هذا الهاتف سمعته العقيلة زينب وركب الخروج على مشارف الخزيمية قرب الكوفة وأعلمت به أخاها الحسين ، ولكنّ الشهيد الذي كان في هذا الموضع امتثالاً لأمر جدّه ، لم يزد جوابه على كلام اُخته عن القول : (( يا اُختاه ، كلّ الذي قُضي فهو كائن ))(1) .
وبجواب الحسين يضع ما كتب له في الصحيفة الإلهيّة في موضع التنفيذ بامتثاله
ــــــــــــــ (1) راجع ابن نما / 23 .
الصفحة (238)
للوعد الذي قدّر له إنجازه ، فكان كلّ ما قُضي بالنسبة إليه فهو كائن لا محالة ، وتأكيد جدّه الرسول الأعظم على ضرورة أن يرزق الشهادة فيه توكيد وأمر غير مباشر له كي لا يقف أو يتردّد ، بل يقدِم عن وعي وتبصّر بالنتائج .
وهذا ما كان منه بعد تلقّي التوكيد ـ الأمر ـ من جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، إذ جمع عائلته وصحبه وأنبأهم برؤياه ، فتخوّف عليه الجميع ونصحه عمر الأطرف بالمبايعة ليزيد وإلاّ سيقتل ، وقال له محمّد بن الحنفيّة ناصحاً : تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية والأمصار ما استطعت ، ثمّ ابعث برسلك إلى النّاس فإن بايعوك حمدت الله على ذلك ، وإن اجتمعوا على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك(1) .
فاستصوب الحسين نصيحة ابن الحنفيّة وعزم على الخروج إلى مكّة ، ودخل المسجد وهو ينشد :
لا ذَعَرتُ السَوامَ في فَلَقِ الصُبـ =ـحِ مُغيراً وَلا دَعَوتُ يَزيدا يَومَأُعطي مَخافَةَ المَوتِ ضَيماً =وَالمَنايا يَرصُدنَني أَن أَحيدا(2)
وقبل أن يترك الحسين المدينة كتب وصيّة تعتبر دستور الخروج ، أجمل فيها مبدأه وهدف خروجه ، وقال فيها ضمن ما قال : (( وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب
ــــــــــــــــ (1) اللهوف / 15 ، طبعة صيدا .
(2) أنساب الأشراف 4 / 66 .
الصفحة (239)
الإصلاح في اُمّة جدّي (صلّى الله عليه وآله) ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب ، فمَن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ ، ومَن ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين ))(1) .
وخرج الحسين من المدينة متوجّهاً إلى مكّة لليلتين من رجب سنة ستّين للهجرة وحوله أهل بيته وإخوته وبنو أخيه وهو يقرأ متخوّفاً طالباً من ربّه تخليصه من القوم الظالمين ، ولزم الطريق الأعظم فقيل له : لو تنكّبت الطريق كما فعل ابن الزبير كي لا يلحقك الطلب . فأجاب : (( لا والله ، لا اُفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض )) .
وفي مكّة مكث أربعة أشهر يدرس أحوال ناصريه وشيعته ، وكانت تَرِده كتبهم تعلن له البيعة وتطلب منه الظهور ، وكان أهل الكوفة وأعمالها قد وعدوه بمئة ألف مقاتل إن هو طلب البيعة(2) .
ولكنّ الحسين تمهّل لتبيان جليّة الأمر ، وآثر قبل التوجّه إلى الكوفة أن يرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ، ليهيّئ له الأرضيّة المناسبة لإعلان البيعة ، ولهذه الغاية كتب إلى رؤساء الكوفة كتاباً يقول فيه : (( أمّا بعد ، فقد أتتني كتبكم وفهمت ما ذكرتم من محبّتكم لقدومي عليكم ، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، وأمرته أن يكتب إليَّ بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي
ـــــــــــــ (1) للشيخ محمّد عبده رأي يقول فيه : خروج الإمام الحسين (عليه السّلام) على إمام الجور والبغي يزيد كان من باب خذل حكومة جائرة عطّلت الشرع الإسلامي .
وللشيخ عبد الله العلايلي في كتابه (الإمام الحسين) / 344 رأي مماثل يقول فيه : إنّ الحسين (عليه السّلام) لم يخرج على إمام ، وإنّما خرج على عادٍ فرض نفسه فرضاً ، أو فرضه أبوه بدون ارعواء . وهذا مأخذ نيابي وغلطة سياسيّة من معاوية ، أعدّ المجتمع للثورة إعداداً قويّاً حينما عهد إلى يزيد . (2) وردت تفاصيل هذه الكتب وأعدادها وصيغها في كتاب ابن نما / 11 ، وفي الخوارزمي 1 / 193 تفصيل آخر لاجتماع أهل الكوفة وكتبهم إلى الحسين ، عن المقتل للمقرّم .
