461 الموعظة التاسعة والستّون: الدفاع عن المقدّسات معنى القداسة
مِن أسماء الله -تعالى- القُدّوس، فَقد وردَ في سورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرضِ ٱلمَلِكِ ٱلقُدُّوسِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ﴾[1]؛ ومعنى أنّه قُدّوس هو أنّه مُنزّه عن كلّ نقصٍ وحاجة، فهو كمالٌ مُطلق، لا يعتريه عَيْب، ولا تمسّه حاجة.
بالتالي، فإنّ معنى القداسة يَرجع إلى كَوْن المتّصف بها حائزًا على لَونٍ مِن ألوان الكمال والنزاهة والشرف والنُبْل.
ولمّا كان بعض مخلوقات الله ممّن تجلَّت في ذواتهم هذه الصفات، أو بعض لوازمها، أو كانوا على درجة عالية مِن الاتّصال بالله -الذي هو مبدأ القداسة-، كانوا مُقدّسين، سواء أكانوا ملائكة أو غير ذلك، بشرًا أو أمكنة؛ ﴿ٱدخُلُواْ ٱلأَرضَ ٱلمُقَدَّسَةَ﴾[2].
وفي الحقيقة، إنّ القداسة التي يتّصف بها هؤلاء مِن المخلوقات هي مُفاضة مِن القُدّوس، منزّلة عليهم وفيهم، ومحتومة إليهم. ولكن يبقى أفضل المقدّسين الذين كان تحلّيهم بها ناتج عن اختيارهم، وسيرهم في طريق التكامل اختيارًا، والطاعة للباري -عزَّ وجلّ- عن اختيار، فتقدّست ذواتهم بِنزاهتهم، ونجحوا في بلوغ مقامات القرب مِن القُدّوس، ليكونوا أولياءه، محلًّا تنعكس فيهم تلك القداسة.
[1] سورة الجمعة، الآية 1.
[2] سورة المائدة، الآية 21.
474
462 الموعظة التاسعة والستّون: الدفاع عن المقدّسات ولأنّ هذا الأمر كان عن اختيار، فإنّ ابنَ آدم يرقى إلى أن يكون أعلى درجةً مِن الملائكة أنفسهم، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الله -عزَّ وجلّ- ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كِلتيهما، فمن غلب عقلُه شهوتَه فهو خيرٌ مِن الملائكة، ومن غلبتْ شهوتُه عقلَه فهو شرٌّ مِن البهائم»[1].
مَن هم المقدّسون؟
يتّضح ممّا سبق أنّ القداسة هي التنزُّه عن العيوب والنقائص، ومعنى أن يُقدّسه الله يعني أنْ ينسبه إليه بِنسبة ما، ويَنحَله صِفةً مِن صِفاته، ومِنها البركة، لِيكون في وجوده نفعٌ للناس، بل للخلق. وعليه، فمِن المقدّسات الكعبة المشرّفة التي قال عنها -تعالى-: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا﴾[2].
بل إنّ كلّ مسجد بُنِيَ لله مُقدّس، فهو بيته، ومحلّ البركة؛ «أوحى الله إلى داوود: يا داوود، إنّ بُيوتي في الأرض المساجد، فطوبى لمن تطهّر في بَيْته، وزارَني في بَيْتي…»[3] ؛ لذا كان للمساجد حُرمة وآداب.
ومِن المقدّساتِ كتبُ الله المنزَلة لهداية الناس، ويأتي في طليعتها -وهو أعظمها- القرآن الكريم؛ ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ إِلَيكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُواْ ءَايَٰتِهِ﴾[4]. وتجلّيات قداسته أنّه محفوظ، لا يأتيه باطلٌ مِن
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج57، ص299.
[2] سورة آل عمران، الآية 96.
[3] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، ج2، ص318.
[4] سورة ص، الآية 29.
475
463 الموعظة التاسعة والستّون: الدفاع عن المقدّسات بين يديه ولا مِن خلفه. ومِن أحكام تلك القداسة حرمةُ تدنيسه، بل أكثر؛ ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا ٱلمُطَهَّرُونَ﴾[1].
ومِن المقدّسين الملائكة، إذ سمّى بعضهم: «الروح القُدُس».
ومِن المقدّسين مِن البشر الأنبياء، ومِن هؤلاء الأنبياء عيسى (عليه السلام)، فقد كان نافعًا للناس، تكفي لمسة مِن يده للشفاء مِن الداء العُضال، بل حتّى لإحياء الموتى؛ قال -تعالى- عن لسانه (عليه السلام): ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنتُ﴾[2].
ويأتي في طليعة المقدّسين النبيّ الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله)، الذي كان وجوده وإرساله رحمةً لجميع عوالم الوجود؛ ﴿وَمَا أَرسَلنَٰكَ إِلَّا رَحمَةٗ لِّلعَٰلَمِينَ﴾[3]، فرفع عن الناس عذابَ الاستئصال، وكان أمانًا مِن نزول العقاب الإلهيّ؛ ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم﴾[4].
وقد كان مِن توابع بركته وقداسته -أيضًا- أهلُ بيته الذين طهّرهم الله؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجسَ أَهلَ ٱلبَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرٗا﴾[5]، لا لأنّهم قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل لأنّهم جسّدوا أكمل مراتب التصديق بما جاء به (صلى الله عليه وآله)، واتّبعوا خطواته في سَيْرهم الاختياريّ نحوه -تعالى-، فقَبِلَهم ربّهم، ورفع لهم الدرجات، وجعل مودّتهم أجرًا على خِدمة خاتم رسله إلى البشريّة.
[1] سورة الواقعة، الآية 79.
[2] سورة مريم، الآية 31.
[3] سورة الأنبياء، الآية 107.
[4] سورة الأنفال، الآية 33.
[5] سورة الأحزاب، الآية 33.
476
464 الموعظة التاسعة والستّون: الدفاع عن المقدّسات واجباتنا تجاه المقدّسات
إنّ مِن واجباتنا تجاه هذه المقدّسات احترامها بما يُلائمها، وبحبها وتبجيلها، وعدم تعريضها للتدنيس والإهانة والاعتداء والإيذاء. فعندما يكون المقدّسون مِن الأولياء، فإنّ التكاليف تتّسع لتشمل تصديقهم، وطاعتهم، وموالاتهم، وموالاة وليّهم، ومعاداة عدوّهم، والتصديق بمقاماتهم، والاقتداء بهم سلوكًا وسَمْتًا، ومنها أيضًا أن نقبل منهم ما يأتوننا به عن الله -تعالى-، وألّا نتقّدم عليهم، ولا نتأخّر عنهم، وأن نُظهر مودّتنا لهم، في الزيارة لمشاهدهم، وإحياء أمرهم، وذِكرهم، وتعظيم شأنهم، ونشر فضائلهم، وإكرام وليّهم.
الدفاع عن المقدّسات
مِن أهمّ الواجبات تجاه المقدّسات الدفاع عنها بما تقتضيه عمليّة الدفاع، وبحسب نوع الخطر الموَجّه إليها. فتارةً، بالفكر والقلم والكتابة، وأخرى بالفنّ والإعلام، وثالثة بالقتال والجهاد، وغير ذلك مِن المجالات والميادين.
وبالعودة إلى كتاب الله، فإنّنا نقرأ قوله -تعالى-: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصرِهِم لَقَدِيرٌ﴾[1]، إذ بيّن فيها أصل مشروعيّة الجهاد ومبرّراته. وقال بعدها: ﴿ٱلَّذِينَ أُخرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَولَا دَفعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٖ لَّهُدِّمَت صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗا وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن
[1] سورة الحجّ، الآية 39.
477
465 الموعظة التاسعة والستّون: الدفاع عن المقدّسات يَنصُرُهُۥ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[1]، مُنتقلًا إلى بيان وفلسفة تشريع الجهاد المأذون به على طول مسيرة الأديان السماويّة، الذي به حُفِظَتْ بيوت عبادة اليهود والنصارى، وبه تُحفظ بيوت عبادة المسلمين، بل به تحفظ العبادة نفسها؛ فمن الحِكَم المترتّبة على تشريع القتال حِفظُ المقدّسات وصَونها. وهذا يعني -بِصورة عكسيّة- لو أنّ أرباب الشرائع -وخاصّةً المسلمين- تكاسلوا عن النهوض لمواجهة المعتدين الخارجيّين أو الطغاة والظالمين الداخليّين، فإنّ هذا سيُغري هؤلاء لِيندفعوا في طغيانهم وينالوا مِن المقدّسات، إذ سيجدون الطرق مشرّعة منزوعة العوائق والروادع إلى تدنيس المقدّسات، أو تحوير دورها وتحريفه لِيخدم سلطانهم، وسيعمدون حينها إلى تهديم وإزالة كلّ ما يرونه تهديدًا لسلطانهم، ما يكون محلًّا لِتعبئة طاقات الناس، وشحذ هممهم في مواجهة الظالم ومجابهة الكفر، ويكون ساحة للتوعية. وهذا لا يختصّ بأماكن العبادة فقط، بل إنّه يشمل أولياء الله وعلماء الأُمّة وأحرارها.
إذًا، قيام المؤمنين بجهاد الأعداء وامتثال الأمر الإلهيّ يحفظ المقدّسات. فكيف لو كانت المقدّسات نفسها هي المعرّضة للخطر، وهي هدف الأعداء والطغاة؟ فمِن بابٍ أَولى أن تهبّ الأُمّة لجهاد أعدائها ومواجهة ظُلّامها، وأن تبذل الغالي والنفيس في سبيل حماية تلك المقدّسات.
[1] سورة الحجّ، الآية 40.
478
466 الموعظة التاسعة والستّون: الدفاع عن المقدّسات خاتمة
في كربلاء مشاهد مِن مصاديق الجهاد لحفظ المقدّسات، فالحسين (عليه السلام) رأى أنّ الإسلام نفسه سيكون في خطر إذا ما تولّى طاغيةٌ مثل يزيد الحكم؛ «على الإسلام السلام، إذ قد بُلِيَت الأمّة بِراعٍ مثل يزيد»[1].
فخرج ثائرًا، وخرج لنصرته مَن رأوا رأيه. مُضافًا إلى أنّ وليّ الله نفسه، وخامس أهل الكساء، سبط الرسول (صلى الله عليه وآله)، في مَعرض الخطر، فجادوا بأنفسهم عن نفسه، وقدّموا أرواحهم قرابين في ساحات الوغى، ولسان حالهم: نفوسنا دون نفسك يابن رسول الله؛ فعندما يتعرّض مقدّس -كوليّ الله- للخطر، ترخص التضحيات -مهما غلَتْ- لإجابة ندائه «هل مِن ناصر ينصرنا؟».
ونحن، على خطى أصحاب الحسين (عليه السلام)، نقدّم أنفسنا ذَودًا عن المقدّسات، ولن يكون شهداؤنا -شهداء الدفاع عن المقدّسات- إلّا أُسوةً بمن وَفى للحسين (عليه السلام) يوم العاشر مِن المحرّم.
[1] ابن نما الحلّيّ، مثير الأحزان، ص15.
479
467 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام
بيان فضل الشهداء، ومقامهم في الدنيا والآخرة.
محاور الموعظة
معنى الشهيد أهمّيّة الشهادة مكانة الشهيد شرائط الشهادة
468 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام تُعدّ الشهادة مِن المقوّمات الأساسيّة في نهضة المسلمين وتحرُّك المستضعفين، وفي انتصار الانتفاضات والثورات ذات القيم والمبادئ، فلا يمكن أن تنتصر هذه النهضات والتحرّكات والانتفاضات والثورات إلّا بِتقديم تضحيات عزيزة، وإراقة دماء زكيّة غالية، وسقوط شهداء أوفياء فُضَلاء علماء. وقد تزيد نسبة الشهداء أو تقلّ، ولكنّ الشهادة ودماء الشهداء الأوفياء -في النتيجة- تكون إحدى مقوّمات الانتصار المبدئيّ، وإحدى أقوى الدعائم في الرسالات السماويّة[1].
معنى الشهيد
الشهيد في -اللُغةِ والشرْعِ- هو المقتول في سبيل الله؛ وسببُ تسميته بِذلك قيامُه بشهادةِ الحقِّ في أمر الله -تعالى-، حتّى قُتِل، أو لأنّه يشهدُ ما أعدّ الله له مِن الكرامة بالقَتْل، أو لأنّه شهِد المغازي، أو لأنّه شُهِدَ له بالإيمان، أو لأنّه خُتِم له بِخير، أو لأنّه حيّ لمْ يَمُتْ فكأنّه يُشاهد ويَحضر، أو لأنّه حاضرٌ عند ربّه، أو لأنّه يَشهَد ملكوتَ الله ومُلكَه، أو لِسُقوطه على الشاهدة -وهي الأرض[2]-. وقد يكون السببُ ما ذُكر كلّه.
أهمّيّة الشهادة
1. أعلى دَرجات البِرّ
عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «فوق كلِّ ذي برٍّ بِرّ، حتّى يُقتَل الرجلُ في سبيل الله، فإذا قُتِل في سبيل الله، فليس فوقه بِرّ»[3].
[1] من كلام للإمام القائد الخامنئيّ دام ظله.
[2] التبريزيّ الأنصاريّ، اللمعة البيضاء، ص368.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص348.
481
469 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام 2. إحدى الحُسنيَيْن
قال -تعالى-: ﴿قُل هَل تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحدَى ٱلحُسنَيَينِ﴾[1].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «المؤمن يَقْظان مُترقّب خائف، ينتظر إحدى الحُسنيَيْن»[2].
3. أكرم الموت
رُوِي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لِأصحابه في ساعة الحرب: «إنّ الموت طالبٌ حثيث، لا يفوته المقيم، ولا يُعجزه الهارب. إنّ أكرم الموت القَتْل»[3].
4. أشرف الموت
عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «أشرف الموت قَتْل الشهادة»[4].
472 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام فقد حدّد الله -تعالى- في هاتين الآيتين مجموعة مِن الشرائط والمواصفات التي تؤهّل الإنسان لِنيْل مقام الشهادة، ولِصحّة معاملة البيع والشراء، والثمن بين المخلوق والخالق -تعالى-. والشرائط التي حدّدتها الآيتان هي:
2. العابدون: الذين يُطهّرون أنفسهم بِنفحات الدعاء والمناجاة مع ربّهم.
3. الحامدون: الذين يَشكرون الله ويحمدونه على نِعَمِه المادّيّة والمعنويّة، ويَعيشون الحمد في الشِدّة والرخاء.
4. السائحون: الذين يتنقّلون مِن مكان عبادةٍ إلى آخر، أو الذين يَتوجّهون إلى ميادين الجهاد، لِمحاربة الأعداء؛ عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «إنّ سياحة أُمّتي الجهاد في سبيل الله»[1]، أو الصائمون، فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «إنّ السائحين هُم الصائمون»[2].
5. الراكعون: الذين يَركعون في مُقابل عَظَمة الله -تعالى-.
6. الساجدون: الذين يُطَأطِئون رؤوسهم أمام خالقهم، ويَسجدون له.
7. الآمرون بالمعروف: الذين يَدعون الناس إلى عَمل الخير.
8. الناهون عن المنكر: الذين لم يَقتنعوا بالدعوة إلى الخيْر وحسْب، بل حارَبوا كلّ منكر وفساد.
473 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام فقد حدّد الله -تعالى- في هاتين الآيتين مجموعة مِن الشرائط والمواصفات التي تؤهّل الإنسان لِنيْل مقام الشهادة، ولِصحّة معاملة البيع والشراء، والثمن بين المخلوق والخالق -تعالى-. والشرائط التي حدّدتها الآيتان هي:
2. العابدون: الذين يُطهّرون أنفسهم بِنفحات الدعاء والمناجاة مع ربّهم.
3. الحامدون: الذين يَشكرون الله ويحمدونه على نِعَمِه المادّيّة والمعنويّة، ويَعيشون الحمد في الشِدّة والرخاء.
4. السائحون: الذين يتنقّلون مِن مكان عبادةٍ إلى آخر، أو الذين يَتوجّهون إلى ميادين الجهاد، لِمحاربة الأعداء؛ عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «إنّ سياحة أُمّتي الجهاد في سبيل الله»[1]، أو الصائمون، فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «إنّ السائحين هُم الصائمون»[2].
5. الراكعون: الذين يَركعون في مُقابل عَظَمة الله -تعالى-.
6. الساجدون: الذين يُطَأطِئون رؤوسهم أمام خالقهم، ويَسجدون له.
7. الآمرون بالمعروف: الذين يَدعون الناس إلى عَمل الخير.
8. الناهون عن المنكر: الذين لم يَقتنعوا بالدعوة إلى الخيْر وحسْب، بل حارَبوا كلّ منكر وفساد.
474 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام 9. الحافظون لحدود الله: الذين أَدّوا أهمّ واجب اجتماعيّ، وهو حِفظ الحدود الإلهيّة، وإجراء قوانين الله -تعالى-، وإقامة الحدود والعدالة.
فَإذا اجتمعَتْ هذه الصفات التِسْع المذكورة، يأتي بعدها قوله -تعالى-: ﴿وَبَشِّرِ ٱلمُؤمِنِينَ﴾[1].
قصّة وعِبرة
عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن الحسين بن عليّ (عليهما السلام): «بينما أمير المؤمنين يخطب ويحضّهم على الجهاد، إذ قام إليه شابّ، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبِرني عن فَضْل الغُزاة في سبيل الله. فقال: كنتُ رديف رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقته العضباء، ونحن مُنقلبون عن غزوةِ ذات السلاسل، فسألتُه عمّا سألتَني عنه، فقال: الغُزاة، إذا هَمّوا بالغزو، كتبَ الله لهم براءة مِن النار. فإذا تجهّزوا لِغَزوهم، باهى الله بهم الملائكة. فإذا ودّعهم أهلوهم، بَكَتْ عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون مِن الذنوب… ويُكتب له (أيْ لِكلّ شهيد وغازٍ) كلّ يومٍ عبادة ألفِ رجل يعبدون الله… وإذا صاروا بِحضرة عدوّهم، انقطع عِلْم أهل الدنيا عن ثواب الله إيّاهم. فإذا بَرزوا لِعدوّهم، وأُشرعَت الأسِنّة، وفُوِّقَت السِهام، وتَقدّم الرجل إلى الرجل، حفّتْهم الملائكة بِأجنحتها، يَدعون الله بالنُصرة والتثبيت، فيُنادي مُنادٍ: الجنّة تحت ظِلال السيوف. فتكون الطعنة والضربة على الشهيد أَهوَن مِن شُرب الماء البارد في اليوم الصائف. وإذا
[1] الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج6، ص213 – 215.
