تحف العقول – ابن شعبة الحراني

* (ومن حكمه صلى الله عليه وآله وكلامه) *

في جمله خبر طويل ومسائل كثيرة سأله عنها راهب يعرف بشمعون بن لاوي ابن يهودا من حواري عيسى عليه السلام فأجابه عن جميع ما سأل عنه على كثرته فآمن به وصدقه، وكتبنا منه موضع الحاجة إليه.

ومنه قال: أخبرني عن العقل ما هو وكيف هو وما يتشعب منه وما لا يتشعب وصف لي طوائفه كلها؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فعن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل

فقال له: أقبل، فأقبل وقال له: أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أبدء وبك أعيد، لك الثواب وعليك العقاب (1)،

فتشعب من العقل الحلم ومن الحلم العلم ومن العلم الرشد ومن الرشد العفاف ومن العفاف الصيانة ومن الصيانة الحياء ومن الحياء الرزانة ومن الرزانة المداومة على الخير ومن المداومة على الخير كراهية الشر ومن كراهية الشر

(1) يعنى بك خلقت الخلق وأبدأتهم وبك أعيدهم للجزاء، إذ لولا العقل لم يحسن التكليف ولولا التكليف لم يكن للخلق فائدة ولا للثواب والعقاب منفعة ولا فيهما حكمة – قاله المجلسي (ره) في البحار – وأقول:

أن للانسان حقيقة موجودة فيه وبها يختار أحد الضدين من الفعل والترك بمعنى أنه إذا اختار فعلا وأقبل عليه يمكنه أن يختار تركه وأدبر عنه

وبهذا فالانسان قادر بإرادته واختياره أحد طرفي الفعل بخلاف غيره من ذوي الأرواح فان اختيار أحد الطرفين غير موجود فيهم بإرادتهم بل كان فطريا وجبليا فيهم،

لا يتغير ولا يتبدل كالملائكة في أفعالهم، وعلى هذا فالاقبال والادبار مختص بالانسان لحقيقة موجودة فيه وهي العقل إذ له الاقبال على الشئ وله الادبار عنه ولذلك ترتب عليه التكليف والثواب والعقاب والمؤاخذة والإعادة في المعاد، وقد اشتق لفظ العقل من العقال وهو الحبل الذي يشد به البعير ليمسكه.
(١٥)

شاهد أيضاً

الجهاد والشهادة: الهجرة والجهاد

الفصل الأول: الهجرة والجهاد الأخرى. فالجهاد مع النفس له موقعه، وكذلك الهجرة عن السيّئات، لكن …