الصفحة (240)
الفضل والحجى منكم على مثل ما قَدِمت عليَّ به رسلكم وقرأتُ في كتبكم ، أقدمُ عليكم وشيكاً إن شاء الله . فلعمري ما الإمام إلاّ العامل بالكتاب ، والآخذ بالقسط(1) ، والدائن بالحقّ ، والحابس نفسه على ذات الله ، والسّلام )) .
وبينما الحسين في مكّة كان موسم الحج قائماً ، وقد غصّت مكّة بجمع كبير من المعتمرين المسلمين من كلّ الأنحاء ، وكانت أخبار خروج الحسين قد وصلت إلى الاُمويّين معلنة غضبته وعلنيّة حركته ، مع ما وافاهم به جواسيسهم المبثوثة من عقد الأندية للحسين وكثرة اجتماعاته مع المسلمين المتواجدين في مكّة ، إضافة إلى ما تناقلته الشائعات والتكهّنات من أقوال وآراء حول هياج أهل الكوفة وغليان نفوسهم بعد موت معاوية .
وكان أن قرّر الاُمويّون اغتيال الحسين في مكّة حتّى ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة ، فأرسلوا فرقة يطلق عليها ( شياطين بني اُميّة ) مؤلّفة من ثلاثين رجلاً لتنفّذ عمليّة اغتياله .
وقد هدف يزيد من وراء اغتيال الحسين ضرب عصفورين بحجرٍ واحد ، فمن جهة يتخلّص من خصمه ، ومن جهة اُخرى يكون مقتله ذريعة مناسبة لإعدام المئات تحت ستار البحث عن قاتل الحسين ، ممَّن يودّ اجتثاثهم وتصفيتهم .
وكان قد بلغ الحسين أنّ مسلماً قد بايعه في الكوفة ثمانية عشر ألفاً فقرّر التعجيل بالسفر إلى الكوفة لسببَين ؛ أولهما : من أجل التفويت على اغتياله والمحافظة على حرمة الحرم ، وثانيهما : من أجل المبادرة إلى المُبايعين قبل أن يتفرّق شملهم وتبرد هممهم من طول الانتظار .
ـــــــــــــــ (1) يقول الكتاب العزيز : ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )( سورة الحجرات / 9 ) .
الصفحة (241)
وحاول البعض نصحه بالتريّث أو العدول عن السفر إلى الكوفة ، ومنهم عبد الله بن عبّاس إذ سأله : إنّ الناس أرجفوا أنّك سائر إلى العراق ، فما أنت صانع ؟ أجاب : (( قد أجمعت السير في أحد يوميّ هذين )) . فأعاذه ابن عبّاس بالله من هذا العزم ، وقال له مشفقاً : إنّي أتخوّف عليك من هذا الوجه الهلاك ، إنّ أهل العراق قوم غدر ، أقم بهذا البلد فإنّك سيّد أهل الحجاز ، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فلينفوا عدوّهم ثمّ أقدم عليهم ، فإن أبيتَ إلاّ أن تخرج فسِر إلى اليمن فإنّ بها حصوناً وشعاباً ولأبيك بها شيعة(1) .
فقال له الحسين : (( يابن عمّ ، إنّي أعلم أنّك ناصح مشفق ، ولكنّي قد أزمعت على السفر ، وأجمعت على السير )) . قال ابن عبّاس : إن كنت لا بدّ فاعلاً فلا تخرج أحداً من ولدك ولا حرمك ولا نسائك ، فخليق أن تقتل وهم ينظرون إليك كما قُتل ابن عفّان . ولكن صَحْب الحسين وخلصائه لم يعوا تماماً كما وعى هو أمرَ أن يتوجّه إلى العراق حيث مصرع شهادته ، وكانوا حتّى وصوله إلى كربلاء ما زالوا ينظرون إلى
ــــــــــــــــ (1) أبو مخنف في المقتل / 41 .
الصفحة (242)
الخروج على أنّه مناجزة عسكريّة ، وكان هذا الفهم المغلق سرّاً من الأسرار العُلويّة لم يتفتّح إلاّ لبصيرة الحسين وحده .
إلى الكوفة
في الثامن من ذي الحجّة خرج الحسين قاصداً الكوفة مَوطن المعارضة لاُميّة ، وكانت أخبار تَنَادي الشيعة وكُتبها للحسين ، والتفافهم حول مسلم بن عقيل بانتظار قدومه قد بلغت يزيد ، فاستشار كاتبه وأنيسه سرجون الرومي بما يجدر عليه فعله ، فأشار عليه بعزل والي الكوفة النعمان بن بشير ، وتولية عبيد الله بن زياد والي البصرة(1) .
وما أن جاء الأمر لابن زياد حتّى تعجّل المسير إلى الكوفة ودخلها متخفّياً بثياب يمنيّة وعمامة سوداء ، فكان الناس يظنّونه الحسين ويحيّونه بقولهم : مرحباً بابن رسول الله . وكان الغيظ يحرقه إلى أن وصل إلى قصر الإمارة ، فأطلّ عليه النعمان وقال له : ما أنا بمؤدّ إليك أمانتي يابن رسول الله . فقال له ابن زياد : افتح فقد طال ليلك . فعرفه ابن النعمان(2) .
