الرئيسية / القرآن الكريم / نفحات من القران

نفحات من القران

والآلوسي المفسر المعروف وان ناقش هذه الادلة في تفسيره ( روح البيان)، ولكنه يصرح ان بسم الله آية مستقلة في القرآن وان كانت ليست جزءً من سورة الحمد(3)!
فهو يعترف بان بسم الله جزء من القرآن، لكن لا نعلم لماذا يصر على أنها آية مستقلة وليست جزءً من سورة الحمد؟
ومهما كان فلا يخفى ان بسم الله موجودة في جميع المصاحف طوال التاريخ الاسلامي في بداية جميع السور إلاّ سورة البراءة، ومن المسلم ان هذا بامر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يمكن ان نقبل ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر ان يكتب في القرآن شيء ليس منه، وعلى هذا فلا حجّة لنا اذا فصلنا «بسم الله» من السور لان هذا نوع من

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – نفس المصدر.
2 – ذكر «الحاكم» هذه الرواية في «المستدرك» الجزء 1 ص 233 واعتدَّ بسندها، وورد نفس هذا المضمون بتفاوت ضئيل في «الدر المنثور» الجزء 1 الصفحة 8 وتفسير «روح المعاني» الجزء 1 الصفحة 39.
3 – روح المعاني الجزء 1 الصفحة 37.

[38]

انواع التحريف للقرآن الكريم.
ولهذا يقول الامام الباقر (عليه السلام) في مثل هؤلاء:
«سرقوا أكرم أية في كتاب الله : بسم الله الرحمن الرحيم»(1).
ويضيف الامام الصادق (عليه السلام) : «مالهم قاتلهم الله عمدوا الى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة اذا أظهروها وهي بسم الله الرحمن الرحيم»(2)!
ولهذا فقد وردنا من الائمة (عليهم السلام) الاصرار على الجهر ببسم الله خاصة وفي جميع الصلوات الليلية والنهارية لاجل القضاء على هذه البدعة الموروثة.
وخلاصة الكلام انّ أهمية بسم الله بين آيات القرآن أوضح من أن تحتاج الى البحث ولذلك يجب ان تعطي أهمية كبيرة، ومن المؤسف أن بعض الافراد الفاقدين للذوق السليم وخشية من أن تقع كتاباتهم بايدي الافراد غير متوضئين أو تدوسه عليها الاقدام أو تقع في الازقة والاسواق يمتنعون عن كتابة بسم الله في رسائلهم وكتاباتهم، ويضعون محلها عدداً من النقاط غافلين عن أنّ سيئة ترك بسم الله أشدّ بكثير من هذه المساويء.
نحن مأمورون بأن نكتبها، وان نسعى من أجْلِ المحافظة عليها واحترامها، واذا لم يراع الآخرون الحرمة اللازمة فلسنا مسؤولين عن أعمالهم ، ولا ينبغي لنا ان نترك بسم الله لهذا العذر لان الضرر الذي يصيبنا سيكون أكبر.
لذلك ينقل لنا التاريخ ان اول سكة ضربت في الاسلام كانت في زمان «عبد المك بن مروان » وبأمر من الامام الباقر عليه السلام وكتب على احد وجهيها « لا اله الا الله» وعلى الوجه الآخر « محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) » ، ومن الواضح ان هذه السكة تقع في يد عامة الناس حتى غير المسلمين الذين كانوا يعيشون في محيط الاسلام، فلم تكن مراعاة هذا الأمر مانعة من ضرب السكة والشعارات الاسلامية

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تفسير البرهان الجزء 1 الصفحة 42 حديث 15.
2 – نفس المصدر حديث 26.

[39]

الحية ولا ينبغي لها ان تكون(1).
* * *

لماذ لم تُذكر بسم الله في بداية سورة براءة؟

الجواب على هذا السؤال ورد صريحاً في حديث روي عن امير المؤمنين(عليه السلام):
(لم تُنَزَل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس «سورة براءة» لان بسم الله للأمان والرحمة ، ونزلت براءة لرفع الأمان وبالسيف»)(2) يعني رفع الأمان عن الكفار الناكثين للعهود.
ويعتقد جماعة بان هذه السورة تتمة لسورة الانفال لان سورة الانفال تتكلم عن العهود ولهذا لم يذكر بينهما «بسم الله».
وهذا المعنى ذكر في رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) : « الانفال والبرائة واحدة»(3).
واحتُمل أيضاً ان الله سبحانه ومن أجل ان يبيّن حقيقة انّ بسم الله جزء في جميع سور القرآن لم يذكر بسم الله في بداية هذه السورة.
والجمع بين هذه الاقوال الثلاثة ممكن.
وهناك آيات متعدّدة حول بسم الله في القرآن وخصوصاً في مورد ذبح الحيوانات ، والكلام عنها ينبغي ان يكون في محل آخر.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تاريخ التمدن الاسلامي ( جرجي زيدان ) الجزء 1 الصفحة143.
2 – مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 2 وهذا الحديث ذكره الفخر الرازي عن ابن عباس عن علي(عليه السلام) مع اختلاف يسير وقال (عليه السلام) هناك : لان بسم الله الرحمن الرحيم أمان وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان (الجزء 15 الصفحة 216).
3 – مجمع البيان الجزء 5 الصفحة 1.

[40]

4 ـ لا تقرنوا اسم الله باسم غيره ؟

حيث ان القادر المطلق والرحيم الحقيقي هو الذات المقدسة لله سبحانه.
وما عالم الوجود إلاّ مائدة من موائد احسانه ، وكل ما لدنيا منه فيجب طلب المدد والعون منه والابتداء باسمه ، والآيات المتعلقة « بسم الله » والروايات الواردة في هذا المجال كلها تؤكد على هذا المعنى.
ولهذا فان الذين يقرنون مع اسم الله اسم غيره كالطواغيت الذين يضعون اسماء السلاطين المتجبرين والمتكبرين الى جنب اسمه سبحانه ويفتتحون بها ويشرعون بها . أو الاشخاص الذين يبدأون اعمالهم باسم ( الله ) و« الشعب » ، كل هؤلاء في الحقيقة مصابون بنوع من الشرك. وحتى اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينبغي
أن يُقرن الى جنب اسم الله في هذا المجال فلا يقال بسم الله ونبيّه.
ففي حديث عن تفسير الامام الحسن العسكري((عليه السلام)): ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جالساً يوماً مع امير المؤمنين على (عليه السلام) فسمعا شخصاً يقول « ماشاء الله وشاء محمد» وآخر يقول « ماشاء الله وشاء علي ».
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
« لا تقرنوا محمداً ولا علياً بالله عز وجل ».
ثم اضاف : « ولكن اذا اردتم فقولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ، ما شاء الله ثم شاء علي » ، يعني اعلموا ان مشيئة الله قاهرة وغالبة على كل شيء فليس لها في الوجود من مساو أو نظير أو قرين . وما محمد في دين الله وامام قدرة الله إلاّ كطير يحلِّق في فضاء هذا الكون الواسع وكذلك علي (1).
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – اثبات الهداة الجزء 7 الصفحة 482 حديث 79 ( مع قليل من التلخيص ) .

[41]

نظرية المعرفة

[42]

[43]

تمهيد:

إنَّ اول مسألة يواجهها الانسان في بحوثه العلمية هي مسألة المعرفة. واول اسئلة تنقدح في ذهن الانسان هي:
1 ـ هل هناك عالَم موجود خارج وجودنا أم أن ما نراه ليس إلاّ كالرؤى والاحلام التي نراها في منامنا وان العالم الخارجي ما هو إلاّ وهم وخيال؟
2 ـ اذا كان هناك عالم في الخارج فهل لنا طريق الى ادراكه ومعرفته ؟
3 ـ اذا وجد عالم في الخارج وامكننا معرفته، فما هي الطرق التي يجب ان نسلكها للوصول الى معرفته وما هي مصادر معرفته ؟
أمن طريق الاستدلالات العقلية؟
أم من طريق التجربة والعلوم التجريبية الطبيعية ؟
أم عن طريق الوحى أم من طرق اُخرى؟ وأيّ هذه الطرق أكثر اعتماداً؟
4 ـ اضف الى ذلك ما هي الوسائل التي نستطيع بها معرفة العالم ؟
5 ـ وبعد قبول المسائل المذكورة يطرح هذا السؤال وهو: ما هي الأمور التي تؤدي الى تقوية وتوسيع مجالات وآفاق المعرفة عند الانسان، وتجعل

[44]

روحه وقلبه أكثر استعداداً لتلقي المعارف ؟
وما هي الموانع والعقبات التى تقف حائلا بين الانسان والمعارف الحقيقية لعالم الوجود، وتجره الى الحيرة والضلال ؟
* * *

* هل هناك عالم خارج اذهاننا؟

حول هذه المسألة الأُولى انقسم الفلاسفة الى قسمين:
1 ـ « الواقعيون» ( رئاليسم ).
2 ـ « المشككون أو المثاليون أو التصوريون» ( ايدياليسم ).
والقسم الثاني في الواقع هم فرع من السوفسطائيين المنكرين للحقائق بل ان البعض يعتقد ان السوفسطائيين هم نفسهم المثاليون الذين يعترفون بوجود انفسهم واذهانهم ويعتبرون ما سواه وهماً وخيالا، وإلاّ فكيف يمكن لعاقل ان ينكر كل شيء حتى وجود نفسه إلاّ ان يكون مصاباً بمرض نفسي.
وعلى أي حال فان أفضل الطرق لادراك الوجود الخارجي هو ايكال الأمر الى الوجدان، الوجدان العام لكل الناس ولجميع العقلاء، بل حتى وجدان المثاليين أنفسهم شاهد على هذا المدّعى.
لان كل الناس عندما يشعرون بالعطش يذهبون نحو الماء، فالعطش والماء وتأثير الماء في رفع العطش اُمور يدرك وجودها حتى الاطفال والحيوانات، والسوفسطائيون أيضاً لا يختلفون في عملهم مع الآخرين. أو عندما يريد الانسان ان يعبر شارعاً مزدحماً يقف الى جانب الشارع قبل كل شيء وينظر يميناً وشمالا، وينتظر حتى يخلو الشارع من السيّارات فيعبر الشارع مع الاحتياط، خشية ان تدهسه سيارة فيصاب بأذىً او جراح.
هذا العمل يتساوى فيه الواقعيون والمثاليون فالكل يعترف بوجود الشارع

[45]

والسيارات وخطر الدهس والاصطدام والأمور الاخرى، وكلهم يعبرون الشارع مع الحيطةِ والتحفظ.
وهكذا عندما يمرض الانسان ويرى الآثار المختلفة للمرض في نفسه، فيراجع الطبيب فيأمره الطبيب بان يجري له التحليل وبعد ذلك يكتب له الطبيب وصفة الدواء، ويحدد له الغذاء المناسب واوقات تناول الدواء والغذاء ومقاديره، فيرى المريض نفسه مكلفاً بان يمتثل هذه الأوامر كي يستعيد سلامتهُ .
وفي كل ذلك لا فرق بين الواقعيين والمثاليين، فالكل يستجيبُون للمرض بواسطة ادراكهم الوجداني ويعترفون بالعشرات من الحقائق العينية، من آثار المرض الى وجود الطب والطبيب والمختبرات والدواء والغذاء.
وبهذا الدليل نقول «ان المثاليين في العمل واقعيون» !
وان المشككين عندما يردونَ ميدان الحياة يتناسون كلامهم ويرون أنفسهم امام الواقع العيني فيتعاملون معه وفق ما يقتضيه.
وقد أيّد القرآن الكريم في آياته الكريمة صحة هذا المعنى فكلّ آيات القرآن تخبر عن الحقائق والواقع العيني الخارجي، من سماوات وأرض والملائكة والناس وعالم الطبيعة وما وراءه والدنيا والاخرة.
وان هذا الأمر في القرآن بدرجة من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج الى بحث أكثر، لذلك ننهي هذه المسألة وننتقل الى مسألة امكان المعرفة (1).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – نؤكد هنا مرة اُخرى بان هدفنا في جميع مباحث هذا الكتاب ليس متابعة الاراء الفلسفية أو التاريخية أو… بل هدفنا في الاصل التفسير الموضوعي يعني متابعة البحث من نظر القرآن ومدى انعكاس الموضوع في الآيات المختلفة … واذا وجدت ضرورة للبحوث الفلسفية وغيرها فسنفرد لها بحوثاً منفصلة بعنوان توضيحات في الخاتمة.

[46]

القرآن

ووجوب المعرفة

40 ملاحظة قرآنية حول أهمية العلم والمعرفة

[47]

[48]

القرآن ووجوب المعرفة

تمهيد:

لم يعتبر القرآن الكريم مسألة معرفة الانسان أمراً ممكناً فحسب بل اعتبرها من أهم الواجبات.
فالقرآن يدعو الى معرفة اسرار عالم الوجود وحل رموز الكون والمخلوقات، ويستخدم القرآن في دعوته لأتباعه ـ للتزود بالعلم ـ الاساليب الصريحة والظاهرة والكنائية .
والبحث في التعابير القرآنية في هذا المجال يفتح امام اعيننا افقاً جديداً، ويرينا ان أمر المعرفة من الواجبات المؤكدة وبمستوى عال جداً.
والطريف: أنَّ هذه الدعوة قد تمت في زمان ومكان كانت قد غطت الافق فيه سحب الجهل الظلماء، حقّاً إن عمق وسعة هذه التعابير يدل قبل كل شيء على عظمة القرآن وصدق المبعوث به.
ومن أجل هذا الأمر نذهب الى آيات القران ونبحث عن التعابير المختلفة في هذا المجال.

[49]

هذه الدعوة لها وجوه متنوعة بشكل كامل، ونحن جمعنا ( اربعين أنموذجاً) من الآيات المختلفة وكل واحد منها ينظر الى هذه المسألة المصيرية من زاوية خاصة.
وفي الضمن ذكرنا في الحواشي الروايات المعتبرة المتناسبة مع الآيات، ليتضح التنسيق والانطباق الكامل بين الكتاب والسنة .
* * *

1 ـ وجوب تحصيل العلم:

وردت في ( 27) آية من القرآن المجيد دعوة صريحة للتزود بالعلم، وبالاستفادة من جملة « اعلموا» وكما في الامثلة التالية:
1 ـ (فَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)
(البقره / 209)
2 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِكُلِ شَيء عَليمٌ)
(البقرة / 231)
3 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ)
(البقره / 233)
4 ـ (اِعْلَمُوا اَنَّ اللهَ يُحْيي الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)
(الحديد / 17)
5 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَكُمْ اِلَيْهِ تُحْشَرونَ)
(البقرة / 203)
6 ـ (فَاعْلَمُوا اَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبين)
(المائده / 92)

[50]

7 ـ (وَاعْلَمُوا اَنَّما غَنِمتُم مِنْ شَيء فَاَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ)
(الانفال / 41)
8 ـ (اِعْلَمُوا اَنَّما الْحَياةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ)
(الحديد / 20)
* * *
الآيات الاولى والثانية والثالثة تنظر الى الذات الالهية المقدسة والى صفاته الاعم من «صفات الذات» و«صفات الفعل».
الآية الرابعة تتكلم عن خلق الحياة.
الآية الخامسة تتحدث عن القيامة والبعث.
الآية السادسه تتكلم عن النبوة وسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الآية السابعة تبحث عن الاحكام العملية الاسلامية.
والآية الثامنة ترينا الوجه الحقيقي للدنيا وتظهر لنا تفاهتها كاسلوب للدعوة الى الزهد والتقوى والنجاة من حُبّ الدنيا وما يترب عليه من ذنوب.
وبهذا نعلم ان كل ما يرتبط بالعقائد والاعمال ومنهج الحياة قد ورد مشفوعاً بكلمة ( اعلموا) وهي تتضمن دعوة للتسلّح بالوعي والمعرفة في كلّ
هذه المجالات(1).
* * *

2 ـ تكرار اللوم والتوبيخ على ترك التفكر:

تارة يقول سبحانه: (اَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) (الانعام / 50).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – ورد أيضاً التأكيد الكثير في الروايات الاسلامية على طلب العلم، والحديث المعروف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاهد واضح على هذا المعنى (1) بحار الانوار الجزء 6 الصفحة 117، والامام الصادق (عليه السلام): (طلب العلم فريضة على كل حال) 40 الجزء 2 الصفحة 172.

[51]

وتارة يقول بعد بيان الآيات الالهية المختلفة الاعم من التكوينية والتشريعية: (لَعَلَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(لَعَلَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (البقره / 219)
و( الاعراف / 176).
واحياناً يقول: ( اَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) (الروم / 8).
كل هذه الآيات تدل على وجوب التفكر، ووجوب التفكر بدل على امكان المعرفة(1).
* * *

3 ـ التأكيد على لزوم التعليم والتعلم :

جاء في سورة التوبة:
( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيتَفَقَّهُوا
فِيْ الدِّيْنِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِم
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
هذه الآية الكريمة لا توجب تعلّم الدين الالهي فحسب بل توجب تعليمه ونشره بعد تعلمه أيضاً.
والتعبير بـ (نفر) التي تطلق على الخروج الى الجهاد في الآيات القرآنية الاُخرى يدل على ان افراد الأُمة الاسلامية في غير الحالات الضرورية لا يجوز لهم الخروج بأجمعهم الى ساحة القتال، بل ينبغي على مجموعة منهم أنْ تبقى في المدينة لتتعلم الاحكام الالهية وتعلّمها للآخرين بعد رجوعهم.
والتفسير الآخر للآية هو: ان المسلمين يجب ان ينقسموا قسمين: قسم يبقى في المدينة ليحافظ عليها ، وقسم يذهب الى ميدان الجهاد ليُشاهدَ آثار العظمة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – جاء في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محبّاً ولا تكن الخامس) المحجة الجزء 1 الصفحة 22 .

[52]

الالهية والمعجزات والامداد الغيبي والنصر الالهي، ثم وبعد رجوعهم يُخبروا وسائر الناس بذلك.
وهناك احتمال ثالث في تفسير الآية وهو ضرورة نفير بعض سكان ضواحي المدينة إليها ليتفقهوا في أحكام الدين وتبليغها للآخرين عند الرجوع، ومكث البعض الآخر في تلك المناطق لحفظ نظام الحياة هناك(1).
ولكلِّ تفسير ميزة لا توجد في التفسير الآخر(2).
ولكنْ بغضّ النظر عن الإختلاف في التفاسير، فان ما نسعى لاثباته ـ وهو وجوب التعلم والتعليم ـ ثابت بلا منازع، وتأكيد القرآنِ على هذين الواجبين دليل واضح على امكان وضرورة المعرفة(3).
* * *

4 ـ العلمُ والمعرفة هما الهدف من خلق العالم:

(اَللهُ الَّذي خَلَقَ سَبْعَ سَموات وَمِنَ الاَْرْضِ مِثْلَهُنّ يَتَنَزَّلُ الاَْمْرُ
بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا اَنَ الله عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ وَاَنَّ الله قَدْ اَحاطَ بِكُلِ
شيء عِلْماً)
( الطلاق / 12)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تفسير الفخر الرازي الجزء 16 الصفحة 225 ، والميزان الجزء 9 الصفحة 427 ، ومجمع البيان الجزء 5 الصفحة 83.
2 – في التفسير الأول مرجع الضمير في جملة (ليتفقهوا) و(لينذروا) اسم محذوف والتقدير هو «وتبقى طائفة»، وهذا فيه حذف ، والحذف يعتبر خلاف الظاهر . بينما (نفر) جاء بمعنى الجهاد هنا ، هذه نقطة قوة التفسير الاول . في التفسير الثاني مرجع الضمير مذكور وهو (طائفة)، لكنّ الثاني ضعيف في لأنّ ميدان الجهاد ليس محلا للتعلم إلاّ بالتوجبه الذي ذكر. وفي التفسير الثالث يقدر المحذوف. لكنه يتفق مع الروايات التي تفسر النفير (بالهجرة للتفقه في الدين). «ذكر في تفسير الثقلين (9) روايات في هذا المجال ».
3 – يقول الامام الصادق (عليه السلام): «لوددتُ أن اصحابي ضربتُ رؤوسهم باسياط حتى يتفقهوا» (الكافي الجزء 1 الصفحة 8).

[53]

لقد شرحنا المراد من السماوات السبع والارضين ما فيه الكفاية في التفسير «الامثل» (1). وكيفما كان فان الآية تبين بوضوح حقيقة أن احد اهداف الخلق هو العلم والمعرفة، وتعريف الانسان بعلم الله وقدرته وصفاته وذاته. وهذه الآية صريحة في بيان أكانِ المعرفة الى حد بعيد(2).
* * *

5 ـ الهدف من بعثة الانبياء هو التعليم والتربية:

إن القران الكريم ذكر هذه المسألة بشأنِ الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) عدة مرات، من جملتها ما جاء في سورة البقرة:
(كَما اَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا ويُزِكيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)
(البقره / 151)
وقد جاء هذا المعنى في كلّ من الآيات (129) من سورة البقرة و(164) من سورة آل عمران و(2) من سورة الجمعة.
فاذا كانت المعرفة غير ممكنة،: فكيف امكن ان تشكل المعرفة أحد الأهداف المهمة لبعثة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)(3).
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – بالنسبة للسموات السبع يرجع الى الجزء الاول ذيل الآية (29) من سورة البقرة وبالنسبة للارضين السبع الى الجزء (24) ذيل الآية (12) من سورة الطلاق.
2 – جاء في حديث أن الامام الحسين بن علي (عليه السلام) خاطب أصحابه قائلا: «ايّها الناس ان الله جل ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فاذا عرفوه عبدوه، فاذا عبدوه إستغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه» (بحار الانوار الجزء 50 الصفحة 312).
3 – يقول امير المؤمنين (عليه السلام): «كفى بالعلم شرفاً ان يدَّعيه من لا يحسنه ويفرح اذا نسب إليه وكفى بالجهل ذمّاً أنْ يبرأ منه مَن هو فيه» (بحار الانوار الجزء 1 الصفحة 185).

[54]

6 ـ التفكّر والتدبّر هو الهدف من نزول القرآن:

(كِتابٌ اَنْزَلْناهُ اِلَيْكَ مُبارَكٌ * لِيدَبّروُا آياتِهِ وَلِيَتَذَكرَ اوُلُوا الاَْلْباب)
(ص / 29).
(اَفَلا يَتَدَبَّروُنَ الْقُرآنَ اَمْ عَلى قُلوب اَقْفالُها)(1) مادتها (دُبُر) وتعني ظهر الشيء، ومن ثم استعملت بمعنى التفكّر والتفكير بعواقب الامور، وذلك لان عواقب الامور ونتائجها تتضح بالتكفير.
إن الآية الاولى اوضحت ان التدبر هو هدف نزول القرآن كي لا يقتنع الناس بقراءة الآيات ككلمات مقدسة فحسب وينسوا الهدف الاخير منها.
والآية الثانية اعتبرت ترك التدبر دليلا على انقفال القلوب وتعطيل الحس.
وعلى أيٍّ فان هاتين الآيتين دعوة عامة للتدبر، دعوة تثبت بوضوح امكانية المعرفة(2).
* * *

7 المعرفة هي الهدف من المعراج:

(سُبْحانَ الَّذِي اَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اِلى الْمَسْجِدِ
الاَْقْصى الَّذِي بَارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ
الْبَصير)
(الاسراء / 1)
ونفس معنى الآية هذه ورد في سورة النجم، حيث تحدثت عن المعراج بأسلوب آخر، والآية هي:
(لَقَدْ رَآى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – سورة محمد: الآية 24.
2 – يقول الامام الكاظم (عليه السلام) لهشام بن الحكم: «ما بعث الله أنبياءه الى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله فأحسنهم إستجابة أحسنهم معرفة». (أصول الكافي الجزء 1 الصفحة 16).

[55]

تبين هاتانِ الايتان ـ على الاقل ـ أحد الأهداف المهمة لمعراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي قضية رؤية آيات الحق الكبرى، الرؤية التي تعتبر أهم مصادر المعرفة(1).

8 ـ الدعوةُ للإسلام بدأت بالدعوة للعلم:

(اِقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذي خَلَقَ * خَلَقَ الاِْنْسانَ مِنْ عَلَق * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَْكْرَمْ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الاِْنْسانَ ما لَمْ يَعْلَم)
(العلق / 1 ـ 5)
إنّ هذه الآيات التي تعتبر اولى أنوار الوحي التي شعّت في قلب الرسول
الطاهر (صلى الله عليه وآله وسلم) في جبل الثور في جنب غار «حراء»، بدأت بقضية المعرفة وختمت بها.
إستهلّت الايات بتحبيذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على القراءة التي هي احدى وسائل المعرفة، وختمت بالبحث عن المعلِّم الاعظم للكون اي الله الذي يُعتبر الانسان تلميذه المُبْتَدِىء.
أليست هذه كلها دلائل واضحة على امكانية المعرفة؟!
* * *

9 ـ العلم نور وضياء:

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاَْعْمى وَالْبَصير اَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُلُماتِ
وَالنُّورِ)
(الرعد / 16)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – للتفصيل راجع التفسير الامثل الجزء 12 الصفحة 16.

[56]

(وَما يَسْتَوِي الاَْعْمى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُلُماتُ وَلاَ النُورُ * وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ)
(فاطر / 19 ـ 20)
انّ هذه الآيات جعلت الظلمات في عداد العمى، والنور في عداد البصر، وهي اشارة الى أن العلم نور وضياء، والجهل يساوي العمى وهي من أجمل التعابير للتشجيع على المعرفة(1).
* * *

10 ـ إدراك أسرار الوجود خاصّ بالعلماء:

(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلافِ اَلْسِنَتِكُمْ وَاَلْوانِكُمْ
اِنَّ فِي ذلِكَ لآيات لِلْعالمِينَ)
(الروم ـ 22)
(وَتِلْكَ الاَْمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها اِلاَّ الْعالِمُونَ)
(العكبوت / 43)
في الآية الأولى عُدَّ ادراك اسرار كتاب التكوين خاصاً بالعلماء وفي الثانية عُدَّ فهم كتاب التدوين خاصاً بهم كذلك.

وهذا تشجيع لطلب العلم والمعرفة من جهة، ودليل على مسألة المعرفة من جهة أخرى.
* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 – يقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «العلم نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه». (الوافي الجزء 1 الصفحة 7).

شاهد أيضاً

تأملات في الطريق 14

4 – [ السقوط في الفتنة ] حذر الأنبياء والرسل على امتداد المسيرة البشرية من ...