كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 8

البصائر كما أنّ المعقول الممكن عند العميان حبّ غير اللّه تعالى فقطّ، ثمّ كلّ من يحبّ واحدا من الخلق بسبب من هذه الأسباب يتصوّر أن يحبّ غيره لمشاركته إيّاه في السبب و الشركة نقصان في الحبّ و غضّ من كماله و لا يتفرّد أحد بوصف محبوب إلّا و قد يوجد له شريك فيه فإن لم يوجد فيمكن أن يوجد إلّا في حقّ اللّه فإنّه موصوف بهذه الأوصاف الّتي هي غاية الجمال و الكمال و لا شريك له فيه وجودا و لا يتصوّر أن يكون ذلك إمكانا فلا جرم لا يكون في حبّه شركة فلا يتطرّق النقصان إلى حبّه كما لا تتطرّق الشركة إلى صفاته فهو المستحقّ إذ الأصل المحبّة و لكمال المحبّة استحقاقا لا يساهم فيه أصلا.

(بيان انّ اجلّ اللّذّات و أعلاها معرفة اللّه تعالى و النظر إلى وجهه الكريم) (و انّه لا يتصوّر ان يؤثر عليها لذّة أخرى الاّ من حرم هذه اللّذة)

اعلم أنّ اللّذات تابعة للإدراكات و الإنسان جامع لجملة من القوى و الغرائز و لكلّ قوّة و غريزة لذّة و لذّتها في نيلها بمقتضى طبعها الّتي خلقت له فإنّ هذه الغرائز ما ركبت في الإنسان هزلا بل خلقت كلّ قوّة و غريزة لأمر من الأمور هو مقتضاها بالطبع، فغريزة الغضب خلقت للتشفّي و الانتقام، فلا جرم لذّتها في الغلبة و الانتقام الّذي هو مقتضى طبعها، و غريزة شهوة الطعام مثلا خلقت لتحصيل الغذاء الّذي به القوام فلا جرم لذّتها في نيل الغذاء الّذي هو مقتضى طبعها و كذلك لذّة السمع و البصر و الشمّ في الابصار و الاستماع و الاستشمام فلا يخلو غريزة من هذه الغرائز عن ألم و لذّة بالإضافة إلى مدركاتها فكذلك في القلب غريزة تسمّى النور الإلهيّ لقوله تعالى: «أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى‌ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» [1] و قد تسمّى العقل و قد تسمّى البصيرة الباطنة و قد تسمّى نور الإيمان و اليقين و لا معنى للاشتغال بالأسامي فإنّ الاصطلاحات مختلفة و الضعيف يظنّ أنّ الاختلاف واقع في المعاني لأنّ الضعيف أبدا يطلب المعاني من الألفاظ و هو عكس الواجب فالقلب مفارق لسائر أجزاء البدن بصفة بها يدرك المعاني الّتي ليست متخيّلة و لا

