أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 02

وممّا يدلّ أيضا على أنّ للصلاة كغيرها من العبادات سرّا هو : أنّها من الموجودات المعدودة جزءا من السماوات والأرض ، أي : النظام العينيّ ، وكلّ موجود هو جزء من النظام العينيّ العامّ فله غيب ، كما أنّ له شهادة . وقال سبحانه :
* ( « وَلِلَّه ِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْه ِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّه ُ » ) * « 2 » ، وليس المراد هو خصوص ما غاب عنهما ، بل يشمل غيبتهما أيضا .

والذي أنتجه هذا القياس أيضا هو : أنّ للصلاة غيبا كما أنّ لها شهادة ، وحيث إنّ للظاهر بطونا – وكلّ باطن فهو غيب للظاهر – فللصلاة غيوب متراقية بعضها فوق بعض ، فينطبق على ما تقدّم من معقول البرهان ومشهود العرفان .
وممّا يدلّ أيضا على أنّ للصلاة ولغيرها سرّا بالتقريب المتقدّم قوله سبحانه :
* ( « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ُ وَما نُنَزِّلُه ُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » ) * « 3 » ، وقوله سبحانه :
« * ( وَلِلَّه ِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * . » « 4 » ؛ وذلك لأنّ الصلاة شيء خارجيّ على ما يأتي ، فهي ممّا له خزينة ، بل خزائن ؛ لأنّ ظاهر الآية هو : أنّ لكلّ شيء خزائن ، لا أنّ لمجموع الأشياء خزائن حتّى يكون من باب وقوع المجموع قبال المجموع الآخر ، فعليه يكون لكلّ موجود طبيعيّ خزائن بعضها فوق بعض ، فينطبق على تعدّد العوالم حسبما قرّر .

وحيث إنّ القرآن الحاوي للصلاة وغيرها أيضا شيء خارجيّ في عالم الطبيعة
فله بما فيه من المضامين خزائن إلهيّة ، قد تنزّل القرآن من تلك الخزائن الطوليّة ، كما أنّ الصلاة وغيرها معدودة من النظام الكيانيّ المعبّر عنه بالسماوات والأرض فلها أيضا خزائن ، إذ للسماوات والأرض خزائن ، ولمّا كانت تلك الخزائن عند الله سبحانه – * ( وَما عِنْدَ ا للهِ باقٍ ) * ، وما عند غيره فان كما قال سبحانه * ( « ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ ا للهِ باقٍ » ) * « 1 » – فأسرار السماوات والأرض الَّتي منها الصلاة موجودات خارجيّة مصونة عن النفاد ، ولا تنال إلَّا بالصعود إليها بعد هجران النافد الزائل ، إذ لا يمكن الوصول إلى الباقي إلَّا بعد هجرة الفاني ؛ لأنّه حجاب لا محيص عن تركه .
وممّا يدلّ أيضا على أنّ للصلاة – كغيرها – سرّا قوله تعالى * ( « فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه ِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ » )

* « 2 » لدلالته على أنّ لكلّ شيء ملكوتا يلائمه التسبيح ، بخلاف الملك الذي يناسبه التبارك كما قال تعالى * ( « تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِه ِ الْمُلْكُ » ) * ، حيث إنّ التبارك من الأسماء التشبيهيّة ، والسبحان من الأسماء التنزيهيّة . ولمّا كان لكلّ شيء ملكوت – وهي أمر وراء الملك ، ومن شاهدها كان من أصحاب اليقين كما قال تعالى في إبراهيم عليه السّلام * ( « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » ) * « 3 » – فللصلاة أيضا ملكوت تكون هي سرّها ، وتلك الملكوت ثابتة ؛ لأنّها بيد الله تعالى لا بيد المصلَّي ، ولا تنال تلك الملكوت السرّيّة إلَّا بعد السفر من الملك .

ولعلّ قوله تعالى * ( « قُلْ أَنْزَلَه ُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ » ) * « 4 » تلميح إلى بعض ما مرّ ؛ وذلك لأنّ وصف الله الذي أنزل القرآن بأنّه عالم السرّ يشعر بأنّ للقرآن المشتمل على ما فيه من المعارف والأخلاق والأحكام سرّا فلجميع ما فيه أيضا أسرار .

نعم ، فرق بين أن يقال : إنّه عالم سرّ السماوات والأرض ، وأن يقال : هو عالم
السرّ فيهما ؛ إذ الأوّل دالّ على أنّ لهما سرّا دون الثاني ، ولكنّ وصف الباري المنزل للقرآن بأنّه عالم السرّ يشعر بأنّ للقرآن سرّا ، وإن كان فيما مضى غنى وكفاية .

بقي أمر هامّ ، وهو : أنّ نطاق الدليل خاصّ بالموجود التكوينيّ ، وهكذا ظاهر غير واحدة من الآيات المارّة الذكر ، لظهورها في الموجود العينيّ ، وحيث إنّ الصلاة وغيرها من العبادات أمور اعتباريّة مؤلَّفة من عدّة أشياء لا وحدة لمجموعها فلا وجود للمركَّب منها ، إذ الوجود مساوق الوحدة يدور معها حيثما دارت ، فمتى انتفت الوحدة في مورد ينتفي الوجود هناك ، ولمّا انتفت الوحدة الحقيقيّة للمؤلَّف من تلك الأمور :
كالركوع والسجود والقراءة والقيام والذكر والنيّة ونحوها فلا وجود للمركَّب منها ، وعليه فلا يندرج تحت الدليل العقليّ ، ولا يشمله الدليل النقليّ ؛ لاختصاصهما بما له وجود عينيّ .

والحلّ هو : أنّ الأمر الاعتباريّ قد يكون اعتباريّا محضا لا منشأ له عدا الاعتبار الذي زمامه بيد المعتبر ، وقد يكون اعتباريّا مستندا إلى موجود تكوينيّ هو المصحّح له .
والقسم الأوّل من الاعتباريّ خارج عن البحث ، كما أنّه خارج عن نطاق الدليل الدالّ على أنّ لكلّ شيء سرّا .

والقسم الثاني منه داخل في البحث ، كما أنّه مندرج تحت الدليل المذكور ، إذ الذي يكون استناده إلى أمر تكوينيّ عينيّ يكون محكوما بحكمه سعة وضيقا ، فهناك وحدة حقيقيّة يدور معها الوجود الحقيقيّ ، فهناك سرّ تكوينيّ نصّا .
ثمّ إنّه يمكن أن يستأنس ببيان آخر لإثبات السرّ للصلاة ، من حيث اشتمالها على القرآن الذي تكلَّم به الله تعالى ، وحيث إنّ المتكلَّم قد تجلَّى في كلامه وكتابه – كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « فتجلَّى لهم سبحانه في كتابه ، من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته » « 1 » – فيكون المتكلَّم المتجلَّي سرّا وغيبا وباطنا في كلامه ، فالقارئ المصلَّي إذا تدبّر في القرآن الذي يقرأه في صلاته وتطهّر عن دنس
العصيان وتنزّه عن رين الذنب ، بل عن لوث التعلَّق بغير الله يراه بقلبه ، أو يصل إلى حدّ كأنّه يراه ، ويعلم أنّه إن لم يكن يراه فإنّ الله سبحانه يراه قطعا .

وهذا الوجه كما أنّه غير مختصّ بالصلاة – لتحقّقه في غيرها أيضا ممّا يقرأ فيه القرآن – لا يعمّ جميع أحوال الصلاة أيضا ؛ لعدم جريانه في غير قراءة الفاتحة والسورة الأخرى وما يقرأ من القرآن حال الصلاة .

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …