الرئيسية / الاسلام والحياة / الشهيد سليماني وحرب حزيران 2006

الشهيد سليماني وحرب حزيران 2006

الشهيد سليماني وحرب حزيران 2006

عبد الستار الجابري

الحلقة الاولى المقدمة

ان الوقوف على مجريات حرب تموز 2006 يعتمد على ادراك طبيعة الشخصية القيادية التي كان اثر مهم في ادراة المعركة ورسم خطوطها، وتناول البحث شخصية احد قادة المعركة الميدانيين الذي يمكن ان يقال عنه انه قائد بلا حدود فهو في ايران وفي العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي فلسطين وفي اليمن وربما في البوسنة، انه شهيد الاسلام الجنرال قاسم سليماني.

اعتمد البحث تحليل الشخصية القيادية على اساس بيانات الجنرال الشهيد في لقائه عبر احدى القنوات الايرانية بتوجيه من السيد الخامنئي دام ظله لتوثيق احداث حرب 2006 على لسان القادة الميدانيين للاهمية الكبرى التي حضيت بها تلك الحرب التي دامت 33 يوما.

يقع البحث في مقدمة وفصلين وخاتمة
الفصل الاول: تحليل شخصية القائد سليماني رحمه الله.
الثاني: مجريات الحرب.

الفصل الاول: تحليل شخصية القائد سليماني رحمة الله
يحظى تحليل الشخصية القيادية باهمية بالغة باعتباره يمهد لتحديد طبيعة عمل تلك الشخصية وكيفية تعاملها مع الملف الذي تقوم بادارته، ومن هنا جاءت محاولة فهم شخصية الشهيد سليماني للوقوف على مدى تاثيره وكيفية تمكنه من ادارة المعركة بنجاح وتحقيق نصر حاسم على العدو الصهيوني بجهود ابطال حزب الله قادة ومقاتلين وانصارا خاصة وان الحرب اخذت منحى حرب على الطائفة وليس مجرد حرب على الحزب.

ومن خلال متابعة الحديث والمعلومات التي ادلى بها القائد الشهيد سليماني يمكن ان تحدد عناصر مهمة في شخصيته وهي:

1 – ادراك الواقع الآني للصراع

من الخصائص التي تميز بها الشهيد سليماني رحمه الله انه كان يتمتع بعقلية امنية فذة، وقدرة عالية على التحليل الذي يربط بين الاحداث الدولية والاقليمية المترابطة فيما بينها، مما يبرهن على ان عمله الجهادي على الساحة الاقليمية كان يلحظ فيه المتغيرات الدولية والاقليمية في آن واحد مع تداخل وتأثير تلك المتغيرات في بعضها.

الجانب الظاهر والخفي في حرب 2006
وقد استهل الشهيد سليماني حديثه عن اسباب حصول الحرب الاسرائيلية اللبنانية، ان تلك الحرب لها جانب ظاهر وجانب خفي، وان الجانب الظاهري لم يكن الا مبرر للحرب الشاملة التي شنتها اسرائيل ضد حزب الله.

الجانب الظاهر للحرب كان له هدف مرحلي ومحدد من قبل حزب الله وهو الحفاظ على مكانة حزب الله في نفوس مواطنيه، حيث تعهد السيد حسن نصر الله للبنانيين بمختلف طوائفهم بتحرير شبابهم من اسر الصهاينة، وعلى الرغم من سعي حزب الله لتحقيق ذلك العهد الذي قطعه السيد نصر الله لمواطنيه الا ان القيادة الاسرائيلية كانت ترفض شمول الشباب الاسرى في المباحثات التي تجري لتبادل الاسرى، وهذا يعني ان حزب الله مضطر للايفاء بالعهد الذي قطعه قائده للشعب ان يسلك طريقاً اخر غير طريق المفاوضات.

واما الجانب الخفي لاندلاع الحرب فهو ان الكيان الصهيوني بعد ان خسر الحرب مع حزب الله عام 2000 والتي عرفت العملية انذاك بعملية عناقيد الغضب، والتي اضطرت فيها اسرائيل الى التراجع داخل الاراضي الفلسطينية وغادرت الاراضي اللبنانية، فانه كان لابد لها من القيام بحرب سريعة وخاطفة تحقق فيها تقدماً يعيد الثقة بقواتها المسلحة التي كانت تسمى بالجيش الذي لا يقهر والذي حقق انتصارات متوالية ضد القوات المسلحة العربية في 1948 و1967 بل وكنتيجة نهائية في حرب 1973 حيث استعاد في نهاية الحرب اغلب ما خسره من الاراضي المصرية ومرتفعات الجولان فضلا عن احتلاله للمناطق الحدودية من الجنوب اللبناني واقتحامه الاراضي اللبنانية وتدمير المخيمات الفلسطينية في عام 1982.

