الرئيسية / الاسلام والحياة / “ومن يُؤْت الْحِكْمة فقدْ أُوتِي خيْرًا كثِيرًا وما يذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبابِ”

“ومن يُؤْت الْحِكْمة فقدْ أُوتِي خيْرًا كثِيرًا وما يذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبابِ”

إنّها الوثيقة الأخلاقيّة الجامعة، والتي حملها إلينا التراث من زمن الإمام الكاظم عليه السلام، وهي الوصيّة التي أوصى بها لصاحبه هشام بن الحكم. لقد تضمنت الوصيّة هذه كماً هائلاً من المضامين الثقافيّة المتنوّعة، والتي انطلقت من العقل، ودوره وتأثيره في بناء الأخلاق الإنسانيّة، وما يكمل به المرء حين يتّصف بالحسن منها.

الخوف جلباب العارفين

 

كلمتان وصف أمير المؤمنين عليه السلام بهما الخوف، ومدح الخائفين، والجلباب هو ما يُلبس ويلازم الجسد، وكذلك الخوف من الله تعالى فإنّه لا بدّ أن يلازم المرء في كل تصرفاته، وأما توصيف الإمام بأنه جلباب العارفين فهذا غاية المدح لمن كان الخوف من الله تعالى منطلقاً له قبل أن يقوم بأيّ حركة وسكنة، فبالخوف من الله تتحقق التقوى، فعن الإمام علي عليه السلام : “الخشية من عذاب الله شيمة المتّقين”8.

 

والملاحظ أنّ العديد من الروايات شبّهت الخوف بالدثار وما يغطي المرء، وكأنّ الخوف ساتر له عن سائر ما يؤذيه، فالذنوب والمعاصي في حقيقتها ضرر للإنسان وإن لم يكن الإنسان ملتفتاً لذلك، ومستغرقاً في اللذة الظاهرية للذنب التي تعقب من ورائها عذاباً أبدياً وندماً وحسرةً، فقول الله تعالى: “إِنّ الّذِين يأْكُلُون أمْوال الْيتامى ظُلْمًا إِنّما يأْكُلُون فِي بُطُونِهِمْ نارًا وسيصْلوْن سعِيرًا”9، يدلّ على أنّها نارٌ حقيقية، لكن المرء لاستغراقه في لذّة الدنيا وغفلته التامّة عن الله تعالى لا يشعر بهذه النار، عن الإمام زين العابدين عليه السلام : “ابن آدم، لا تزال بخير… ما

 

8- الريشهري محمّد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 824.

9-النساء:10


كان الخوف لك شعاراً والحزن دثاراً”10.

 

ولكن السؤال الأهم الذي ينبغي معرفته كيف نخشى الله تعالى؟

 

  كيف نخشى الله تعالى؟

 

هنا السؤال الأهمّ الذي ينبغي الإجابة عليه، إذ كيف يتحقّق الخوف الحقيقي الذي يترك أثره على دين المرء، الخوف الذي ينطبق عليه قول الله تعالى: “تتجافى جُنُوبُهُمْ عنِ الْمضاجِعِ يدْعُون ربّهُمْ خوْفًا وطمعًا ومِمّا رزقْناهُمْ يُنفِقُون”11.

 

يجيبنا أمير المؤمنين عليه السلام على هذا السؤال في ما روي عنه عليه السلام : “احذروا من الله ما حذّركم من نفسه، واخشوه خشيةً يظهر أثرها عليكم”12.

 

فماذا حذرنا الله تعالى من نفسه؟ لو طالعنا كلام الله تعالى لطالعتنا الكثير من الآيات التي يصف الله تعالى فيها نفسه تارة بأنّه شديد العقاب، وأخرى بأنّه ذو العذاب الشديد، ويكفي لو نظرنا لما في أهوال يوم القيامة ودقيق الحساب وعظيم الهول المحيط بها إذ يخلق فينا خوفاً منه. ومن الأمور التي تُخشى من الله تعالى عدله، فلو عاملنا الله بعدله وبما نستحق على تقصيرنا وما اقترفناه من آثام لما ذقنا طعم الجنّة أبداً.

 

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام: “خف الله كأنّك تراه، فإن كنت لا تراه فإنّه يراك، فإن كنت ترى أنّه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها فقد جعلته في حدّ أهون الناظرين إليك”13.

 

فالاعتقاد بأنّ الله تعالى يرانا في كلّ أعمالنا، وينظر إلينا واليقين بذلك يخلقان

 

11- الريشهري محمّد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 824.

12 السجدة:16

13- الريشهري محمّد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 825.

14- الريشهري محمّد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 825.


فينا خوفاً حقيقياً، ونحن نعلم أنه يرانا حقاً، فكيف يستتر المرء بحسب الرواية عن سائر الخلق في المعاصي ويجاهر الله بها سراً، أليس هذا استخفاف بالناظر إلينا؟

 

  العلم والخوف

 

وينبغي هنا أن نلتفت لأمر مهم وهو أن هنالك أموراً تساعد الإنسان للوصول للخوف الحقيقي، ونقصد بالخوف الحقيقي ما يقابله من الخوف الإدعائي الذي كلنا يقدر على ادعائه باللسان والكلام فحسب، ومن هذه أهم هذه الأمور العلم فعن الإمام علي عليه السلام: “مخافة من الله على قدر العلم به”14.

 

والمراد بالعلم هنا اليقين لا مجرد أن يعرف الإنسان معرفةً، فاليقين بالشيء أعمق من ذلك، فكلنا يعرف أن الله يرانا في كل أحوالنا، ولكن هل نتصرف بناء على هذه المعرفة؟ والفرق بين العلم والمعرفة يتبين لنا في مثال، فلو أن طبيباً ما منعنا عن مادة معينة وحذرنا من سميتها، فهنا يتحقق يقين في نفس الإنسان فلا يقدم على تناول المادة السامة، لأنه حصّل اليقين في النفس، ولم يعد الأمر مجرد معرفة، ولذلك كان العلماء هم أكثر الناس خوفاً من الله لما أكرمهم الله تعالى به من نور العلم، العلم الحقيقي، يقول الله سبحانه وتعالى: “إِنّما يخْشى الله مِنْ عِبادِهِ الْعُلماء إِنّ الله عزِيزٌ غفُور”15.

 

وعن رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: “من كان بالله أعرف كان من الله أخوف”16.

 

والتفكر في المسائلة الإلهيّة يزيد من علم المرء وكذلك التأمل فيما ورد عن المعصومين عليهم السلام من كلام يحيي القلوب الميتة بنور العلم والحكمة، فهذا رسول الله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ينبهنا في كلام عميق فيقول: “ألا إن المؤمن يعمل بين مخافتين:

 

15- الريشهري محمّد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 825.

16  فاطر:28

17- الريشهري محمّد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 1 ص 825.


بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته، وفي الشيبة قبل الكبر، وفي الحياة قبل الممات، فوالذي نفس محمّدٍ بيده، ما بعد الدنيا من مستعتب، وما بعدها من دار إلا الجنّة أو النار”17.

شاهد أيضاً

[ يا أَيُّها الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْبَطَلُ ] – قصيدةٌ من ديوان السّباعيّ الذّهبيّ في الشّعر العربيّ

[ يا أَيُّها الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْبَطَلُ ] – قصيدةٌ من ديوان السّباعيّ الذّهبيّ في الشّعر ...