الدّجاج المسمن و اللّوزينج و بين لذّة الرّئاسة و قهر الأعداء و نيل درجة الاستيلاء، فإن كان المخيّر خسيس الهمّة ميّت القلب شديد النهمة اختار الهريسة و الحلاوة و إن كان عليّ الهمّة كامل العقل اختار الرّئاسة و هان عليه الجوع و الصبر على ضرورة القوت أيّاما كثيرة فاختياره للرّئاسة يدلّ على أنّها ألذّ عنده من الهريسة و المطعومات الطيّبة، نعم الناقص الّذي لم تكمل معانيه الباطنة بعد كالصبيّ أو كالّذي ماتت قواه الباطنة كالمعتوه لا يبعد أن يؤثر لذّة المطعومات على لذّة الرّئاسة و كما أنّ لذّة الرّئاسة و الكرامة أغلب اللّذّات على من جاوز نقصان الصّبي و العته فلذّة معرفة اللّه تعالى و مطالعة جمال الحضرة الرّبوبيّة و النظر إلى أسرار الأمور الإلهيّة ألذّ من الرّئاسة الّتي هي أعلى اللّذّات الغالبة على الخلق، و غاية العبارة عنه أن يقال: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» [1] و أنّه أعدّ لهم ما لا عين رأت و لا إذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و هذا لا يعرفه إلّا من ذاق اللّذّتين جميعا فإنّه لا محالة يؤثر التبتّل و التفرّد و الفكر و الذّكر، و ينغمس في بحار المعرفة و يترك الرّئاسة و يستحقر الخلق الّذين يرأسهم لعلمه بفناء رئاسته و فناء من عليه رئاسته و كونه مشوبا بالكدورات الّتي لا يتصوّر الخلوّ عنها و كونه مقطوعا بالموت الّذي لا بدّ من إتيانه مهما «أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا- الآية» [2] فيستعظم بالإضافة إليه لذّة معرفة اللّه تعالى و مطالعة صفاته و أفعاله و نظام مملكته من أعلى علّيّين إلى أسفل السافلين، فإنّها خالية عن المزاحمات و المكدّرات، متّسعة للمتواردين عليها، لا يضيق عنهم بكثرتهم دائما و إنّما عرضها من حيث التقدير السماوات و الأرض، و إذا خرج النظر عن المقدّرات فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنّة عرضها السماوات و الأرض، يرتع في رياضها و يكرع في حياضها و يقطف من ثمارها و هو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنّة غير مقطوعة و لا ممنوعة بل هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة اللّه تعالى إذ محلّها الرّوح الّذي هو أمر ربّانيّ
[1] السجدة: 17.
[2] يونس: 24. سماويّ و إنّما الموت يغيّر أحوالها و يقطع شواغلها و عوائقها و يخلّيها من حسبها فأمّا أن يعدمها فلا قال اللّه تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ- الآية» [1] و لا تظننّ أنّ هذا مخصوص بالمقتول في المعركة فإنّ للعارف بكلّ نفس درجة ألف شهيد، و في الخبر «إنّ الشهيد يتمنّى في الآخرة أن يردّ إلى الدّنيا فيقتل مرّة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة و أنّ الشهداء يتمنّون لو كانوا علماء لما يرون من علوّ درجة العلماء» [2] فإذن جميع أقطار ملكوت السماوات و الأرض ميدان للعارف يتبوّأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرّك فيها بجسمه و شخصه فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنّة عرضها السماوات و الأرض و كلّ عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا إلّا أنّهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم بقدر تفاوتهم في اتّساع نظرهم و سعة معارفهم و هم درجات عند اللّه و لا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أنّ لذّة الرّئاسة و هي باطنة أقوى عند ذوي الكمال من لذّات الحواسّ كلّها، و أنّ هذه اللّذّة لا تكون لبهيمة و لا لصبيّ و لا لمعتوه و إنّ لذّة المحسوسات و الشهوات تكون لذوي الكمال مع لذّة الرّئاسة و لكن يؤثرون الرّئاسة فأمّا معنى كون معرفة اللّه و صفاته و أفعاله و ملكوت سماواته و أسرار ملكه أعظم لذّة من الرّئاسة فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتبة المعرفة و ذاقها و لا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له لأنّ القلب معدن هذه القوّة كما أنّه لا يثبت رجحان لذّة الوقاع على لذّة اللّعب بالصولجان عند الصبيان و لا رجحانه على لذّة شمّ البنفسج عند العنّين لأنّه قد فقد الصفة الّتي بها تدرك هذه اللّذّة، و لكن من سلم من آفة العنة و سلم حاسّة شمّه أدرك التفاوت بين اللّذّتين و عند هذا لا يبقى إلّا أن يقال: من ذاق عرف، و لعمري أنّ طلّاب العلوم و إن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهيّة فقد استنشقوا رائحة هذه اللّذّة عند انكشاف المشكلات و انحلال الشبهات
[1] آل عمران: 163 و 164.
[2] متفق عليه من حديث أنس و قد تقدم. الّتي قوي حرصهم على طلبها فإنّها أيضا معارف و علوم و إن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهيّة فأمّا من طال فكره في معرفة اللّه سبحانه و قد انكشف له من أسرار ملك اللّه و لو الشيء اليسير فإنّه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به و يتعجّب من نفسه في ثباته و احتماله لقوّة فرحه و سروره و هذا ممّا لا يدرك إلّا بالذّوق، و الحكاية فيه قليلة الجدوى، فهذا القدر ينبّهك على أنّ معرفة اللّه سبحانه ألذّ الأشياء و أنّه لا لذّة فوقها، و لذلك قال أبو سليمان:
من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه و من كان اليوم مشغولا بربّه فهو غدا مشغول بربّه. و قيل لرابعة: ما حقيقة إيمانك قالت: ما عبدته خوفا من ناره و لا رجاء لجنّته فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبّا له و شوقا إليه، و قالت في معنى المحبّة نظما:
احبّك حبّين حبّ الهوى
و حبّا لأنّك أهل لذاكا
فأمّا الّذي هو حبّ الهوى
فشغلي بذكرك عمّن سواكا
و أمّا الّذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتّى أراكا
فلا الحمد في ذا و لا ذاك لي
و لكن لك الحمد في ذا و ذاكا
و لعلّها أرادت بحبّ الهوى حبّ اللّه تعالى لإحسانه إليها و إنعامه عليها بحظوظ العاجلة، و بحبّها لما هو أهل له الحبّ لجماله و جلاله الّذي انكشف لها و هو أعلى الحبّين و أقواهما و لذّة مطالعة جمال الرّبوبيّة هي الّتي عبّر عنها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال حاكيا عن ربّه تعالى: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا إذن سمعت و لا خطر على قلب بشر» [1] و قد يتعجّل بعض هذه اللّذات لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية، و لذلك قال بعضهم: إنّي لأقول: يا ربّ يا اللّه فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال لأنّ النداء يكون من وراء حجاب و هل رأيت جليسا ينادي جليسه؟
و قال: إذا بلغ الرّجل في هذا العلم الغاية رماه الخلق بالحجارة. أي يخرج كلامه عن حدّ عقولهم فيرون ما يقوله جنونا و كفرا، فمقصد العارفين كلّهم وصله و لقاؤه
[1] أخرجه البخاري ج 4 ص 143 من حديث أبي هريرة و قد تقدم.