مقتضى الجمع بين الآيات هو تقييد الآيات في الطائفة الأولى بالمجموعة الأولى والثانية من الطائفة الثانية، حيث يكون الإذن بالقتال لردع المعتدين ومواجهة الظلم والخيانة ونقض العهود، وعليه تحمل الآيات التي تحرض على القتال والتي تتحدث عن فضل المجاهدين وتحث على الجهاد، فإن المتتبع لسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الجهادية يجده في كل حلقات جهاده قد حارب دفاعاً كما سنعرضه في القسم الثاني من هذا البحث.
أما القتال لدفع البغي وردع الباغي، فلا يفرّق فيه بين بغي الكفار وبغي المسلمين إذا لم يندفع إلا بالقتال كما هو صريح الآية المتقدمة.
يبقى لدينا آية واحدة وهي الآية الأخيرة الواردة في قتال أهل الكتاب، والتي تبدو للوهلة الأولى أنها توجب قتال أهل الكتاب حتى يؤمنوا أو يؤدوا الجزية أو يقتلوا، وهي وإن كانت مغياة بذلك، إلا أن الكلام في استفادة الوجوب المطلق من ناحية القيود الواردة في الآيات السابقة، أي متى يجب قتالهم؟
هل لمجرد الامتناع عن الإيمان؟
أم عند خيانتهم وتآمرهم واعتدائهم؟
خاصة أن من الآيات القرآنية ما هو صريح في اعتماد أساليب الإقناع في الدعوة كما في قوله تعالى:
ومن المعلوم أن الإيمان لا يمكن أن يتحقق بالإكراه. “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”. (البقرة/256)، “أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ” (يونس/99).
وقد ذهب البعض إلى أن آية قتال أهل الكتاب باعتبارها متأخرة نزولاً (نزلت مع سورة براءة بعد فتح مكة في سنة تسع للهجرة( فهي ناسخة لما سبقها.
إلا أنه يمكن القول بأنها غير ناسخة وإنما جاءت في شروط خارجية معروفة بعد أن تآمرت قبائل اليهود مع المشركين ونكثوا العهود والمواثيق، وكذلك فعل غيرهم ممن لم يعجبه انتشار الإسلام وتعاظم دوره في الجزيرة حتى أن الخارجين عن حدود الجزيرة بدأوا تحركاً لمهاجمة الدولة الفتية، مما دفع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للخروج إلى تبوك.
هذه الظروف يمكن أن تشكل قرينة تمنع الإطلاق.
ومهما يكن، فإذا كان الجهاد الابتدائي الذي يقصد منه الدعوة إلى الإسلام – كما يقال- مشروطاً بحضور الإمام المعصوم على رأي المشهور، فإنه هو الذي يبين الحكم الشرعي عندئذٍ، فينحصر البحث في زمان غيبته بالجهاد الدفاعي، إلا إذا اعتبرنا أن الفقيه الجامع لشرائط الولاية والنيابة العامة يقوم مقام الإمام المعصوم في الجهاد الابتدائي أيضاً.
والذي يهوّن علينا البحث أن أعداء الدين الإسلامي لم يؤلوا جهداً في محاربة الإسلام واضطهاد المسلمين والسعي الدؤوب لفتنتهم عن دينهم والإيقاع بينهم والاستيلاء على ثرواتهم وسلبهم حرياتهم وغير ذلك من صنوف الظلم والعدوان. ومن هنا، جاء الحث على الجهاد والتشجيع على الإعداد والاستعداد، فإن في الدفاع ما يكفي لهذا الكم الهائل من الآيات التي تأمر بالجهاد وتدعو إليه وتبين أهميته وتظهر الوعد الإلهي للمجاهدين بالنصر والتسديد والإمداد.