الرئيسية / زاد الاخرة / كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 2

كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 2

و قال هرم بن حيّان: المؤمن إذا عرف ربّه عزّ و جلّ أحبّه و إذا أحبّه أقبل إليه و إذا وجد حلاوة الإقبال إليه لم ينظر إلى الدّنيا بعين الشهوة و لم ينظر إلى الآخرة بعين الرّغبة و هو بجسده في الدّنيا و روحه في الآخرة.

و قال يحيى بن معاذ عفوه يستغرق الذّنوب فكيف رضوانه، و رضوانه يستغرق الآمال فكيف حبّه، و حبّه يدهش العقول فكيف ودّه، و ودّه ينسي ما دونه فكيف لطفه. و في بعض الكتب: عبدي أنا و حقّك لك محبّ فبحقّي عليك كن لي محبّا.

و قال يحيى بن معاذ: مثقال خردلة من الحبّ أحبّ إلى اللّه من عبادة سبعين سنة بلا حبّ. و قال أيضا: إلهي إنّي مقيم بفنائك، مشغول بثنائك صغيرا أخذتني إليك و سربلتني بقربك، و شرّفتني بمعرفتك، و أمكنتني من لطفك، و نقلتني في الأحوال، و قلبتني في الأعمال سترا و توبة و زهدا و شوقا و رضا و حبّا فسقيتني من حياضك و نعّمتني في رياضك ملازما لأمرك و مشعوفا بقولك و لما طرّ شاربي و لاح طائلي[1]فكيف أنصرف اليوم عنك كبيرا و قد اعتدت هذا منك صغيرا فلي ما بقيت حولك زمزمة و بالضراعة إليك همهمة، لأنّي احبّك و كلّ حبيب بحبيبه مشعوف، و عن غير حبيبه مصروف.

(1) أقول: و في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السّلام قال: «حبّ اللّه إذا أضاء على سرّ عبد أخلاه عن كلّ شاغل و كلّ ذكر سوى اللّه، و المحبّ أخلص الناس سرّا للَّه و أصدقهم قولا و أوفاهم عهدا و أزكاهم عملا و أصفاهم ذكرا و أعبدهم نفسا يتباهى به الملائكة عند مناجاته و تفتخر برؤيته، و به يعمر اللّه تعالى بلاده و بكرامته يكرم اللّه عباده،

يعطيهم إذا سألوه بحقّه، و يدفع عنهم البلايا برحمته، فلو علم الخلق ما محلّه عند اللّه و منزلته لديه لما تقرّبوا إلى اللّه إلّا بتراب قدميه.

و قال أمير المؤمنين عليه السّلام: «حبّ اللّه نار لا يمرّ على شي‌ء إلّا احترق، و نور اللّه لا يطلع على شي‌ء إلّا أضاء، و سماء اللّه ما ظهر من تحته من شي‌ء إلّا غطّاه، و ريح اللّه ما تهبّ في شي‌ء إلّا حرّكته و ماء اللّه يحيى به كلّ شي‌ء، و أرض اللّه ينبت منها كلّ شي‌ء، فمن أحبّ اللّه أعطاه كلّ شي‌ء من الملك و الملك.

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إذا أحبّ اللّه عبدا من امّتي قذف في قلوب أصفيائه و أرواح ملائكته و سكّان عرشه محبّته ليحبّوه فذلك المحبّ حقّا،

[1] طر النبت: يبست و منه طر شارب الغلام. و الطائل: الفضل و القدرة و الغنى.
طوبى له ثمّ طوبى له و له عند اللّه شفاعة يوم القيامة» [1] إلى هنا كلام الصادق عليه السّلام.

قال أبو حامد: و قد ورد في حبّ اللّه من الأخبار و الآثار ما لا يدخل في حصر حاصر و ذلك أمر ظاهر و إنّما الغموض في تحقيق معناه فلنشتغل به.

(بيان حقيقة المحبّة و أسبابها) (و تحقيق معنى محبّة العبد للَّه تعالى)

اعلم أنّ المطلب من هذا الفصل لا ينكشف إلّا بمعرفة حقيقة المحبّة في نفسها ثمّ معرفة شروطها و أسبابها، ثمّ النظر بعد ذلك في تحقيق معناها في حقّ اللّه عزّ و جلّ، فأوّل ما ينبغي أن يتحقّق أنّه لا يتصوّر محبّة إلّا بعد معرفة و إدراك إذ لا يحبّ الإنسان من لا يعرفه و لذلك لم يتصوّر أن يتّصف بالحبّ جماد بل هو من خاصيّة الحيّ المدرك

ثمّ المدركات في أنفسها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك و يلائمه و يلذّه و إلى ما ينافيه و ينافره و يؤلمه و إلى ما لا يؤثّر فيه بايلام و إلذاذ فكلّ ما في إدراكه لذّة و راحة فهو محبوب عند المدرك،

و ما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك، و ما يخلو عن استعقاب ألم و لذّة فلا يوصف بكونه محبوبا و لا مكروها، فإذن كلّ لذيذ محبوب عند المتلذّذ به، و معنى كونه محبوبا أنّ في الطبع ميلا إليه و معنى كونه مبغوضا أنّ في الطبع نفرة عنه، فالحبّ عبارة عن ميل الطبع إلى الشي‌ء الملذّ فان تأكّد ذلك الميل و قوي سمّي عشقا، و البغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب فإذا قوي سمّي مقتا فهذا أصل في معنى حقيقة الحبّ لا بدّ من معرفته.

الأصل الثاني أنّ الحبّ لمّا كان تابعا للمعرفة و الإدراك انقسم لا محالة بحسب انقسام المدركات و الحواسّ فلكلّ حاسّة إدراك لنوع من المدركات، و لكلّ واحدة منها لذّة في بعض المدركات، و للطبع بسبب تلك اللّذّة ميل إليها فكانت محبوبات عند الطبع السليم فلذّة العين في الإبصار و إدراك المبصرات الجميلة و الصور المليحة الحسنة، و لذّة الاذن في النغمات الطيّبة الموزونة، و لذّة الشمّ في الرّوائح الطيّبة، و لذّة الذوق في الطعوم، و لذّة اللّمس في اللّين و النعومة، و لمّا كانت هذه‌

[1] المصدر الباب السادس و التسعون.

المدركات بالحواسّ ملذّة كانت محبوبة أي كان للطبع السليم ميل إليها حتّى قال:

عليه السّلام «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب و النساء و جعلت قرّة عيني في الصلاة» [1]

فسمّى الطيب محبوبا و معلوم أن لا حظّ للعين و السمع فيه بل للشمّ فقطّ و سمّى النساء محبوبات و لا حظّ فيهنّ إلّا للبصر و اللّمس دون الشمّ و الذّوق و السمع

و سمّى الصلاة قرّة عين و جعلها أبلغ المحبوبات و معلوم أنّه ليس تحظى بها الحواسّ الخمس بل حسّ سادس مطيّته القلوب لا يدركه إلّا من كان له قلب و لذّات الحواسّ الخمس تشارك فيها البهائم الإنسان فإن كان الحبّ مقصورا على مدركات الحواسّ الخمس حتّى يقال:

إنّ اللّه تعالى لا يدرك بالحواسّ و لا يمثّل في الخيال فلا يحبّ فإذن قد بطلت خاصيّة الإنسان و ما تميّز به من الحسّ السادس الّذي يعبّر عنه إمّا بالعقل أو بالنور أو بالقلب أو بما شئت من العبارات فلا مشاحّة فيها و هيهات فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر و القلب أشدّ إدراكا من العين و جمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للإبصار فتكون لا محالة لذّة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهيّة الّتي تجلّ عن أن تدركها الحواسّ أتمّ و أبلغ فيكون ميل الطبع السليم و العقل الصحيح إليه أقوى و لا معنى للحبّ إلّا الميل إلى ما في إدراكه لذّة كما سيأتي تفصيله فلا ينكر إذن حبّ اللّه تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجاوز إدراك الحواسّ أصلا.

الأصل الثالث أنّ الإنسان لا يخفى أنّه يحبّ نفسه و لا يخفى أنّه قد يحبّ غيره لأجل نفسه و هل يتصوّر أن يحبّ غيره لذاته لا لأجل نفسه هذا ممّا قد يشكل على الضعفاء حتّى يظنّون أنّه لا يتصوّر أن يحبّ الإنسان غيره لذاته ما لم يرجع منه حظّ إلى المحبّ سوى إدراك ذاته و الحقّ أنّ ذلك متصوّر و موجود فلنبيّن أقسام المحبّة و أسبابها.

و بيانه أنّ المحبوب الأوّل عند كلّ حيّ نفسه و ذاته و معنى حبّه لنفسه أنّ في طبعه ميلا إلى دوام وجوده و نفرة عن عدمه و هلاكه لأنّ المحبوب بالطبع هو

[1] تقدم كرارا.

شاهد أيضاً

إيران أحيت “يوم القوة البحرية”.. استعداد تام لأيّ رد حاسم ومدمّر

أزاحت إيران، اليوم، الستار عن قاعدة “كردستان” البحرية العائمة، فيما انضمّت المدمرة “سهند” إلى أسطول ...