وكان أوّل عمل قام به في الصباح أن جمع مشايخ المدينة في الجامع الأعظم وخطبهم وحذّرهم ومنّاهم بالأعطيات قائلاً : أيّما عريف وجِد عنده أحد من بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا صُلب على باب داره(3) .
ــــــــــــــ (1) كانت اُمّ عبيد الله بن مرجانة مجوسية . وعند ابن كثير في البداية ، وعند العيني في عمدة القارئ شرح البخاري أنها سبية من أصفهان ، ويقال : إنّ عبيد الله كان أكولاً . وفي المعارف لابن قتيبة / 256 ، كان طويلاً جداً ، لا يُرى ماشياً إلاّ ظنّوه راكباً .
(2) تاريخ الطبري 6 / 201 .
(3) الإرشاد .
الصفحة (243)
وكان يقصد بـ( بغية أمير المؤمنين ) الحرورية وأهل الريب .
وأحدث قدوم ابن زياد اضطراباً بين الناس وانتشر الرعب في المدينة ، وسرت شائعات بأنّ جيش الشام على الأبواب ، وأمسكت القبائل بزعمائها حفظاً لهم من فتك ابن زياد ، وبقي البعض يتردّد على مسلم بن عقيل بحذر وتكتّم تحت مراقبة اُمويّة شديدة .
وعلى الرغم من تضارب الوقائع فيما تلا من أيّام بعد وصول ابن زياد إلى الكوفة ، فإنّ من المسلّم به أنّ عبيد الله بن زياد لاقى مقاومة وسجالاً في مغالبة مسلم وشيعته ، وقد قيل : إنّه هرب مرّة من المسجد واعتصم بقصره هرباً من ناصري مسلم الذين تصايحوا ضدّه .
ويقال : إنّه اجتمع لمسلم أربعة آلاف نصير فأمر بمَن ينادي في الناس بشعار المسلمين يوم بدر : ( يا منصور ، أمت ) . ثمّ تقدّم إلى قصر الإمارة مع أنصاره ، ولم يكن في القصر إلاّ ثلاثون رجلاً من الشرطة وعشرون من أهل الكوفة ، فلمّا شعر ابن زياد بأنّه في خطر تحايل على الموقف وأنفذ عيونه وأنصاره يبثّون الشائعات في المدينة عن قرب وصول المدد من الشام ، ويهدّدون بأخذ البريء بالمذنب والغائب بالشاهد .
وأثمرت حيلته ، فصارت الزوجات يتعلّقن بأزواجهن كي يمنعنهم من الخروج ، وفعل ذلك الإخوة والاُمهات(1) .
وكان أن انفضّ جُند مسلم إلاّ خمسمئة ، وما أن صلّى المغرب حتّى كان وراءه ثلاثون أخذوا يتسلّلون رويداً رويداً حتّى بقي وحيداً في المسجد .
ــــــــــــــ (1) راجع تاريخ الطبري 6 / 207 .
الصفحة (244)
ولمّا سمع عبيد الله سكون الجلبة أرسل حملة القناديل ليفتّشوا في المسجد مخافة أن يكون هذا السكون مكيدة ، فلمّا اطمأنّ إلى تفرّق أتباع مسلم دعا إلى الصلاة ، ولمّا اجتمع الناس رقى المنبر وقال : إنّ ابن عقيل قد أتى ما قد علمتم من الخلاف والشقاق فبرأت الذمّة من رجل وجدناه في داره ومَن جاء به فله ديّته .
ثمّ أمر رئيس شرطته الحصين بن نمير أن يفتّش السكك ودور الكوفة ، وتوعّده بالقتل إن أفلت مسلم وخرج من الكوفة(1) .
وعند الصباح وشى ابن امرأة تُدعى ( طوعة ) كانت قد آوت مسلماً بمكان اختبائه ، فأرسل ابنُ زياد ابنَ الأشعث في سبعين من الشرطة فقبضوا عليه بعد معركة دامية دافع خلالها ابن عقيل دفاع الأبطال ، وقتل العديد من مهاجميه(2) .
ولمّا جيء به إلى ابن زياد رأى مسلم على باب القصر قلّة ماء مبردة ، فطلب شربة منها ، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي : والله لا تذوق منها قطرة حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم .
ولمّا مثل بين يدي عبيد الله لم يحيّه ، فقال له ابن زياد : لقد خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين ، وألقحت الفتنة . فقال مسلم : كذبت ، إنّما شقّ العصا معاوية وابنه يزيد ، والفتنة ألقحها أبوك(3) .
ـــــــــــــــــ (1) تاريخ الطبري 6 / 209 ـ 210 .
(2) يقال : إنّه قتل واحداً وأربعين رجلاً على ما ذكر ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 212 . (3) ابن نما / 17 ، ومقتل الخوارزمي / 211 .