الرئيسية / الخالدون / شخصيات اسلامية / الحر بن يزيد الرياحي..الضمير الحي والارادة الحرة
0

الحر بن يزيد الرياحي..الضمير الحي والارادة الحرة

شبكة النبأ: كربلاء مدرسة الأجيال تفيض بالعطاء وتزخر بالدروس والعبر وتتجلى فيها اروع المواقف الانسانية على مدى التاريخ اذ تجسدت على ارضها ملحمة الحق وانتصار ارادة الخير على ارادة الشر ملحمة عاشوراء الخالدة.
لم تكن واقعة عاشوراء مجرد معركة بين فئتين محددة بزمان ومكان معينين بل هي  مدرسة متجددة في كل زمان ومكان بما قدمته من نماذج انسانية وفكرية وفلسفية.
من هذه النماذج الرائعة الحر بن يزيد الرياحي الذي جسد اروع نموذج للضمير الانساني الحي والارادة الحرة الواعية بانتقاله من خندق الظلام الى ساحة النور وخروجه من حياة العبودية الى طريق الاحرار، فاصبح رمزا من الرموز الانسانية الخالدة ومثالا يحتذى به في سلوك الانسان وتمسكه بالقيم العليا والمبادئ المثلى.
(البيئة والنشأة)
من الطبيعي ان تكون للبيئة والوراثة اثرا كبيرا على سلوك الانسان واذا اخذنا بنظر الاعتبار تاريخ البيت الذي ولد فيه الحر نجد انه ليس غريبا ان يتخذ الحر ذلك القرار الخالد الذي وضعه في مصاف العظماء وحاز على شرف الدنيا ونعيم الآخرة واصبح مثالا حيا للمروءة والنبل حينما آثر ان يقف مع الحق وان يضحي بنفسه في سبيل ذلك على مؤازرة الباطل والركون اليه في حيا ة قصيرة مصيرها الى الزوال فاشترى بنفسه الحرية في الدنيا والسعادة في الآخرة ولدالحر في بيت تشرق في سمائه شموس العز والشرف والبطولة ولهذا البيت سجل حافل بالمآثر والمناقب التي توارثها الابناء عن آبائهم وفي تلك الاجواء التي تزخر بالنجوم شع الى الوجود نجم الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، فورث من هذه الاسماء اللامعة الصفات التي اهلته لان يتزعم قبيلته ويصبح من اشراف الكوفة وساداتها وابطالها المعدودين.
وقد اشار الامام امير المؤمنين (ع) الى فضائل هذه القبيلة في كتابه لابن عباس عامله على البصرة حيث يقول فيه (وقد بلغني تنمرك لبني تميم وغلظتك عليهم وان بني تميم لم يغب لهم نجم الا طلع لهم آخر وانهم لم يسبقوا بوغم في جاهلية ولا اسلام)، ومن اعلام هذه القبيلة الذين عرفوا بالخصال الفريدة والمآثر الجليلة عتاب بن هرمي الذي كانت له ردافة ملوك الحيرة في عهد المنذر بن ماء السماء ومنهم عتيبة بن الحارث اليربوعي الذي يعد من اشجع العرب حتى قيل عنه انه لو وقع القمر على الارض لما التقفه الا عتيبة، لثقافته في الرمح.
ومنهم البطل معقل بن قيس الرياحي احد قادة جيش امير المؤمنين (ع) واعمدة حربه ومنهم الاحنف بن قيس الذي يضرب به المثل في حلمه وكثير غيرهم ممن لمعوا في سماء المجد من هذه القبيلة وقد افرد ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 3 ص 435 فصلا خاصا عن مآثر بني تميم ثم لبني يربوع ثم لبني رياح بن يربوع.
في هذا الجو المفعم بالفخر والشجاعة والمجد المتوهج بالفروسية لمع نجم الحر فاقتبس من هذه الصفات ماجعله سيدا من سادات الكوفة وعلما من اعلامها.
( اللقاء بالحسين(ع) )
كان من الطبيعي ان تكون شخصية الحر الفذة محط انظار السلطة لما تمتع به من بطولة نادرة ويدلنا قول المهاجر بن اوس على ذلك بقوله للحر يوم الطف (لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك).
وحينما سيطر عبيد الله ابن زياد على زمام الامور في الكوفة بعد ان قتل مسلم بن عقيل سفير الحسين (ع) وهاني بن عروة واعتقاله لعدد من رموز الشيعة في الكوفة عمد الى اجراءات احترازية امنية وذلك بارساله الجنود على حدود الكوفة لقمع أي انتفاضة محتملة تحاول اختراق الكوفة كما اصدر اوامره لصد ومحاصرة الامام الحسين”(ع) واصحابه والحيلولة دون وصولهم الى الكوفة خاصة عندما سمع انه (ع) دخل العراق فارسل رجاله لهذا الغرض.
وكان ممن ارسلهم، الحر بن يزيد الرياحي على راس الف فارس فالتقى الحر بالحسين(ع) في ذات حسم وقد اضر به وباصحابه العطش فامر سيد الشهداء (ع) اصحابه ان يسقوهم ويرشفوا خيولهم فسقوهم عن آخرهم في تلك الصحراء التي تعز فيها قطرة الماء ولما حان وقت الصلاة قال الحسين(ع) للحر اتصلي باصحابك ؟ فقال الحر لا بل نصلي بصلاتك فصلى بهم الحسين(“ع) وبعد ان فرغ (ع) من صلاته قال ايها الناس انكم ان تتقوا الله وتعرفوا الحق لاهله يكن ارضى لله ونحن اهل بيت محمد (ص) اولى بولاية هذا الامر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين بالجور والعدوان، وان ابيتم الا الكراهية لنا والجهل بحقنا وكان رأيكم الآن على غير ما اتتني به كتبكم انصرف عنكم.
فقال الحر ما ادري ماهذه الكتب التي ذكرتها، فامر الحسين عقبة بن سمعان فاخرج خرجين مملوءين كتبا، فقال الحر اني لست من هؤلاء واني امرت ان لا افارقك اذا لقيتك حتى اقدمك الكوفة على ابن زياد، فقال الحسين الموت ادنى اليك من ذلك وامر(ع) اصحابه بالركوب وركبت النساء فحال بينهم الحر وبين الانصراف فقال الحسين ثكلتك امك ماتريد منا؟ فقال الحر اما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل هذه الحال ما تركت ذكر امه بالثكل كائنا من كان، والله مالي الى ذكر امك من سبيل الا بأحسن مانقدر عليه ولكن خذ طريقا نصفا بيننا لايدخلك الكوفة ولا يردك الى المدينة حتى اكتب الى ابن زياد فلعل الله يرزقني العافية ولا يبتليني بشئ من امرك، ثم قال للحسين(ع) اني اذكرك الله في نفسك فاني اشهد لئن قاتلت لتقتلن، فقال الحسين(ع) افبالموت تخوفني وهل يعدو بكم الخطب ان تقتلوني وساقول ماقال اخو الأوس لإبن عمه وهو يريد نصرة رسول الله (ص):
سامضي وما بالموت عار على الفتى         اذا مانوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه              وفارق مثبورا وخالف مجرما
فان عشت لم اندم وان مت لم الم             كفى بك ذلا ان تعيش وترغما
فلما سمع الحر هذا منه تنخى عنه فكان الحسين(ع) يسير باصحابه في ناحية والحر ومن معه في ناحية اخرى وعندما وصلوا الى نينوى وهي قرية صغيرة من قرى الطف قدم عليهما رسول ابن زياد ومعه كتاب الى الحر يقول فيه  جعجع بالحسين حين تقرأ كتابي ولا تنزله الا بالعراء على غير ماء وغير حصن فقرأ الحر الكتاب على الحسين فقال (ع) له دعنا ننزل نينوى او الغاضريات او شفيه فقال الحر لااستطيع فان الرجل عين علي وبينا هم يسيرون اذ وقف جواد الحسين فسأ ل (ع) مااسم هذه الارض؟
فقيل له… كربلاء 
( نفسية الحر)
يتضح من خلال هذه المقابلة عدة امور منها ان الحر كان مكرها في خروجه للتصدي للحسين ويدل على ذلك قوله فلعل الله يرزقني العافية ولايبتليني بشئ من امرك ومنها انه لم يكن يعلم بامر الكتب التي كان يرسلها اهل الكوفة الى الحسين(ع) ومنها انه كان يقدر منزلة الحسين”(ع) ويعرف حقه عندما صلى خلفه ومنها انه كان يميل في داخله الى الحسين وذلك عندما اطلع الحسين على كتاب ابن زياد واخبره ان حامل الكتاب هو عين عليه وهذا يدل على ان الحر كان يكتم في نفسه شيئا من الولاء للحسين.
( في كربلاء)
لما وصل جيش عبيد الله بن زياد الى كربلاء بقيادة عمر بن سعد لم يكن الحر يتوقع ان الامور ستؤدي الى القتال لذلك راح يسأل عمر قائد الجيش امقاتل انت هذا الرجل؟ فاجابه عمر أي والله قتالا ايسره ان تسقط الرؤوس وتطيح الايدي.         .فساله ثانية فما رايك فيما عرضه عليك من الخصال؟ – في اشارة منه الى ما بينه الامام الحسين(ع) من قرابته من رسول الله ومكانته ومنزلته  فاتى الجواب لو كان الامر بيدي لقبلت ولكن اميرك ابن زياد ابى ذلك..
رجع الحر وهو يرتعد لم يصدق أذنيه هل وصلت بهم الوقاحة والجرأة لقتال ابن بنت رسول الله وسيد شباب اهل الجنة فسار نحو المشرعة وهو مطرق فسأله المهاجر بن اوس عندما رآه مطرقا مفكرا ان امرك لمريب، والله لو قيل لي من اشجع اهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي اراه منك ؟ فقال له الحر اني اخير نفسي بين الجنة والنار والله لا اختار على الجنة شيئا ولو اُحرقت ثم توجه نحو الحسين(ع) منكسا راسه حياءا منه… اني تائب فهل ترى لي من توبة، فكان الجواب، نعم يتوب الله عليك صدقت، واصابت امه حين سمته حرا ولعلها كانت تتوسم في ابنها هذه الروح الحرة فكان كما قال الحسين (ع): (انت حر في الدنيا وسعيد في الآخرة).

شاهد أيضاً

IMG-20140124-WA0037

فقه القرآن – (الصوم)

الأولي و الثاني و الثالثة ـ قوله تعالي :    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ ...