الإنفاق في سبيل الله \عز الدين بحر العلوم

كان بأمكان الإمام أمير المؤمنين أن يتوجه إلى النبي محمد ( صلى االله عليه وآله ) فيطلب منه أن
يرفع يده إلى السماء ليدعوا لشفاء ولديه ، ولا بد من الاستجابة لأن االله لا يرد دعوة نبيه ، ولا
يخيبه فيها ، وتنتهي المشكلة بسلام .
ولكن الإمام لم يسلك هذا الطريق لأنه كان يتحين الفرص لأن يتوجه إلى االله عبر صلاته ، أو
صيام ، أو جهاد ، أو عمل فيه خير ، وما شاكل .
إن الدعاء يسد عليه هذا الطريق ، ويضيع عليه هذا الفرصة لذلك امتثل ابن أبي طالب ، ونذر
صوم الأيام الثلاثة ، وتبعه موكب الإيمان يتمثل بنذر سيدة النساء ، وفضة جاريتها التي نشأت
في هذا البيت الذي لا تسمع بين أروقته الا تلاوة القرآن الكريم ، أو الدعاء ، والتضرع إلى االله
عز وجل .
٢ ـ وما معهم شيء فاستقرض علي ( عليه السلام ) ثالثة أصوع من شعير :
علي ( عليه السلام ) ، وهو صهر الرسول ، وابن عمه والمقرب عنده ، والذاب عن الإسلام
.
وفاطمة بنت الزعيم الروحي ، والعسكري للمسلمين .
والحسنان ريحانتا رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) وولداه وحبه لهما أشهر من أن يتحدث
عنه .
ومع كل هذا الخصوصيات نرى هذا البيت يخلوا من طعام يفطرون عليه مع ما عليه هذه
العائلة من قلة العدد بحيث يظطر الإمام ( عليه السلام ) أن يستقرض ثلاثة أصوع من شعير
ليكون قوتاً

===============
( ١٢١ )

لهم في إفطارهم لصوم نذره لشفاء ريحانة رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) .
ولم يحدثنا التاريخ ان الرسول الأعظم ، وهو القائد الأعلى للمسلمين والأب الروحي لهم ،
وولي الأمر ، ومن بيده بيت المال المسلمين رعى هذا البيت من الجهة المالية بأكثر مما كان
يرعى يه بقية البيوت .
ان فاطمة بنت محمد : ( صلى االله عليه وآله وسلم ) والذي كان يقبل يديها ويقول مفتخراً
ليعلم الناس بمكانتها عنده ( فاطمة أم أبيها ) ، ويسلم عليها عند خروجه من المسجد ، وفي طريق
عودته منه عنده كبقية نساء المسلمين .
وعلي : وهو الذي اتخذه أخاً عندما آخى بين المسلمين بعضهم مع البعض عنده من هذه الجهة
كفرد من أفراد المسلمين من الجهة المالية .
والحسنان : ولطالما رأى المسلمون النبي ( صلى االله عليه وآله ) يطيل في سجوده لأ، أحدهما
جلس على ظهر جده فلا يريد أن ينحى لئلا ينزعج الطفل فيفسد عليه بسمته ، وفرحته .
هذا البيت الطاهر بهذه الأسرة الكريمة نراه خالياً من ثلاثة أصوع من الشعير يقتات بها أهله
.
وهكذا تتجلى الأمانة علىالأموال ، والترفع عن مد اليد إلى أموال المسلمين وإن كان ذلك من
مثل رسول االله ( صلى االله عيله وآله ) وهوالولي ، والمشرع الذي لا يقف في وجهه شيء .

