الرئيسية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

146

((إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ )) من نفاقهم ((وَأَصْلَحُواْ )) نيّاتهم وأعمالهم كسائر المؤمنين ((وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ ))، أي أخلصوا طريقهم لله بخلاف المنافق الذي يبّعض في طريقته فيعضها لله وبعضها للأصنام ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ )) في دنياهم وآخرتهم ((وَسَوْفَ )) في الآخرة ((يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)) هو النعيم والمقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

147

ولما ذكر سبحانه أن المنافقين في الدرك الأسفل بيّن أنه ليس من حاجة له الى عذاب أحد وإنما ذلك لسوء صنيعهم فلو بدّلوا صنيعهم لكان خيراً لهم ((مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ )) أيها الناس، والإستفهام في معنى الإنكار، أي لا حاجة الى عذابكم إذ لا ينتفع الله بذلك كما لا يتضرّر بتركه ((إِن شَكَرْتُمْ )) نعمه سبحانه ((وَآمَنتُمْ )) إيماناً صحيحاً ((وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا )) لمن شكر، ومعنى كونه شاكراً أنه يفعل فعل الشاكر من الحفاوة بالنسبة الى المشكور له ((عَلِيمًا)) بكم وبأعمالكم فلا يفوته شيء منها.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

148

وحيث تقدّم الكلام حول النفاق وهو شيء ربما إشتبه فيه الناس، ولذا نراهم يرمي بعضهم بعضاً بالنفاق بيّن سبحانه أنه لا يجوز أن يجهر الإنسان بالقول السيّء بالنسبة الى أحد إلا إذا كان الإنسان الجاهر مظلوماً فإنه يحقّ له أن يجاهر بظلامته فلا يحقّ لأحد أن يُبدي عورة غيره حتى فيما إذا عَلِم فكيف بما لو ظنّ أو وَهم، وفي آية أخرى (إجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظنّ إثم) ((لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ )) بأن يقول القول السيّء بالنسبة الى غيره جهراً أمام الناس، ومعنى “لا يحب” أنه يكره ذلك ((إِلاَّ مَن ظُلِمَ )) فإنه يحق له أن يذكر ظلامته أمام الناس ((وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا )) يسمع ما يجهر به الإنسان من القول السيّء في غيره ((عَلِيمًا)) بصدق الصادق وكذب الكاذب فيُجازي كلاًّ حسب جزائه.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

149

وإذ ذكر تعالى جواز الجهر بالسوء لمن ظلم بيّن أن إبداء الخير وإخفاء السوء أحسن فإن ذلك من صفات الله سبحانه العفوّ القدير الذي يعفو مع قدرته ((إِن تُبْدُواْ ))، أي تُظهروا ((خَيْرًا ))، أي حسناً جميلاً لمن أحسن ((أَوْ تُخْفُوهُ ))، أي تتركوا إظهار الخير، أو المعنى تعزموا عليه أي تنووه، ولعل الثاني أقرب ((أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ )) فلا تنتقموا ممن أساء إليكم مع قدرتكم على الإنتقام، ففي المقام لا تجهروا بالقول السيّء بالنسبة الى من ظلمكم ((فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا)) كثير العفو عن خلقه ممن أساء وظلم ((قَدِيرًا)) على الإنتقام منهم فما أجدر أن يتّصف الخلق بصفة الخالق.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

150

ولما ذكر سبحانه في الآيات السابقة حال المنافقين أتمّ الكلام في الآيات التالية حول حال الكافرين والمؤمنين فإنّ الشأن أن الناس ينقسمون أمام الدعوة الجديدة الى مؤمن وكافر ومنافق بين أولئك ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ )) وإن كان كفراً برسول واحد، والتكفير أما بالإنكار أو نحو ذلك ((وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ )) لعل هي أنهم طائفة أخرى حيث أنهم يؤمنون بالله ويكفرون بالرُسُل فبهذه الصفة أنهم مفرّقون بين الله والإيمان وبين المُرسَل بالكفران ((وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ )) فإن هناك المنكِر المطلق والذي لا ينكر الله ولكن ينكر أنبيائه جملة والذي يبّعض في الأنبياء ((وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ )) الحق والواقع ((سَبِيلاً)) طريقاً لا الإنكار المطلق ولا الإذعان.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

151

((أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ))، أي حقيقة فلا يخرج إيمانهم ببعض عن كونهم كافرين كما قد ينطلق على بعض الذين لا يعرفون معيار الكفر والإيمان، فأيّ الكفر هو إنكار أحد الأصول والإيمان هو الإقرار بها أجمع ((وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ ))، أي هيّئنا لهم ((عَذَابًا مُّهِينًا)) يهينهم ويذلّهم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

152

((وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ )) جميعاً ((وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ )) لفظة “أحد” إذا دخل عليه النفي أو كان في معناه أفاد العموم ولذا صحّ إدخال “بين” عليه ولا كذلك إذا كان للإثبات ((أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ )) الله ((أُجُورَهُمْ )) في الآخرة ((وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا )) يغفر ما صدر منهم من دين ((رَّحِيمًا)) يرحم بلطفه ورحمته.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

153

وإذا تقدّم الكلام عن الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومَن أظهرَ مصاديق أولئك أهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء السالفة ولم يؤمنوا بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحجج واهية إنتقل السياق الى هؤلاء مبيّناً أنهم كاذبون في زعم الإيمان بموسى (عليه السلام) فإنهم كانوا يرهقونه (عليه السلام) بأسئلة وأعمال بشعة ((يَسْأَلُكَ )) يارسول الله ((أَهْلُ الْكِتَابِ )) والمراد هنا اليهود ((أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء )) كما جاء لموسى التوراة جملة مكتوبة لا أن تأتي الآيات على نحو الوحي، وفي بعض التفاسير أن كعب الأشرف وجماعة من اليهود قالوا : يامحمد إن كُنتَ نبيّاً فاتِنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة جملة ((فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ )) أفَهُم آمنوا بموسى (عليه السلام) لمّّا أتاهم الكتاب من السماء؟ كلا بل سئلوه شيئاً أكبر من ذلك ((فَقَالُواْ )) له (عليه السلام) ((أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً )) حتى نشاهده بأعيننا ((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِـ)) سبب ((ظُلْمِهِمْ )) وتجرّئهم على ساحة قدس الله وجلاله فقد جاءت صاعقة وأماتتهم جميعاً -كما تقدّم في سورة البقرة- ((ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ )) إلهاً عبدوه من دون الله سبحانه ((مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ))، أي الأدلة الواضحة على الربوبية والنبوّة من نجاتهم من بني إسرائيل وتفريق البحر لهم وما رأوه من معاجز العصى وغير ذلك ((فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ )) بما تقدّم في سورة البقرة من أمرهم بقتل بعضهم بعضاً ولكن لم ينفعهم ذلك أيضاً بل بقوا معاندين قُساة جُفاة ((وَآتَيْنَا مُوسَى ))، أي أعطيناه ((سُلْطَانًا مُّبِينًا))، أي حُجّة واضحة تبيّن صدقِه ونبوّته ومع ذلك لم يؤمنوا.

شاهد أيضاً

قصص من مركز الأبحاث العقائدية 02

( 2 ) إبراهيم مختار سماكي ( مالكي / مالي ) ولد عام 1967 م ...