كانت حرب عام 2000 انعطافة جديدة في الصراع الذي كان طرفه حزب الله والذي اجبرت فيه اسرائيل لأول مرة في تاريخها على التراجع والانكسار امام مقاتلي حزب الله، ولذا كانت اسرائيل تنتظر الفرصة المناسبة لتحقيق نصر على حزب الله.

التغيرات الدولية والاقليمية وأثرها في القرار الاسرائيلي

في 11 ايلول 2001م نفذ تنظيم القاعدة الارهابي الذي كان يقوده اسامة بن لادن السعودي الجنسية الذي كان يتخذ من جبال افغانستان في ظل حكومة طالبان السلفية مقرا له، هجوما كبيرا على برجي التجارة العالمي في نييورك عاصمة امريكا التجارية وعلى وزراة الدفاع الامريكية – البنتاغون -،

الامر الذي الحق اضرارا اقتصادية وبشرية كبيرة، الامر الذي كشف عن تهديد امني كبير للولايات المتحدة حيث تمكنت قوى اصولية متطرفة من اختراق الجهاز الامني الامريكي واختطاف طائرات امريكية واستخدامها في ضرب اهداف غاية في الاهمية في داخل الولايات المتحدة من دون ان تتمكن الاجهزة الاستخبارية والامنية في امريكا من اكتشاف تلك المخططات والسيطرة عليها، وكان هذا الامر بمثابة تهديد واهانة كبرى لامريكا فاتخذت القيادة الامريكية في ظل زعامة الجمهوريين – حيث كان بوش الابن على رأس الحكومة الامريكية – قرارها بشن الحرب على تنظيم القاعدة فقادت حرب اسقاط حكومة طالبان في افغانستان، وفي تلك الفترة اعلن الرئيس العراقي صدام حسين انه مستعد لبيع النفط ببدل اخر غير الدولار،

وشكل ذلك تهديدا اقتصاديا لامريكا، لان هذه الخطوة ان نجحت في العراق وطبقتها دول اخرى فهو يعني ازاحة الدولار عن الهيمنة الاقتصادية على العالم التي كانت له منذ سبعينات القرن العشرين، فلفقوا بالتنيسق مع مبعوث الامم المتحدة تهمة وجود اسلحة دمار شامل في العراق فشن الامريكان حربهم على العراق واسقطوا نظام الحكم فيه.

كانت الغاية من الحرب ضمان الامن الامريكي والاحتفاظ بالموقع الريادي لامريكا امنيا واقتصاديا وتعزيز كونها الدولة المحورية في العالم خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991م.
وكان ذلك يقتضي نشر القوات العسكرية الامريكية في منطقة الشرق الاوسط، والتاسيس لقيام نظام سياسي واقتصادي وامني جديد في المنطقة تكون لاسرائيل فيه الدور المحوري.

ادى اسقاط امريكا لنظام طالبان استقرار قوة عسكرية امريكية في افغانستان تقدر بثلاثين الف مقاتل مضافا الى خمسة عشر الف مقاتل من القوى الدولية، كما استقر في العراق زهاء خسمون الف مقاتل امريكي، هذا فضلا عن الطائرات السمتية والدروع وناقلات الاشخاص، فتحول الشرق الاوسط الى ثكنة عسكرية يتنشر فيها ما يقارب مائتا الف مقاتل من مختلف الجنسيات.

هذا الانتشار الكبير للقوات الامريكية والدولية في المنطقة كان يمنح اسرائيل حالة كبيرة من الطمأنينة الى انها في حال شنت حرباً على لبنان فان ايران وسوريا ستكونان عاجزتين عن تقديم اي دعم لحزب الله حيث ان الوجود العسكري الامريكي والغربي سيمنعهما من تقديم اي نحو من انحاء الدعم.

مضافاً الى ان وجود القوات العسكرية الامريكية في المنطقة قد اسهم اسهاماً كبيراً في نشر الرعب والخوف بين حكام المنطقة حتى من كان منهم متطرفاً في العداء لامريكا .

ومضافاً الى الواقع العسكري والامني والنفسي المتفرعين على الوجود العسكري الامريكي في المنطقة، فإن غالبية الدول العربية كانت تؤيد المشروع الاسرائيلي في القضاء على حزب الله.

