الرئيسية / اخبار اسلامية / من صحيفة الروح “من أُعْطِيَ الدعاء, أُعْطِيَ الإجابة
2db60a37-6828-4244-b88b-8197d6236dee (1)

من صحيفة الروح “من أُعْطِيَ الدعاء, أُعْطِيَ الإجابة

المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده رسول الله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه المنتجبين، وبعد.

 

روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: “من أُعْطِيَ الدعاء, أُعْطِيَ الإجابة… ثمّ قال عليه السلام: أتلوتَ كتابَ الله عزّ وجلّ:… وقال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[1][2].

 

حقيقة الاستجابة تكمن في الإقبال على الله تعالى بالدعاء بلسان القلب والفطرة، بحيث لا يخيب معها سائل. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[3].

 

وأمّا علّة مطلوبية الدعاء, فلأنّ الدعاء مَظْهَرُ فقر الإنسان إلى الله تعالى واحتياجه إليه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ[4]. ومن المعلوم أنّ الفقر صفة دائمة في الإنسان (لأنّه صفة مشبّهة), يعني: كما أنّ الممكن في حدوثه يحتاج إلى المؤثّر, فكذلك في بقائه, فكلّ شأن من شؤون الممكن يحتاج

إلى مدبّر غني، وما هو إلّا الله تعالى.

 

ومن هذا المنطلق، ينبغي المواظبة على قراءة الأدعية المأثورة عن المعصومين عليهم السلام، وأن نتدبّر مليّاً في مضامينها وحقائقها النورانيّة، حتى تنعكس كمالات ومظاهر جمالية في نفوسنا، وأن نتعلّم منها آداب الكلام مع الله تعالى، وكيف ندعوه، وماذا نطلب منه.

 

يقول الإمام الخامنئي دام ظله: “إنّ لحظات الدعاء، ومناجاة الله، والتضرّع لخالق هذا الكون والجمال والمُطَمْئِن الوحيد للقلوب والأرواح وقاضي الحاجات، هي أفضل وأنجع وأجمل وأنفع لحظات حياة الإنساني[5].

 

وإنّ المؤمنين يطلبون الأنس بالله تبارك وتعالى ومناجاته عشقاً، ويعتبرون ذلك من مستلزمات وجودهم المحتاج والتابع والغارق في الفقر. مع أنّ للدعاء والمناجاة فوائد عظيمة وباقية، إلّا أنّ التقرّب إلى ذات الحقّ تعالى وطلب رضاه، وتبييض صفحة الأعمال الملوّثة بالذنب والغفلة، أو لوث الحياة المادّية، يبقى أفضل ما يحصل عليه المرء بالدعاء.

 

والدعاء مفتاح الخزائن الإلهيّة، سلاح المؤمن، وأفضل عبادة, يدفع البلاء ويجلب النعمة والرحمة الإلهيّة. وإنّ ثمار الدعاء الوفيرة جعلته مخّ العبادة وأفضلها، ومن يعش دون هذا السلاح، تكن حياته ضياعاً وعجزاً ويبقى بلا مأوى. جاء في حديثٍ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لأصحابه: “ألا أدلّكم على سلاحٍ ينجيكم من أعدائكم ويدرّ أرزاقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله وسلم: تدعون ربّكم بالليل والنّهار، فإنّ سلاح المؤمن الدعاء”[6]. فمن أراد السعي، عليه أن يحمل سلاح الدعاء، ومن وقع في سجال مع عدوّ أو في حادثة أو بليّة، فعليه بسلاح الدعاء.

 

وإنّ صلة الدعاء، هي علاقة قلبكم مع الله، فالدعاء يعني الطلب، ومناداة الله, والطلب يعني الأمل. وما لم تشعروا بالأمل فإنّكم لن تطلبوا من الله شيئاً. فالدعاء إذاً هو الأمل, أي إنّه المترافق مع الأمل بالإجابة، وهو ما يُشعل القلوب ويبقيها مستنيرة. إنّها بركة الدعاء التي تعطي المجتمع الحيويّة والنشاط[7].

 

“وإنّ الروحانيّة، المناجاة مع الله، اتّصال القلوب بالله المتعال، اتّخاذ الله هدفاً، عدم الانخداع بالمظاهر، وترك التعلّق بالمال وزينة الدنيا وزخارفه, هذه العناصر كلّها هي التي تصنع فئةً مؤمنة, وعندها تتحقّق: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ[8], حتّى وإن كنتم قلّة، عندما تكونون مسلّحين بذلك البعد المعنوي، فإنّكم ستلحقون الهزيمة بالفئة الكثيرة رغماً عنهم….”[9].