487
475 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام زال الشهيد مِن فرسه، بِطعنة أو ضربة، لم يَصِلْ إلى الأرض حتّى يبعَثَ الله إليه زوجته مِن الحور العين، فتبشّره بما أعدّ الله له مِن الكرامة. فإذا وصلَ إلى الأرض، تقول له الأرض: مَرحبًا بالروح الطيّب، الذي خَرَج مِن البدن الطيّب. أبْشِر، فإنّ لك ما لا عين رأَتْ، ولا أُذن سمعَتْ، ولا خَطَر على قَلبِ بَشر. ويقول الله: أنا خليفته في أهله؛ مَن أرضاهم فقد أرضاني، ومَن أسخطهم فقد أسخطني»[1].
مقام الشهادة في كربلاء
لمّا جَمَع الحسين (عليه السلام) أصحابه في ليلة العاشر مِن المحرّم، وأحلّهم مِن بَيْعته، وطلب مِنهم الرجوع إلى أهليهم، تكلّم جَمْعٌ مِن بني هاشم والأصحاب، وتكلّم مِن بينهم سعيد، فمِمّا قاله للإمام (عليه السلام): لا -والله- يابن رسول الله، لا نخلّيك أبدًا، حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمّد (صلى الله عليه وآله). ولو علمْتُ أنّي أُقتل فيك، ثمّ أُحيا، ثمّ أُذرّى -يُفعل ذلك بي سبعين مرّة-، ما فارقْتُك، حتّى ألقى حِمامي دونك. وكيف لا أفعل ذلك؟ وإنّما هي قَتلة واحدة، ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا[2].
وتقدّم الإمام الحسين (عليه السلام) في ظُهر يوم عاشوراء، لِإقامة الصلاة، فصلّى بِأصحابه صلاة الخوف، ووَصل إلى الإمام الحسين (عليه السلام) سَهْم، فتقدّم سعيد بن عبد الله الحنفيّ، ووقف يَقيه بِنفسه، وجعلها درعًا
[1] الشيخ الطبرسيّ، تفسير مجمع البيان، ج2، ص444. الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج2، ص782.
[2] الطبريّ، تاريخ الأمم والملوك، ج3، ص315.
488
476 الموعظة السبعون: مقام الشهادة في الإسلام للإمام (عليه السلام)، فرماه القوم بِسهامهم مِن كلّ جانب -يمنةً ويسرةً-، وكان يستقبل السهام بِوجهه وصدره ويديه ومقادم بَدنه، لئلّا تُصيب الحسين (عليه السلام)، ولم يتخطَّ، حتّى سقط إلى الأرض[1].
وعلى حدِّ قول ابن طاووس، فإنّ ثلاثة عشر سهمًا أصابَتْ جسد سعيد، سوى ضربات السيوف والرماح[2].
وعندما خرّ سعيد بن عبد الله صريعًا، كان يقول: اللهمّ الْعَنهُم لَعْنَ عادٍ وثمود. اللهمّ أبلغ نبيّك عنّي السلام. ثمّ الْتَفت إلى الحسين (عليه السلام)، فقال: أَوَفيتُ يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فجاء الإمام، ووقف عند رأسه، وقال: «نعم، أنت أمامي في الجنّة»، ثمّ فاضتْ نفسه، واستُشهد[2] (رضوان الله عليه).
[1] أبو مخنف، وقعة الطفّ، ص232.
[2] المصدر نفسه.
489
477 الموعظة الحادية والسبعون: دور الأهل في الحثّ على الجهاد والشهادة الموعظة الحادية والسبعون: دور الأهل في الحثّ على الجهاد والشهادة
بيان أهمّيّة الدور الكبير الذي يقوم به الأهل في تفعيل العمل الجهاديّ.
محاور الموعظة
ميّزات البيئة الجهاديّة صور من التاريخ لمواقف أسريّة مواقف أبي طالب (عليه السلام) محطّات مشرقة ومواقف مضيئة
تصدير الموعظة
أبو طالب (رضوان الله عليه): «اذهب يابنَ أخي، فقُلْ ما أحببتَ، فَوَالله لا أسلمكَ لشيء أبدًا»[1].
[1] الطبريّ، تاريخ الطبريّ، ج2، ص67.
490
478 الموعظة الحادية والسبعون: دور الأهل في الحثّ على الجهاد والشهادة مِن جملة عناصر القوّة للمجاهدين -بل من أهمّها- في سبيل مقارعة الطواغيت وتحطيم عروشهم، وإلحاقهم بمتاحف التاريخ، البيئةُ الحاضنة لهم، المتمثّلة بالآباء والأمّهات والإخوة والأخوات والزوجات، وبقيّة الأرحام والجيران وأهل البلدة والمنطقة، ثمّ المجتمع كلّه.
ميّزات البيئة الجهاديّة
مِن أهمّ ميّزات هذه البيئة الأمور الآتية:
أوّلًا: تُعَدّ هذه البيئة مِن أهمّ عوامل الاستقطاب والتوجيه وتنمية الروح الجهاديّة.
ثانيًا: تُعَدّ عنصرًا مؤثّرًا في مستوى الدعم المعنويّ، والتحفيز للاستمرار في نهج الجهاد.
ثالثًا: مِن أهمّ الوسائل الإعلاميّة والتبليغيّة لنشر روح المقاومة في نفوس الآخرين.
رابعًا: إنّ المواقف المتقدّمة جدًّا، والتي تنمُّ عن مستوًى عالٍ من التحلِّي بالبصيرة لدى عوائل الشهداء والجرحى، لها تأثير إيجابيّ في محيطها.
خامسًا: إنّ لإظهار الافتخار والاعتزاز بالأبناء الشهداء أو الجرحى أو المجاهدين الأثر الكبير في نفوس الناس.
سادسًا: إنّ وجود البيئة الحاضنة للمجاهدين يُشكّل العروق المتجذّرة للمشروع الجهاديّ، بحيث يصعب على أعدائهم النيل منهم أو اجتثاثهم أو القضاء عليهم.
491
479 الموعظة الحادية والسبعون: دور الأهل في الحثّ على الجهاد والشهادة صُوَر من التاريخ
عندما نتحدّث عن الفئات المتصارعة طوال التاريخ، يصعب علينا ألّا نرى مُشارَكةً لأحد من أفراد الأُسرة في عمليّة الصراع، بدءًا من آدم (عليه السلام) إلى عصر الظهور، بل إلى يوم القيامة.
فأوّل مواجهة بين خصمين كانت بين إبليس من جهة، وآدم (عليه السلام) وحواء من جهة ثانية -إذ كان لها حضورها في الميدان والمواجهة-؛ ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيطَٰنُ عَنهَا فَأَخرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلنَا ٱهبِطُواْ بَعضُكُم لِبَعضٍ عَدُوّٞ وَلَكُم فِي ٱلأَرضِ مُستَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ﴾[1]. وهذه أيضًا مريم (عليها السلام)، في مواجهة رجالات الهيكل مِن بني إسرائيل، تقاوم وتدافع عن مولودها ضمن الدفاع عن مشروع الرسالة الإلهيّة؛ ﴿فَأَتَت بِهِۦ قَومَهَا تَحمِلُهُۥ قَالُواْ يَٰمَريَمُ لَقَد جِئتِ شَئٗا فَرِيّٗا ٢٧ يَٰأُختَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمرَأَ سَوءٖ وَمَا كَانَت أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨ فَأَشَارَت إِلَيهِ قَالُواْ كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلمَهدِ صَبِيّٗا﴾[2]. وما بينهما أسماء لنساء ورجال دوَّن التاريخ في سجلّاتهم مواقف رائعة، انتصارًا لرسالة السماء.
ومن الصُوَر لمواقف أُسريّة في جبهة الحقّ ضدّ الباطل في زمان خاتم النبيّين، تلك الصوَر التي تحكي لنا مؤازرة ابن عمّه عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) وزوجته خديجة بنت خويلد وزيد بن حارثة، إذ كانوا النواة الأولى في مجاهدة ومواجهة الأعداء.