ان العرض الذي قدمه الشهيد سليماني رحمه الله لتأثير التغيرات الدولية والاقليمية على القرار الاسرائيلي في التخطيط لحرب خاطفة على حزب الله لبنان يكشف عن تقييم موضوعي للترابط العضوي في الواقع الامني الدولي والاقليمي ومدى تأثير كل واحد منهما في الاخر.

 

 

 

الشهيد سليماني وحرب حزيران 2006 القسم 2

بحوث اجتماعية وسياسية:

الشهيد سليماني وحرب حزيران 2006

عبد الستار الجابري

الحلقة الثانية 2-

الايمان بالقيادة السياسية

الجانب الاخر الذي تحلت به شخصية الجنرال الشهيد سليماني هو ايمانه العميق بالقيادة السياسية المتمثلة باية الله السيد علي الخامنئي دام ظله.

يقرر الشهيد سليماني في معرض حديثه اثناء اللقاء ان التقوى والايمان والاخلاص من العناصر المهمة في شخصية السيد الخامنئي التي تجعل الحكمة تجري على لسانه.

يكشف الشهيد سليماني اثناء حديثه عن الحرب بين حزب الله والكيان الصهيوني في تموز 2006، ان السيد الخامنئي كان يتمتع باستشراف الغاية غير المعلنة من الحرب ومستقبلها وشروط الانتصار فيها.

ادارك غايات العدو

حيث بين الشهيد سليماني انه عند لقائه من القيادات العليا في ايران بحضور السيد الخامنئي، وبعد ان شرح لهم الشهيد سليماني تفاصيل الحرب وما يجري على الساحة اللبنانية، ان السيد الخامئني بين ان هذه الحرب اعدت لها اسرائيل سلفاً وانها ليست مجرد رد فعل على اختطاف حزب الله للجنديين الاسرائيليين، وان الغاية من هذه الحرب هي عين الغاية التي كانت لحرب اسرائيل على المخيمات الفلسطينية في لبنان سنة 1982، حيث كانت الغاية من الحرب على المخيمات الفلسطينية اجلاء الفلسطينيين من نقطة التماس الصفري حيث كان الفلسطينيون على مسافة صفر من الاراضي المحتلة وكانوا يخوضون عملياتهم في داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، اما بعد حرب 1982 اضطر الفلسطينيون الى الانتقال الى بلدان اخرى غير لبنان وحتى القيادة الفلسطينية انتقلت الى تونس واصبحت قيادة منفى بعد ان كانت قيادة فاعلة على الارض الفلسطينية، وان غاية اسرائيل من الحرب على لبنان في هذا الظرف كان افراغ منطقة التماس الصفري من حواضن حزب الله.

ثم يقرر الشهيد سليماني ان تصريحات قيادات العدو الصهيوني بعد الحرب كشفت عن ان اسرائيل كانت تخطط للحرب ضد حزب الله وانها كانت في تامة الجهوزية لشن الحرب وانما كانت تنتظر الوقت المناسب لاعلان الحرب ولذا جاء اختطاف الجنديين الاسرائيليين مبررا لاعلانها. كما بين الشهيد ان مجريات الاحداث العسكرية وكيفية تعاطي اسرائيل في الحرب على حواضن حزب الله وهي المناطق الشيعية في الجنوب اللبناني والتي تقع في شمال فلسطين المحتلة كشفت عن صدق استشراف السيد الخامنئي للاهداف الاسرائيلية من الهجوم على حزب الله، اذ استهدف الكيان الصهيوني في البداية جميع المنشئات التابعة لحزب الله ثم تعدى الى قصف كل ما يرتبط بالشيعة في الجنوب اللبناني بحيث – والتعبير للشهيد سليماني – ان البستان اذا كان لشخص شيعي فلا تمضي لحظة لا تتساقط عليه القذائف بينما الى جواره بستان لشخص اخر من غير الطائفة الشيعية كان يكون مسيحيا او سنيا يجلس فيه اصحابه بكل امن وامان يدخنون القليون، فلم تعد الحرب بين حزب الله واسرائيل بل شنت اسرائيل حربها على الطائفة الشيعية في الجنوب اللبناني.