 

ونظراً لأهمّية الدعاء في الإسلام نجد بأنّ أئمتنا عليهم السلام قد حرصوا على تعليم أصحابهم وشيعتهم الأدعية المرتبطة بالزمان والمكان والمناسبات الدينية…، وما ذلك إلا ليبقى الإنسان على صلة يومية ودائمة مع الدعاء، ما يعزّز البنية الإيمانية والوجدانية في النفس، ويقوّي الروح والإرادة في مختلف مراحل الحياة ومتطلّباتها.

 

لهذا كلّه عمد مركز نون للتأليف والترجمة إلى تخصيص متن تعليمي جديد ومتفرّد في موضوعه ودروسه يتناول في مضامينه الدعاء والزيارة في الإسلام، وذلك بأسلوب ولغة تعليمية تعين المعلّم والمتعلّم على معرفة أبواب خزائن وأسرار أدعية أهل البيت عليهم السلام وزياراتهم.

 

مركز نون للتأليف والترجمة

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل

 

الأبعاد العقائدية والتربوية

للدعاء والزيارة

 

الكفايات

1- يحدّد المعنى المفاهيمي للدعاء في القرآن الكريم والروايات الشريفة.

2- يفهم خصوصية الدعاء المأثور والدعاء في الصلاة.

3- يفهم الأبعاد العقائدية والتربوية والمعنوية للشفاعة والتوسّل ويجيب عن الإشكالات الواردة على بعضها.

4- يؤدّي الدعاء والزيارة بخشوع.

الدرس الأول: الدّعاء في القرآن الكريم

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يتعرّف إلى معنى الدُّعاء في اللغة والاصطلاح القرآني.

2- يعرف عناصر الرؤية القرآنية للدعاء.

3- يطلّع على نماذج من أدعية الأنبياء ويحلِّلها.

أوّلاً: معنى الدُّعاء

 

1- الدُّعاء في اللغة:

 قد يظهر من كلام بعض المحقّقين أنَّ “الدُّعاء بمعنى النداء، وأنَّ النِّداء هو الأصل[10]، ثمّ يجري على معانٍ عدَّة ومنها الدُّعاء، والذي يستخدم بدوره في معانٍ أُخر: “كالاستغاثة، الاستحضار، الابتهال، الرَّغبة، وأمثالها[11].

 

وبالتَّالي، يكون التعريف الأنسب للفظ الدُّعاء هو “أن تَميل الشيءَ إليك بصوتٍ

وكلام يكون منك[12]، مع الالتفات إلى أنَّ الدُّعاء الذي يطلبُ به الدَّاعي إمالةَ المدعوّ إليه، قد يكون بغير الصّوت، كأن يكون بإشارةٍ ما، كحركة العين أو اليدين وغير ذلك. وتستطيع أن تلاحظ أنَّ هذا التَّعريف مطلقٌ، لا يحدِّدُ أطرافَ العلاقة في الدُّعاء، ولا يساعد على توضيح المعنى المراد من الدُّعاء.

 

2- الدُّعاء في الاصطلاح:

ونقصد بالاصطلاح هنا، هو معنى “الدُّعاء” كلفظ أريد به معنىً محدّداً في القرآن الكريم، وقد يوافق هذا المعنى المعنى اللغوي أو يفرق عنه، ومعرفة المراد من المصطلح تعيننا على تحديد الأبعاد المختلفة التي أرادها الإسلام من وراء وضع هذا المصطلح.

 

فما هو المقصود من لفظ “الدُّعاء” إذاً؟

يعرِّف العلّامة الطّباطبائي الدُّعاء في سياق شرحه لآية: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ[13]، فيقول: “الدُّعاء والدعوة توجيه نظر المدعوّ إلى الدَّاعي، ويتأتَّى غالباً بلفظٍ أو إشارة. والاستجابة والإجابة إقبال المدعوّ على الدَّاعي عن دعائه[14]، والجهة التي ينبغي أن يتوجّه إليها الدُّعاء هو الله سبحانه وتعالى، كما في

سياق الآية (له)، وتقديم ما حقُّه التَّأخير (له) هنا يفيد اختصاص الدُّعاء به تعالى دون غيره من الجهات.

