و قال بعض العلماء: ليت شعري أيّ شيء أدرك من فاته العلم، و أيّ شيء فاته من أدرك العلم.
و قال ابن عبّاس: تذاكر العلم بعض ليلة أحبّ إليّ من إحيائها.
و قيل لبعض الحكماء: أيّ الأشياء يقتنى؟ قال: الأشياء الّتي إذا غرقت سفينتك سبحت معك- يعني العلم-.
قيل: أراد بغرق السفينة هلاك بدنه بالموت.
و قال بعض الحكماء: إنّي لا أرحم رجلا كرحمتي لرجلين: رجل يطلب العلم و لا يفهم، و رجل يفهم و لا يطلب العلم.
أقول: و قال بعض علمائنا- رحمهم اللّه- و من الآثار عن أبي ذرّ- رضي اللّه عنه-:
باب من العلم نتعلّمه أحبّ إلينا من ألف ركعة تطوّعا.
و قال: سمعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إذا جاء الموت طالب العلم و هو على هذه الحال مات شهيدا».
و قال وهب بن منبّه: يتشعّب من العلم الشرف و إن كان صاحبه دنيّا، و العزّ و إن كان مهينا، و القرب و إن كان قصيّا، و الغنى و إن كان فقيرا، و النبل و إن كان حقيرا، و المهابة و إن كان وضيعا، و السلامة و إن كان سقيما.
و قال بعض العارفين: أ ليس المريض إذا منع عنه الطعام و الشراب و الدواء يموت كذا القلب إذا منع عنه العلم و الفكر و الحكمة يموت.
و قال آخر: من جلس عند العالم و لم يطق الحفظ من علمه فله سبع كرامات:
ينال فضل المتعلّمين، و يحبس عنه الذّنوب ما دام عنده، و تنزل الرحمة عليه إذا خرج من منزله طالبا للعلم، و إذا جلس في حلقة العالم نزلت الرحمة عليه فحصل له منها نصيب، و ما دام في الاستماع يكتب له طاعة، و إذا استمع و لم يفهم ضاق قلبه بحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغمّ وسيلة إلى حضرة اللّه لقوله تعالى: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» و يرى إعزاز المسلمين للعالم و إذلالهم للفسّاق فيردّ قلبه عن الفسق. و تميل طبيعته إلى العلم و لهذا أمر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمجالسة الصالحين.
و قال أيضا: من جلس مع ثمانية أصناف من النّاس زاده اللّه تعالى ثمانية أشياء:
من جلس مع الأغنياء زاده اللّه تعالى حبّ الدنيا و الرّغبة فيها، و مع الفقراء حصل له الشكر و الرضا بقسم اللّه تعالى، و مع السلطان زاده اللّه تعالى القوّة و الكبر، و مع النساء زاده اللّه تعالى الجهل و الشهوة، و مع الصبيان ازداد من الجرأة على الذّنوب و تسويف التوبة، و مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات، و مع العلماء ازداد من العلم، علّم اللّه تعالى سبعة نفر سبعة أشياء آدم الأسماء كلّها، و الخضر علم الفراسة، و يوسف علم التعبير، و داود صنعة الدّروع، و سليمان منطق الطير، و عيسى التوراة و الإنجيل لقوله تعالى: «وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ [1]»، و محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علم الشرع و التوحيد «و يعلّمك الكتاب و الحكمة[1]».
فعلم آدم عليه السّلام كان سببا في سجود الملائكة له و الرفعة عليهم، و علم الخضر كان سببا لوجود موسى عليه السّلام تلميذا له، و يوشع عليه السّلام و تذلّله له كما يستفاد من الآيات الواردة في القصّة، و علم يوسف عليه السّلام كان سببا لوجدان الأهل و المملكة و الاجتباء، و علم داود عليه السّلام كان سببا للرئاسة و الدّرجة، و علم سليمان عليه السّلام كان سببا لوجدان بلقيس و الغلبة، و علم عيسى عليه السّلام كان سببا لزوال التّهمة عن أمّه، و علم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان سببا في الشفاعة.
طريق الجنّة في أيدي أربعة: العالم، و الزاهد، و العابد، و المجاهد، فإذا صدق العالم في دعواه رزق الحكمة، و الزاهد يرزق الأمن، و العابد الخوف و المجاهد الثناء.
قال بعض المحقّقين[2]: العلماء ثلاثة: عالم باللّه غير عالم بأمر اللّه فهو عبد استولت المعرفة الإلهيّة على قلبه، فصار مستغرقا بمشاهدة نور الجلال و الكبرياء، فلا يتفرّغ
[1] كذا و ليست الآية هكذا في المصحف و لعل المراد الآية التي كانت في سورة النساء:
113 «و أنزل اللّه عليك الكتاب و الحكمة و علمك ما لم تكن تعلم- الآية-».
[2] الظاهر المراد به شقيق البلخي كما هو ظاهر كلام فخر الدين الرازي في تفسيره عند تفسير آية 30 من سورة البقرة.
[1] آل عمران: 48. لتعلّم علم الأحكام إلّا ما لا بدّ منه، و عالم بأمر اللّه غير عالم باللّه فهو الّذي عرف الحلال و الحرام و دقائق الأحكام لكنّه لا يعرف أسرار جلال اللّه تعالى، و عالم باللّه و بأمر اللّه فهو جالس على الحدّ المشترك بين عالم المعقولات، و عالم المحسوسات، فهو تارة مع اللّه بالحبّ له، و تارة مع الخلق بالشفقة و الرحمة، فإذا رجع من ربّه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنّه لا يعرف اللّه تعالى، و إذا خلا بربّه مشتغلا بذكره و خدمته فكأنّه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين و الصدّيقين، و هو المراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سائل العلماء، و خالط الحكماء، و جالس الكبراء».
فالمراد بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سائل العلماء» العلماء بأمر اللّه غير العالمين باللّه، فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء، و أمّا الحكماء فهم العالمون باللّه الّذين لا يعلمون أوامر اللّه فأمر بمخالطتهم، و أمّا الكبراء فهم العالمون بهما [1]، فأمر بمجالستهم لأنّ في مجالستهم خير الدنيا و الآخرة.
و لكلّ واحد من الثلاثة ثلاث علامات فللعالم بأمر اللّه الذّكر باللّسان دون القلب، و الخوف من الخلق دون الربّ، و الاستحياء من الناس في الظاهر، و لا يستحيي من اللّه تعالى في السرّ، و العالم باللّه تعالى ذاكر خائف مستحي، أمّا الذكر فذكر القلب لا اللّسان، و الخوف خوف الرّجاء لا المعصية، و الحياء حياء ما يخطر على القلب لاحياء الظاهر، و العالم باللّه و بأمره له ستّة أشياء الثلاثة المذكورة للعالم باللّه فقط مع ثلاثة أخرى:
كونه جالسا على الحدّ المشترك بين عالم الغيب و عالم الشهادة، و كونه معلّما للقسمين، و كونه بحيث يحتاج الفريقان الأوّلان إليه و هو مستغن عنهما، فمثل العالم باللّه و بأمر اللّه تعالى كمثل الشمس لا تزيد و لا تنقص، و مثل العالم باللّه تعالى فقط كمثل القمر يكمل تارة و ينقص أخرى، و مثل العالم بأمر اللّه كمثل السراج يحرق نفسه و يضيء لغيره.
(فصل) [الشواهد العقلية التي ذكرها أبو حامد في فضل العلم]
قال أبو حامد- رحمه اللّه-: «و أمّا الشواهد العقليّة: اعلم أنّ المقصود من هذا الباب معرفة فضيلة العلم و نفاسته و ما لم تفهم الفضيلة في نفسها و لم يتحقّق المراد منها لم يمكن