مستقبل الحرب

كما بين السيد الخامنئي – حسب ما بينه الشهيد سليماني – للقيادات الايرانية ان هذه الحرب من حيث الاهمية بالنسبة للشعب اللبناني وللكيان الصهيوني توازي غزوة الخندق، حيث ان قوى الشرك في معركة الخندق كانت قد استخدمت كافة قدراتها العسكرية والفنية للقضاء على الدولة النبوية وانهاء وجودها الى الابد، الا ان صبر المسلمين وتحملهم وصمودهم وحكمة القيادة النبوية والشجاعة العلوية انهت القدرات الفاعلة للشرك وانتهت بتحول المسلمين الى قوة عظمى في المنطقة. ويعلق الشهيد سليماني حول هذه النقطة بانه في داخلة كان يتمنى عدم تطرق السيد الخامنئي دام ظله لهذه المسألة لأن معركة الخندق كانت ذات اثار ايجابية عظيمة على المسلمين والحال ان الوضع العسكري واحداث الساحة لا توحي بذلك، ذلك لان الحرب لم تكن حرباً تقليدية بل استخدم فيها الجيش الاسرائيلي كافة التقنيات الحديثة، فلا يوجد تكافؤ من الناحية التقنية بين الطرفين المتحاربين. ثم يقرر الشهيد سليماني ان الواقع على الارض من جهة الشيعة في لبنان كان كما هو الحال في المدينة المنورة ايام غزوة الخندق اذ لم يعد في الجنوب اللبناني اي مكان امن ولم تقتصر الحرب على نقاط معينة فكل الجنوب اللبناني كان ساحة حرب.

تأثير القوة الروحية في مجريات الحرب

كما ينقل الشهيد سليماني توصية روحية للسيد الخامنئي كان لها الاثر الكبير في الدعم المعنوي والروحي للمقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله وبحاضنتها الشيعية ومؤيديها من اللبنانيين، حيث اوصى سماحته الشعب اللبناني بقراءة دعاء الجوشن الصغير المروي عن الامام الكاظم (عليه السلام) لما كان في السجن، وهو دعاء تنطوي كلماته على اللجوء الى الله تعالى والانقطاع اليه بسبب شدة الظلم وجسامة الشدة.

الشهيد سليماني على الرغم من ان المعطيات الميدانية التي يمر بها حزب الله لم تكن تشير حسب قراءته العسكرية الى خروج حزب الله من هذه المعركة منتصرا، الا ان ايمانه الراسخ بالقيادة السياسية والزعامة الروحية للسيد الخامنئي حملته على نقل تفاصيل اللقاء الى القيادة الميدانية لحزب الله في لبنان، التي لم يفارقها سليماني طيلة ايام المعارك حتى وضعت الحرب اوزارها، وايمانا من قيادة حزب الله بحكمة السيد الخامنئي وعمق ادراكه لمجريات الاحداث نقلت القيادة الى جماهير حزب الله وابناء المذهب الشيعي ما افاده السيد الخامئني من ان اسرائيل كانت تخطط لهذه الحرب وان الحرب لم تندلع على خلفية اختطاف الجنديين بل حتى لو ان الجنديين لم يختطفا فان الحرب واقعة لا محالة، وان اسرائيل تهدف الى ابعاد الشيعة من مناطقهم وترحيلهم الى مناطق اخرى، وان هذه المعركة معركة وجود كما هو الحال في معركة الخندق، وان النصر سيكون حليف الشيعة في جنوب لبنان بشرط الصبر والتحمل والاستقامة على الرغم من صعوبة الظروف، وان السيد الخامنئي يوصي الشيعة في لبنان بقراءة دعاء الجوشن الصغير.

كان للنقاط التي بينها السيد الخامنئي الاثر الكبير في نفوس الطائفة الشيعية في لبنان واصرارها على مواصلة الحرب والصمود ودعم حزب الله في حربه ضد اسرائيل، واصبح دعاء الجوشن الصغير يبث عبر اذاعة المنار وبصوت شجي عدة مرات في اليوم والناس تردد كلماته المليئة بالالتجاء الى الله وطلب العون منه، ولم يقف الامر على الشيعة بل تعداه حتى ابناء الطائفة المسيحية الذين كانوا يترنمون بكلمات دعاء الجوشن وهم يطلبون الى الله الخلاص من جور الصهاينة.

لقد كان لفضح المخطط الخفي لاسرائيل في تبييته لنية الحرب اثره المهم في تخفيف توجيه اللوم الى حزب الله بسبب عملية اختطاف الجنديين، كما زاد من اصرار ابناء الطائفة الشيعية على الحفاظ على حقها الازلي في ارضها بعد ان اتضح لهم ان غاية اسرائيل من الحرب تهجيرهم من ارض ابائهم واجدادهم لايجاد طبوغرافية جديدة في المنطقة الهدف منها القضاء على حزب الله من خلال تهجير حاضنته الاجتماعية، كما ان الالتزام بقرائة دعاء الجوشن الصغير وفر ارضية روحية زادت من صمودهم امام الهجمة الشرسة التي استخدمت فيها اسرائيل جميع التقنيات المتطورة.

 

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية