية الانكشاف و الوضوح بحيث يتأدّى إلى المشاهدة و اللّقاء كذلك يجوز رؤيته في الدّنيا بهذا المعنى و الحجاب بينه و بين خلقه ليس إلّا الجهل و قلّة المعرفة دون البدن، فإنّ أولياء اللّه يشاهدونه في الدّنيا في جميع أحوالهم و متصرّفاتهم ليلهم و نهارهم كما قال تعالى:

«وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [3] و قال: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» [4] و قال: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» [5] فسمّاهم شهداء لمشاهدتهم له في جميع أحوالهم كما ذكر بقوله: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» [6] و قال: «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ» [7] و قال: «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‌ ثَلاثَةٍ- الآية» [8]. و قال: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» [9] فلمّا تحقّق أولياء اللّه بمعاني هذه الآيات شاهدوه بأعين قلوبهم، سئل أمير المؤمنين عليه السّلام «هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره، قيل: و كيف رأيته؟ قال: ويلك‌

[1] قال العراقي: هذا الذي صححه المصنف هو قول عائشة ففي الصحيحين أنها قالت «من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب».

[1] الأعراف: 140.

[2] الانعام: 103.

[3] الحديد: 19.

[4] آل عمران: 16.

[5] الزخرف: 86.

[6] البقرة: 110.

[7] الحديد: 3.

[8] المجادلة: 8.

[9] ق: 16.

شاهد أيضاً

في فضل العلم و التعليم و التعلّم

فاختار العلم فاعطي المال و الملك معه. و قال بعض العلماء: ليت شعري أيّ شي‌ء …