===============
( ١٢٢ )

٣ ـ وفاطمة تطحن الشعير ـ ومن خلال هذا العمل تظهر عملية التكافل لتبرز بأجلى صورة
عاطفية :
ففاطمة بنت النبي ، وزوجة أمير المؤمنين ، وأم الحسنين ، وسيدة نساء العالمين تتحمل
المسؤلية بنفسها ، فتطحن الشعير ، وتخبزه ، وهي صائمة مع وجود خادمتها فضة في البيت .
هكذا فليكن العطف والنحو نحو الخدم ، والمساعدين ان الإسلام لا يريد من الفرد ان يفرض
سيطرته على الأفراد بغض النظر عن شخصية هذا الفرد فالناس اكرمهم عند االله اتقاهم ، وهم
كأسنان المشط لافضل لأبيضهم على أسودهم ، ولا العكس إلا بالتقوى .
وإنما أجاز أن يخدم بعضهم بعضاً بعنوان المساعدة ، ولقاء أجور يتقاضاها من يقدم الخدمة .

أما أن يكون ذلك سبباً لتسلط أحدهم على لآخر تسلطاً يشوبه الظلم والاستعلاء ، والتكبر فهذا
ما لا يريده للمسلمين .
وحري بسيدات المجتمع وأمهات البيوت أن تكون هذه الحادثة هي المقياس للمعاملة مع الخدم
والمساعدين ، وكل الطبقات الضعيفة المحرومة .
إن على ربة البيت أن تفكر أن الخادمة انسانة مثلها ، وليس على االله بعزيز ان يمكنها لتكون
أم بيت مثلها ، ولكن لحكمة اقتضت هذا التفريق بينهما فتكون هي أم بيت وتلك خادمة .
ان التاريخ يحدثنا عن سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) مع
===============
( ١٢٣ )

خدمهم وجواريهم فيعطينا صوراً رقيقة لمعاملة حسنة تنسي الخادم ، أنه يخدم في البيت .
فهذا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تقول مصادر التاريخ عنه انه كان يشتري الثوبين له
ولغلامه قنبر ، ويخيره أولاً بانتقاء أحسنهما .
وفي صورة أخرى من صور العطف نرى الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) في مشهد من
المشاهد المألوفة في تلك الأيام تصب الجارية الماء على يده فيقع الأبريق على رأسه أو يده
فيشجه ، وقبل أن يلتفت الإمام إلى الجارية تسارع الجارية والخوف قد أخذ مأخذه منها .
فتقول للإمام : والكاظمين الغيظ .
فيجيب الإمام : كظمت غيظي .
وتعقب الجارية قائلة : والعافين عن الناس .
فيقول الإمام : قد عفوت عنك .
وتطمع الجارية في المسامحة التي تشاهدها من الإمام فتقول :
« واالله يحب المحسنين » :
فيبتسم الإمام في وجهها قائلاً : أذهبي فأنت حرة لوجه االله .
صلوات االله عليكم يا أهل بيت النبوة ويا معدن الخلق ، والسماحة ، والكرم . بهذه المعاملة
الطيبة تعاملون الطبقات الفقيرة كأنهم اخوان لا خدم فلا تشعرونهم بذلة الخدمة ، بل بعزة الإنسان
الذي يتطوع لمساعدة أخيه .

===============
( ١٢٤ )

٤ ـ فانطلق الرسول معهم فرأى فاطمة في محرابها وقد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها
فساءه ذلك ! :
يدخل رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) على ابنته الصائمة التي أخذ الجوع منها مأخذه ،
وبدلاً من أن يجدها تولول ، أو تثور في وجهه شاكية من انتقالها إلى مثل هذا البيت الذي لا تضم
خباياه ثلاثة اصوع من شعير ، بدلاً من كل هذا ، وغيره يراها في محرابها تتجه إلى خالقها في
خلوة حبيبه تقدسه ، وتمجده وتصلي له .
لقد فقدت فاطمة ( عليها السلام ) الغذاء الجسمي لأنها بذلك ضربت المثل الإعلى للمواساة ،
ولكنها عوضت عنه بالغذاء الروحي لتسلم أمرها إلى االله الذي بذلوا كل نفيس في سبيل التقرب
إليه .
إن هذا البيت المقدس ليكون بجدارة ، واستحقاق موضع عناية االله ، ورعايته وتقديره ليُذهب
عن أهله الرجس ، ويطهرهم تطهيراً .
ولتنال هذه الأسرة الصابرة المحتسبة جزاء حبهم الله وتعلقهم به أن يقول عنهم القرآن لكريم :
( فواقاهم االله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا *
متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا * ودانية عليهم ظلالها وذللت
قطوفها تذليلا * ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة
قدروها تقديرا * ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا * عيناً فيها تسمى سلسبيلا *
ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتم لؤلؤا منثورا * وإذ رأيت ثم رأيت

