ش المراجعة 77 رقم : 20 صفر سنة 1330 البحث عن السبب في تقديم حديث أم سلمة عند التعارض لم تكتف سلمك الله – في تقديم حديث أم سلمة على حديث عائشة رضي الله عنهما – بما ذكرت سابقا ، حتى زعمت أن ما لم تذكره من الوجوه المقتضية لذلك أكثر مما ذكرت ، فهاتها رحمك الله على كثرتها ، ولا تستأثر بشئ منها ، فإن المقام مقام بحث وإفادة ، والسلام . س المراجعة 78 رقم : 22 صفر سنة 1330 الأسباب المرجحة لحديث أم سلمة مضافا إلى ما تقدم إن السيدة أم سلمة لم يصغ قلبها بنص الفرقان العظيم ، ولم تؤمر بالتوبة في محكم الذكر الحكيم ( 1 ) ( 807 ) ، ولا نزل القرآن بتظاهرها على النبي ، ولا تظاهرت من بعده على الوصي ( 2 ) ( 808 ) ، ولا تأهب الله لنصرة نبيه عليها وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ، ولا توعدها الله بالطلاق ، ولا هددها بأن يبدله خيرا منها ( 3 ) ( 809 ) ولا ضرب امرأة نوح وامرأة لوط لها مثلا ( 4 ) ( 810 ) ولا حاولت من رسول الله ( ص ) أن يحرم على نفسه ما أحل الله له ( 5 ) ( 811 ) ، ولا قام النبي ( ص ) خطيبا على منبره فأشار نحو مسكنها قائلا : ” هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ، هاهنا الفتنة ، حيث يطلع قرن الشيطان ( 6 ) ” ( 812 ) ، ولا بلغت في آدابها أن تمد رجلها في قبلة النبي ( ص ) ، وهو يصلي – احتراما له ولصلاته – ثم لا ترفعها عن محل سجوده حتى يغمزها ، فإذا غمزها رفعتها ، حتى يقوم فتمدها ثانية ( 1 ) ( 813 ) وهكذا كانت ، ولا أرجفت بعثمان ، ولا ألبت عليه ، ولا نبزته نعثلا ، ولا قالت : اقتلوا نعثلا فقد كفر ( 2 ) ( 814 ) ، ولا خرجت من بيتها الذي أمرها الله عز وجل أن تقر فيه ( 3 ) ، ولا ركبت العسكر ( 4 ) ( 815 ) قعودا من الإبل تهبط واديا وتعلو جبلا ، حتى نبحتها كلاب الحوأب ، وكان رسول الله ( ص ) أنذرها ( 5 ) ( 816 ) بذلك ، فلم ترعو ولم تلتو عن قيادة جيشها اللهام الذي حشدته على الإمام ، فقولها : مات رسول الله بين سحري ونحري معطوف على قولها : ” إن رسول الله ( ص ) رأى السودان يلعبون في مسجده بدرقهم وحرابهم ، فقال لها : أتشتهين تنظرين إليهم ؟ قالت : نعم ، قالت : فأقامني وراءه وخدي على خده ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة – إغراء لهم باللعب لتأنس السيدة – قالت : حتى إذا مللت ، قال : حسبك ؟ قلت : نعم ، قال : فاذهبي ( 1 ) ” ( 817 ) وإن شئت فاعطفه على قولها : ” دخل علي رسول الله ( ص ) وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش ، ودخل أبو بكر فانتهرني ، وقال : مزمارة الشيطان عند رسول الله ، قالت : فأقبل عليه رسول الله ( ص ) فقال : دعهما . . . ” الحديث ( 2 ) ( 818 ) . واعطفه إن شئت على قولها ( 3 ) : ” سابقني النبي فسبقته ، فلبثناه حتى رهقني اللحم ، سابقني فسبقني ، فقال : هذه بتيك ” ( 819 ) أو على قولها ( 4 ) : ” كنت ألعب بالبنات ويجئ صواحبي فيلعبن معي ، وكان رسول الله يدخلهن علي فيلعبن معي . . . الحديث ” ( 820 ) أو على قولها ( 1 ) : ” خلال في سبع لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله مريم بنت عمران ، نزل الملك بصورتي ، وتزوجني رسول الله بكرا لم يشركه في أحد من الناس ، وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد ، وكنت من أحب النساء إليه ، ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ، ورأيت جبرائيل ولم يره من نسائه أحد غيري ، وقبض في بيتي لم يله أحد غيري ( 2 ) أنا والملك . ا ه . ” ( 821 ) إلى آخر ما كانت تسترسل فيه من خصائصها وكله من هذا القبيل . أما أم سلمة فحسبها الموالاة لوليها ووصي نبيها ، وكانت موصوفة بالرأي الصائب ، والعقل البالغ ، والدين المتين . وإشارتها على النبي ( ص ) يوم الحديبية ( 822 ) تدل على وفور عقلها ، وصواب رأيها ، وسمو مقامها ، رحمة الله وبركاته عليها ، والسلام . ش المراجعة 79 رقم : 23 صفر سنة 1330 الاجماع يثبت خلافة الصديق إذا تم كل ما قلتم من العهد والوصية ، والنصوص الجلية ، فماذا تصنعون بإجماع الأمة على بيعة الصديق ؟ وإجماعها حجة قطعية لقوله ( ص ) : لا تجتمع أمتي على الخطأ ( 823 ) ، وقوله صلى الله عليه وآله ” لا تجتمع على ضلال فماذا تقولون ؟ ” ( 824 ) . س المراجعة 80 رقم : 25 صفر سنة 1330 لا إجماع نقول : أن المراد من قوله ( ص ) : لا تجتمع أمتي على الخطأ ، ولا تجتمع على الضلال ، إنما هو نفي الخطأ والضلال عن الأمر الذي اشتورت فيه الأمة فقررته باختيارها ، واتفاق آرائها ، وهذا هو المتبادر من السنن لا غير ، أما الأمر الذي يراه نفر من الأمة فينهضون به ، ثم يتسنى لهم إكراه أهل الحل والعقد عليه ، فلا دليل على صوابه ، وبيعة السقيفة لم تكن عن مشورة ، وإنما قام بها الخليفة الثاني ، وأبو عبيدة ، ونفر معهما ، ثم فاجأوا بها أهل الحل والعقد ، وساعدتهم تلك الظروف على ما أرادوا ، وأبو بكر يصرح بأن بيعته لم تكن عن مشورة ولا عن روية ، وذلك حيث خطب الناس في أوائل خلافته معتذرا إليهم ، فقال : ” إن بيعتي كانت فلتة ، وقى الله شرها ، وخشيت الفتنة . . . الخطبة ( 1 ) ” ( 825 ) وعمر يشهد بذلك على رؤوس الإشهاد في خطبة خطبها على المنبر النبوي يوم الجمعة في أواخر خلافته ، وقد طارت كل مطير ، وأخرجها البخاري في صحيحه ( 2 ) ، وإليك محل الشاهد منها بعين لفظه ، قال : ثم إنه ” بلغني أن قائلا ( 3 ) منكم يقول : والله لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها ( إلى أن قال ) : من بايع رجلا من غير مشورة فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ( 4 ) ، ( قال ) : وأنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ( ص ) أن الأنصار خالفونا ، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما ” ( 826 ) ثم استرسل في الإشارة إلى ما وقع في السقيفة من التنازع والاختلاف في الرأي ، وارتفاع أصواتهم بما يوجب الفرق على الاسلام ، وأن عمر بايع أبا بكر في تلك الحال . ومن المعلوم بحكم الضرورة من أخبارهم أن أهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة لم يحضر البيعة أحد منهم قط ، وقد تخلفوا عنها في بيت علي ، ومعهم سلمان ، وأبو ذر ، والمقداد ، وعمار ، والزبير ، وخزيمة بن ثابت ، وأبي بن كعب ، وفروة بن عمرو بن ودقة الأنصاري ، والبراء بن عازب ، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي ، وغير واحد من أمثالهم ، فكيف يتم الاجماع مع تخلف هؤلاء كلهم ، وفيهم آل محمد كافة وهم من الأمة بمنزلة الرأس من الجسد ، والعينين من الوجه ، ثقل رسول الله وعيبته ، وأعدال كتاب الله وسفرته ، وسفن نجاة الأمة وباب حطتها ، وأمانها من الضلال في الدين وأعلام هدايتها ، كما أثبتناه فيما أسلفناه ( 1 ) ، على أن شأنهم غني عن البرهان ، بعد أن كان شاهده الوجدان . وقد أثبت البخاري ومسلم في صحيحيهما ( 1 ) ، وغير واحد من أثبات السنن والأخبار ، تخلف علي عن البيعة ، وأنه لم يصالح حتى لحقت سيدة النساء بأبيها ( ص ) ، وذلك بعد البيعة بستة أشهر ، حيث اضطرته المصلحة الاسلامية العامة في تلك الظروف الحرجة إلى الصلح والمسالمة ، والحديث في هذا مسند إلى عائشة ، وقد صرحت فيه : أن الزهراء هجرت أبا بكر ، فلم تكلمه بعد رسول الله ، حتى ماتت ( 828 ) وأن عليا لما صالحهم ، نسب إليهم الاستبداد بنصيبه من الخلافة ، وليس في ذلك الحديث تصريح بمبايعته إياهم حين الصلح ، وما أبلغ حجته إذ قال مخاطبا لأبي بكر : فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب ( 2 ) واحتج العباس بن عبد المطلب بمثل هذا على أبي بكر ، إذ قال له في كلام دار بينهما ( 1 ) : ” فإن كنت برسول الله طلبت ، فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين طلبت ، فنحن منهم متقدمون فيهم ، وإن كان هذا الأمر إنما يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنا كارهين ” ا ه . ( 829 ) . فأين الاجماع بعد هذا التصريح من عم رسول الله ( ص ) وصنو أبيه ؟ ومن ابن عمه ووليه وأخيه ؟ ومن سائر أهل بيته وذويه ؟ .