 

ثانياً: الدُّعاء في الرّؤية القرآنية

نقف هنا على مسألةٍ مهمَّة، وهي أنَّ تحديد مفهوم الدُّعاء وحقيقته وأبعاده ينبغي أن يؤخذَ من خلال القرآن الكريم، كونه المصْدر الأول للتَّشريع الإسلامي، ولأنّه أيضاً يطفح بالشَّواهد العديدة التي ورد فيها ذِكرُ الدُّعاء وحقيقته والشُّروط التي توجب تحقُّق الاستجابة له. والذي يدفعنا إلى التوجُّه للقرآن الكريم للبحث عن نظرة الإسلام للدّعاء، كون الدُّعاء مسألةً من أهمّ المسائل التي تظهر فيها العلاقة القويَّة بين العبد والله تعالى، وبالتّالي, ولخصوصيّة أمر العلاقة بين الله وعباده، فإنَّه ينبغي أن يكون الحديث عن الدُّعاء جارياً تحت نظر القرآن الكريم.

 

ولو اعتمدنا على التَّعريف المتقدِّم للدُّعاء، لوجدنا عدة أركانٍ يتقوّم بها الدُّعاء هي:

1- “المدعوّ: وهو الله تعالى.

2- والداعي: وهو العبد.

3- والدُّعاء: وهو طلب العبد من الله تعالى.

4- والمدعوّ له: وهو الحاجة الّتي يرفعها العبد بالدُّعاء إلى الله تعالى”[15].

 

ولكي نحدّد الرّابط الذي يجمع هذه الأركان الأربعة للدّعاء، لا بدّ لنا من أن نقوم بالبحث عن جوهر الدُّعاء وروحه.

ولو عُدنا إلى القرآن الكريم، وجدنا أنَّ جوهر الدُّعاء هو “قيام الدَّاعي بنصب نفسه في مقام العبودية والمملكوية، والاتّصال بمولاه بالتَّبعية والذلّ، ليعطفه بمولويته وربوبيته إلى نفسه”[16].

 

إذاً، نحن أمام عددٍ من المقدِّمات التي تشكل عناصر الرؤية القرآنية للدُّعاء:

[1] سورة غافر، الآية 60.

[2] الشيخ الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، ج2، ص65، علي أكبر الغفاري (تصحيح وتعليق)، طهران، دار الكتب الإسلامية, 1363 ه.ش، ط4.

[3] سورة البقرة، الآية 186.

[4] سورة فاطر، الآية 15.

[5] الإمام الخامنئي، الدعاء والمناجاة، مخطوط، مركز نون. 

[6] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص468.

[7] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص468.

[8] سورة البقرة، الآية 249.

[9] حديث ولايت، ج 8، ص 42، 18/9/1991م.

[10] المصطفوي، حسن: التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج3، ص217، طهران، مؤسسة الطباعة والنشر وزارة الثقافة والإرشاد الاسلامي، 1417 هـ، ط1.

 – وكذلك قاله الراغب في المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد: المفردات في غريب القرآن، ص169، قم، دفتر نشر الكتاب، 1404 هـ، ط2.

[11]  م.ن، ص218. ويقول أبو هلال العسكري:” الفرق بين الدُّعاء والنداء: الأول قد يكون بعلامة من غير صوت ولا كلام، ولكن بإشارة تنبئ عن معنى: تعال، ولا يكون النداء إلا برفع الصوت، وامتداده”: العسكري، أبو هلال: الفروق اللغوية، ص535، مؤسسة النشر الإسلامي (تحقيق)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1412هـ، ط1.

- وهذا ما قاله الطبرسي في مجمع البيان: الشيخ الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن، ج2، ص424، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1995 م، ط1.

[12] ابن فارس، أحمد بن فارس: معجم مقاييس اللغة، ج2، ص279. عبد السلام هارون (تحقيق)، مكتبة الإعلام الاسلامي، 1404 هـ، ط1.

- لاحظ التعريف الذي اعتمده السيد الطباطبائي قدس سره: “ولكن الرأي الأصح هو أنَّ الدُّعاء أعمّ من النّداء، فإنّ النّداء يختص بباب اللفظ والصَّوت، والدُّعاء يكون باللفظ والإشارة وغيرهما، والنِّداء إنَّما يكون بالجهر، ولا يقيِّد الدُّعاء”.

- الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، ج10، ص38، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، ط2.

[13] سورة الرعد، الآية 14.

[14] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج11، ص317.

[15] الآصفي، محمد مهدي: الدُّعاء عند أهل البيت، ص5، النجف الأشرف، مطبعة مجمع أهل البيت عليهم السلام النجف الأشرف، 2009م، ط1.

[16] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج10، ص38.

 

 

https://t.me/wilayahinfo

https://chat.whatsapp.com/JG7F4QaZ1oBCy3y9yhSxpC

شاهد أيضاً

0

سمير القنطار في الذكرى لاستشهاد عميد الأسرى المحررين – تصويري