===============
( ١٢٥ )

نعيما وملكاً كبيرا * عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسمقاهم ربهم
. (١) شرابا طهورا * إن هذا كان لكم جزاء )
وبعد كل هذا الجزاء الوافي تلقوا من ربهم الوسام الروحي الذي يفترحون به على مرور
الزمن حيث قال سبحانه يختم هذه المشاهد :
. (٢) ( وكان سعيكم مشكورا )
وقبل أن نودع الآيات الكريمة بمشاهدها المثيرة وبما اشتملت عليه من عرض هذه الصور
الجزائية نقول : ليس ذلك مختصاً بآل البيت ( عليهم السلام ) ليحرم منه غيرهم لا ، بل أن أهل
البيت إنما نالوا ذلك لأنهم أظهر المصاديق لعباد االله المؤمنين المحبين له ، والمتفانين في ذاته

المقدسة ، وقد جعل االله الباب مفتوحاً لكل فرد من الناس يرغب في إنشاء مثل هذه العلاقة معه
فهو الغفور الرحيم ، وهو الذي يقبل التوبة من عباده ، وهو الذي يقول عبدي أوجدت صدراً
أوسع مني فشكوتني إليه ؟ .
____________
(١ و ٢) سورة الدهر | آية : ١١ ـ ٢٢ .

===============
( ١٢٦ )

الشرط الثاني :

الاعتدال في الانفاق

لقد سبق أن بينا في أول البحث أن الإسلام قد أخذ بعين الاعتبار الاعتدال في الأمور كأساس
للنظام الإجتماعي ، وبذلك يمكن التعديل وتسير الأمور على النحو الوسط .
وقد جعل من الآية الكريمة :
. (١) ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا )
مقياساً وضابطاً لتعديل الإنسان في حياته الإجتماعية . والآية الكريمة ، وان كان لسانها هو
العطاء والبذل ، والمنع ، والشح ، ولكن ـ كما قلنا ـ آيات القرآن أحكام تشريعية لا تخص
بمورد دون آخر ، ولا بوقت دون وقت إلا أن تقوم القرينة على الاختصاص ، ومع عدمها
فالقضية تبقى عامة والحكم شامل وسار ، وقد اشتملت الآية الكريمة على مقاطع ثلاث ، ومن
مجموعها تثبت القاعدة المذكورة .
١ ـ « ولا تجعل يدك مغلوقة إلى عنقك » :
وهذا هو المقياس ، والضابط للإمتناع ، وعدم الاقدام ومسك اليد كما لو كانت يد الإنسان
مشدودة إلى عنقه فلا يقدر على
____________
(١) سورة الاسراء | آية : ٢٩ .

===============
( ١٢٧ )

البذل ، والعطاء

٢ ـ « ولا تبسطها كل البسط » :
وهذه هي الصورة المعبرة لإنبساط اليد ، وعدم الادخار بحيث يبذل الإنسان يبقى فلا شيئاً له
.
فلا هذا ولا ذاك لأن كلاً من هاتين الحالتين تؤدي بالإنسان إلى عدم الاعتدال ، وحينئذٍ :
٣ ـ « فتقعد ملوماً محسوراً » :
ملوماً في حالة الإمتناع حيث تلوكه الألسن وتتحدث عن بخله الناس فيلومونه على هذه الحالة
.
ومحسوراً في حالة البسط ، والعطاء الكلي لأنه سينقطع عن كل أحد ، والناس كما يقول
الشاعر :
والنـاس من يلق خيراً قـائلون لـه * لـك البقـا ولأم الخاسـر البهـل

وقد جاء عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في توضيح له لهذه الآية :
. (١) « أن أمسكت تققعد ملوماً مذموماً ، وان أسرفت بقيت منحسرا مغموماً »
ومن هذا المنطلق والسير على ضوء هذه القاعدة الكبرى كأساس لحفظ التوازن والتعديل .
تأتي الآيات الكريمة لتضع الشرط الثاني للإنفاق فتقرر
____________
(١) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية ٢٩ من سورة بني اسرائيل .
===============
( ١٢٨ )

ضرورة الاعتدال فيه .
. (١) ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً )
والآية جاءت في معرض الحديث عن عباد الرحمن حيث قال سبحانه فيما سبق هذه الآية :
( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً *
والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً * إنها ساءت مستقراً ومقاماً
( (٢) .
وقال تعالى فيما بعد هذه الآية ، وهو يعدد صفات عباده الذين ارتضاهم لنفسه .
( والذين لا يدعون مع االله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم االله إلا بالحق ولايزنون
. (٣) ومن يفعل ذلك يلق آثاما )

هؤلاء هم عباد الرحمن الذين تحدثت عنهم الآيات الكريمة بشيء من الاعتزاز .
سمتهم الاعتدال في كل اعمالهم مع ربهم ، ومع مجتمعهم ، وفي ليلهم ، وفي نهارهم .
أما مع ربهم حيث رأينا الآية تقول عنهم : انهم يبتون لربهم سجداً وقياماً .
____________
(١) سورة الفرقان | آية : ٦٧ .
(٢) سورة الفرقان | آية : ٦٣ و ٦٥ و ٦٦ .
(٣) سورة الفرقان | آية : ٦٨ .

===============
( ١٢٩ )

يحنون إلى الليل كما تحن الطيور إلى أوكارها يقومون بين يدي االله خاشعين مصلين يسبحونه
ويعظمونه سجداً وقياماً .
وربما كان منظرهم هذا وانهماكهم بالعبادة موجباً لأن يتخيل الإنسان أن هؤلاء رهباناً عباداً
تركوا الدنيا وعزفت نفوسهم عن كل شيء ، واتجهوا إلى االله فأين الاعتدال في أوضاعهم ؟
وسرعان ما يتبدد هذا التصور عندما نراهم يطلبون من االله ، وهم في مثل هذا الحال قائلين :
. (١) ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً )
فهم في الوقت الذي يؤدون ما عليهم اتجاه خالقهم يريدون منه أن يهيء لهم أزواجاً ، ومن
الأزواج ذرية طيبة تقر بذلك أعينهم فهم يجمعون بين الغذائين الروحي والجسدي .
وأما مع مجتمعهم فهم يتحسسون مشاكله ويعيشون آلام الطبقات الضعيفة ينفقون مما رزقهم
االله ولا يضنون بالمال عليهم ، ولكن بشكل معتدل يرضون به ربهم ويحفظون به على رصيدهم .
. (٢) ( والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً )
وهذا هو الخط المعتدل في الصرف والانفاق « لم يسرفوا ولم يقتروا » حفاظاً على المال
ورعاية له .
____________
(١) سورة الفرقان | آية : ٧٤ .
(٢) سورة الفرقان | آية : ٦٧ .

===============
( ١٣٠ )

Check Also

تفسير غريب القرآن – فخر الدين الطريحي

عن ذكر الرحمن) * (1) أي يظلم بصره عنه كأن عليه غشاوة، يقال: عشوت إلى …