مفاهيم القرآن (العدل والإمامة) – الشيخ جعفر السبحاني – ج 1٠

وجاء نفس المضمون في الآية التالية: * (وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) *. (1) والبيان نفس البيان فلا نطيل.
2 – * (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) *. (2) ترى أنه سبحانه ينسب الإنبات إلى الحبة، ويقول * (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) * وهو ظاهر في تأثير الحبة في ظهور السنابل، وفي كل سنبلة مائة حبة، وإن كان ذلك التأثير بأمره سبحانه، حيث إن الكل سنة من سننه.
3 – * (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) *. (3) والآية صريحة في أن هناك عللا طبيعية مؤثرة في معاليلها التي منها إثارة الرياح السحاب، فهي فعل الرياح، كما هو صريح قوله * (فتثير سحابا) *.
ثم إنه سبحانه يستخدم السحاب المنثورة فيبسطها في السماء، ويجعلها كسفا، أي قطعا متفرقة، فعند ذلك يخرج الودق من خلاله.
وعلى كل حال فالآية صريحة في وجود الصلة بين إرسال الرياح، وإثارة السحاب، وانبساطها في السماء، وصيرورتها كسفا التي تسفر عن خروج الودق من خلال السحاب، كل ذلك مظاهر طبيعية وظواهر كونية يؤثر كل في الآخر
(١) لقمان: ١٠.
(٢) البقرة: ٢٦١.
(٣) الروم: ٤٨.
(٤٨)
بإذن الله سبحانه، والجميع من سننه الكونية والاعتراف بها اعتراف بقدرته وعلمه وحكمته وأن الجميع من جنوده سبحانه الخاضعة لإرادته.
ومع هذه التصريحات كيف يمكن تفسير التوحيد في الخالقية بالمعنى الأول، ورفض كل تفسير ضمني وتبعي لغيره سبحانه؟!
والذي يدل على ذلك أنه سبحانه ينسب عمل الإنسان إليه، ويقول:
* (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) *. (1) * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) *. (2) * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى) *. (3) ففي هذه الآيات ينسب عمل الإنسان إليه ويرى أن له دورا في مصيره، ويرى أنه ليس لكل إنسان إلا سعيه وجهده.
وثمة آيات تنسب الخلق إلى غيره سبحانه، لكن لا على وجه ينافي التوحيد في الخالقية، حيث يقول:
* (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني) *. (4) * (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله) *. (5) وأي تصريح أوضح من خطابه الموجه إلى المسيح، بقوله: * (وإذ تخلق من
(١) التوبة: ١٠٥.
(٢) محمد: ٣٣.
(٣) النجم: ٣٩ – ٤٠.
(٤) المائدة: ١١٠.
(٥) آل عمران: ٤٩.
(٤٩)
الطين كهيئة الطير) *.
فمقتضى الجمع بين الآيات التي تحصر الخالقية في الله سبحانه ولا ترى خالقا غيره، والآيات التي تعترف بتأثير العلل بعضها في بعض، وتنسب الخلقة إلى غيره سبحانه أيضا، هو القول بأن المقصود من حصر الخالقية في الله هو الخالقية النابعة من ذات الخالق غير المعتمد على شئ.
وأما الخالقية التبعية والظلية والتأثير الحرفي فهي قائمة بالعلل والأسباب التي أوجدها سبحانه وصيرها على نظام العلل والمعاليل والمسببات، ولا منافاة بين ذلك الحصر ونفيه عن الغير، وإثباته للآخرين، لأن المحصور فيه سبحانه هو الخالقية التي يستقل الفاعل في خلقه عن غيره، والمثبت لغيره هو القيام بالتأثير والخالقية التي أذن به سبحانه حيث إن قيام الجميع من العلل والمعاليل به سبحانه.
وبذلك يظهر أمران:
الأول: إن الاعتراف بالتوحيد في الخالقية الذي هو أصل من الأصول لا يخالف الاعتراف بنظام العلل والمعاليل في الطبيعيات والفلكيات بل في عالم المجردات، فإنه سبحانه خلق لكل شئ سببا وجعل لها قدرا وقضاء.
الثاني: إن الاعتراف بالتوحيد في الخالقية لا يلازم الجبر وسلب المسؤولية عن الإنسان على وجه يكون كالريشة في مهب الرياح، بل له وجود بإيجاد الله سبحانه وقدره وإرادته وبأمر منه سبحانه.
* الشبهة الثانية: علمه سبحانه وإرادته السابقة قد وقع تعلق علمه سبحانه بكل ما وقع ويقع، ذريعة للقول بالجبر،
(٥٠)

شاهد أيضاً

تحف العقول – ابن شعبة الحراني

* (ومن حكمه صلى الله عليه وآله وكلامه) * في جمله خبر طويل ومسائل كثيرة …