[1] الزمر: 23.
محسوسة كإدراكه خلق العالم أو افتقاره إلى خالق مدبّر حكيم موصوف بصفات الإلهيّة و لنسمّ تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة و المناظرة، فقد اشتهر اسم العقل بهذا و لهذا ذمّه من ذمّه و إلّا فالصّفة الّتي بها فارق الإنسان البهائم و بها يدرك معرفة اللّه تعالى أعزّ الصفات فلا ينبغي أن يذمّ و هذه الغريزة خلقت فيه ليعلم بها حقائق الأمور كلّها فمقتضى طبعها المعرفة و العلم و هي لذّتها كما أنّ مقتضى طبع سائر الغرائز هو لذّتها و ليس يخفى أنّ في العلم و المعرفة لذّة حتّى أنّ الّذي ينسب إلى العلم و المعرفة و لو في شي‌ء خسيس يفرح به و الّذي ينسب إلى الجهل و لو في شي‌ء حقير يغتمّ به و حتّى أنّ الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدّي بالعلم و التمدّح به في الأشياء الحقيرة فالعالم باللّعب بالشطرنج على خسّة لا يطيق السكوت فيه عن التعليم و ينطق لسانه بذكر ما يعلمه و كلّ ذلك لفرط لذّة العلم و ما يستشعره من كمال ذاته فإنّ العلم من أخصّ صفات الرّبوبيّة و هو منتهى الكمال و لذلك يرتاح الطبع إذا اثنى عليه بالذّكاء و غزارة العلم لأنّه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته و كمال علمه فيعجب بنفسه و يلتذّ به، ثمّ ليست لذّة العلم بالحراثة و الحياكة و الخياطة كلذّة العلم بسياسة الملك و تدبير أمر الخلق و لا لذّة العلم بالنحو و الشعر كلذّة العلم باللّه تعالى و صفاته و ملائكته و ملكوت السماوات و الأرض، بل لذّة العلم بقدر شرف العلم و شرف العلم بقدر شرف المعلوم حتّى أنّ الّذي يعرف بواطن أحوال الناس و يخبر بذلك يجد له لذّة و إن جهله يتقاضاه طبعه أن يتفحّص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد و أسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذّ عنده و أطيب من علمه بباطن حال فلّاح أو حائك، فإن اطّلع على أسرار الوزير و تدبيره و ما هو عازم عليه في أمر الوزارة فهي أشهى عنده و ألذّ من علمه بأسرار الرّئيس، و إن كان خبيرا بباطن أحوال الملك و السّلطان الّذي هو المستولي على الوزير كان ذلك أطيب عنده و ألذّ من علمه بباطن أمر الوزير و كان يمدحه بذلك و حرصه على البحث عنه أشدّ و حبّه له أكثر لأنّ لذّته فيه أعظم فبهذا يستبان أنّ ألذّ المعارف أشرفها و شرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في المعلومات ما هو
الأجلّ و الأكمل و الأشرف و الأعظم فالعلم به ألذّ العلوم لا محالة و أشرفها و أطيبها، و ليت شعري هل في الوجود شي‌ء أجمل و أعلى و أشرف و أكمل من خالق الأشياء كلّها و مكمّلها و مزيّنها و مبدئها و معيدها و مدبّرها و مرتّبها و هل يتصوّر أن تكون حضرة في الملك و الكمال و البهاء و الجمال و الجلال أعظم من الحضرة الرّبّانيّة الّتي لا يحيط بمبادي جلالها و عجائب أحوالها وصف الواصفين فإن كنت لا تشكّ في ذلك فلا ينبغي أن تشكّ في أنّ الاطّلاع على أسرار الرّبوبيّة و العلم بترتّب الأمور الإلهيّة المحيطة بكلّ الموجودات هو أعلى أنواع المعارف و الاطّلاعات و ألذّها و أطيبها و أشهاها و أحرى ما يشتهي النفوس الاتّصاف بكمالها و جلالها و أجدر ما يعظم به الفرح و الارتياح و الاستبشار و بهذا يتبيّن أنّ العلم لذيذ و أنّ ألذّ العلوم العلم باللّه تعالى و صفاته و أفعاله و تدبيره في مملكته من منتهى عرشه إلى تخوم الأرض فينبغي أن يعلم أنّ لذّة المعرفة أقوى من سائر اللّذّات أعني لذّة الشهوة و الغضب و لذّة سائر الحواسّ الخمس فإنّ اللّذات مختلفة بالنوع أوّلا كمخالفة لذّة الوقاع للذّة السماع و لذّة المعرفة للذّة الرّئاسة و هي مختلفة بالضعف و القوّة كمخالفة لذّة الشبق المغتلم من الجماع بالإضافة إلى لذّة الفاتر للشهوة و كمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل الفائق الجمال بالإضافة إلى ما دونه في الجمال، و إنّما تعرف أقوى اللّذّات بأن تكون مؤثّرة على غيرها فإنّ المخيّر بين النظر إلى صورة جميلة و التمتّع بمشاهدتها و بين استنشاق روائح طيبة إذا اختار النظر إلى الصور الملاح علم به أنّ الصور الجميلة عنده ألذّ من الروائح الطيّبة و كذلك إذا حضر الطعام وقت الأكل و استمرّ اللّاعب بالشطرنج على اللّعب و ترك الأكل فيعلم به أنّ لذّة الغلبة في الشطرنج أقوى عنده من لذّة الأكل، فهذا معيار صادق في الكشف عن ترجيح اللّذّات فنعود و نقول: اللّذّات تنقسم إلى ظاهرة كلذّة الحواسّ الخمس و إلى باطنة كلذّة الرّئاسة و الغلبة و الكرامة و العلم و غيرها إذ ليست هذه اللّذّات للعين و لا للأنف و لا للأذن و لا للّمس و لا للذّوق و المعاني الباطنة أغلب على ذوي الكمال من اللّذّات الظاهرة فلو خيّر الرّجل بين لذّة الهريسة و

 

المحجة البيضاء  : الفيض الكاشاني    جلد : 8  صفحه : 29

شاهد أيضاً

في فضل العلم و التعليم و التعلّم

و وقائها و أيّام الجاهليّة و الأشعار العربيّة، قال: فقال النبي صلّى اللّه عليه و …