الرئيسية / الاسلام والحياة / في رحاب الولي الخامنئي – الإمام علي عليه السلام 01 \ 14

في رحاب الولي الخامنئي – الإمام علي عليه السلام 01 \ 14

المقدمة

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيّد المرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين المنتجبين.

لقد شكّلت حياة أمير المؤمنين عليه السلام النموذج الإسلاميّ الكامل والسراج المنير لكلّ من يبحث عن الله وعن صراطه المستقيم، وكيف لا يكون الإمام علي عليه السلام نبراساً للإنسان المسلم وقد تكفّل تربية هذه الشخصيّة المرموقة والملكوتيّة أفضل الناس وأعظمهم خلقاً وهو النبيّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حيث ذاب أمير المؤمنين عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ذاب هو بالله، وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن هذه الحالة بقوله:” لقد كنت اتّبعه اتباع الفصيل إثر أمّه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً يأمرني بالاقتداء به”1.

إنّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هو مظهر العدالة والقداسة والإنصاف والرحمة والتدبير والشجاعة، والعبوديّة لله عزَّ وجلَّ. وأفضل من استنار من أنوار هذه الشخصيّة العظيمة في زماننا الحاضر هو سماحة وليّ أمر المسلمين السيّد عليّ الخامنئي دام ظله فاخترنا من

1-بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج14، ص475.

  • كلماته بعض ما ذكره عن أمير المؤمنين عليه السلام. وما في هذا الكتاب غيض من فيض الإمام عليّ عليه السلام هذا البحر الزخّار لعلّه يكون لنا هادياً ومنقذاً سائلين المولى حسن التوفيق والقبول الحسن إنّه مجيب الدعوات.

مركز نون للتأليف والترجمة

الفصل الأول:

 

 

 

شخصيّة الإمام عليّ عليه السلام

عجائب شتّى في شخصيّة الإمام عليّ عليه السلام

إنّ حياة أمير المؤمنين عليه السلام أشبه ما تكون بمحيط لا يتيسّر للمرء الإحاطة بكلّ آفاقه بنظرة واحدة أو حتّى عبر دراسة طويلة؛ فالمحيط من حيثما تأتيه تجده زاخراً بالعظمة، تجده مجمعاً لبحور عميقة القعر، فيها كائنات مختلفة الأشكال والصور، وعجائب شتّى. وإذا ما تركنا هذا الجانب ودخلنا المحيط من جانب آخر، فالكلام هو الكلام, حيث نرى آيات العظمة والمشاهد والصور المختلفة. وإذا وردناه من ضفّة ثالثة أو رابعة أو خامسة أو عاشرة، فيأتي نفس الكلام أيضاً فنرى في كلّ جهة عجائب أخرى.

هذا طبعاً مجرّد مثال مصغّر ولا يفي بالغرض عن شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام. ومن حيثما تنظر إلى هذه الشخصيّة تجدها تنطوي على عجائب جمّة, ولا مبالغة في هذا, بل هو انعكاس لعجز إنسان دَرَسَ حياة أمير المؤمنين عليه السلام سنوات متمادية واستشعر هذا الإحساس في نفسه، وأدرك أنّ شخصية عليّ عليه السلام لا يمكن سبر أغوارها بأسباب الفهم المتعارف من ذهن وعقل وحفظ وإدراكات عاديّة؛ لأنّ كلّ جانب من جوانبها زاخر بالعجائب.

طبعاً أمير المؤمنين عليه السلام نسخة مصغّرة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم

وتلميذ له، ولكن إذا شئنا النظر إلى هذا الرجل الّذي يَعتَبِر نفسه صغيراً أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو تلميذ بالمنظار البشريّ، يبدو لنا رجلاً فوق النمط البشريّ وفوق المستوى الإنسانيّ.

ونحن غير قادرين على تصوّر إنسان بمثل هذه الآفاق العظيمة؛ لأنّ أسباب الفَهْم المتوفّرة لدى الإنسان من عقل وذهن وإدراك ولا أقول عدسة التصوير التلفزيونيّ فهي أخسّ من ذلك والعقل البشريّ أسمى من هذه الوسائل الماديّة هي أدنى من أن تبيّن ماهيّة أمير المؤمنين عليه السلام لمن لم يبلغ مقام الكشف المعنويّ.

طبعاً هناك من لهم حضور معنويّ وشهود روحيّ لعلّهُ يؤهّلهم لإدراك كنه تلك الشخصيّة، إلّا أنّ أمثالنا عاجزون عن ذلك.

تضادّ الصفات في شخصيّة الإمام عليه السلام

أشير إلى خصلة اتّصفت بها حياة أمير المؤمنين عليه السلام أعبّر عنها بتوازن شخصيته.

كان أمير المؤمنين عليه السلام أعجوبة في اتّزانه الشخصيّ، صفات متضادّة ومتخالفة قد اجتمعت في شخصيّته بشكل جميل، حتّى أضحت بذاتها وجوداً جميلاً. ولا يجد الإنسان مثل هذه الصفات قد اجتمعت في أحد، لكنّها قد اجتمعت في أمير المؤمنين عليه السلام بكثرة واسعة. وأعرض في ما يلي بعض هذه الصفات المتضادّة الّتي اجتمعت فيه عليه السلام.

مثال رأفته ورقّته

هناك مثلاً الرأفة والرقّة وهي لا تنسجم مع الحزم والصلابة, لكن عطف ورأفة ورِقّة أمير المؤمنين عليه السلام كانت حقّاً في ذراها الأعلى الّذي قلّما يبلغه إنسان عاديّ, فالّذين يساعدون المساكين ويتفقّدون العوائل الفقيرة كثيرون، إلّا أنّ الشخص الوحيد الّذي كان يؤدّي هذا العمل في عهد وفترة حكومته واقتداره وتسلّطه – أوّلاً – ويكون هذا العمل دأبه على الدوام, ولم يكتف بأدائه مرّتين أو ثلاثاً – ثانياً – وثالثاً لم يكن يقتصر على تقديم العون المادّي فحسب, بل يذهب إلى هذه العائلة، ويتحدّث مع هذا الشيخ، ويجلس مع هذا الضرير، ويلاطف هذا الصغير ويأنس بهم ويدخل البهجة إلى قلوبهم ويقدّم لهم العون هو الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

هكذا كان أمير المؤمنين عليه السلام في رحمته ورأفته.

كان يذهب إلى دار أرملة ويوقد لها التنّور ويخبز لها الخبز ويطعم أطفالها بيده المباركة، ولأجل أن يدخل الفرحة إلى قلوب هؤلاء الأطفال البائسين كان يلعب معهم وينحني ويحملهم على ظهره ويمشي بهم، ويداعبهم في كوخهم.

هذه الرأفة والرقّة في شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام جعلت أحد الشخصيّات الكبرى في ذلك العصر يقول: رأيتُ عليّاً عليه السلام يدعو اليتامى

 فيطعمهم العسل، حتّى قال بعض أصحابه: لوددت أنّي كنت يتيماً1.

وفي قضيّة النهروان حين عزم جماعة من المتعصّبين, وذوي الفهم الخاطئ على زعزعة حكمه, لأسباب واهية, كان ينصحهم ويحاججهم ويرسل لهم الرسل والوساطات، ويقدّم لهم العون، ولكن من غير جدوى, وفي نهاية المطاف حتّى حينما اصطفّ الجيشان للقتال قدّم لهم النصيحة وأرشدهم, لكنّه عندما لمس عدم جدوائية ذلك قرّر انتهاج الحزم، فأعطى الراية لأحد أنصاره وقال: كلّ من انضوى تحت هذه الراية إلى الغد فهو آمن، أمّا البقيّة فلهم السيف.

كان عددهم اثني عشر ألفاً فانضم ثمانية آلاف منهم تحت الراية, ومع ما كان يحمل هؤلاء من عَداء، ورغم موقفهم وعزمهم على القتال ولَهجهم بِسَبّ أمير المؤمنين عليه السلام إلّا أنّه تغاضى عن كلّ ذلك؛ فهم ما داموا قد اعتزلوا القتال فليذهبوا حيث شاءوا.

وبقي منهم أربعة آلاف أصرّوا على مقاتلته, فلمّا رأى إصرارهم على قتاله عزم على قتالهم، وأخبرهم أنّه لن ينجو منهم عشرة, فحاربهم في واقعة النهروان المعروفة، وقُتل منهم عدد كبير.

هذا هو نفس عليّ عليه السلام حينما يرى في مقابله فئة خبيثة تسلك منهجاً غادراً.

أُلاحظ مع الأسف عدم إعطاء صورة صحيحة عن الخوارج في

 1- بحار الأنوار، العلامة المجلسيّ، ج 41، ص 29.

 المحاضرات وفي الأفلام وفي الأدب، إذ كثيراً ما يصفونهم بالتنسك المتحجّر، وهذا خطأ طبعاً, أيُّ تنسّك هذا؟ في عهد أمير المؤمنين عليه السلام كانت بعض الفئات تعمل لمصالحها الخاصّة, وإذا شئتم معرفة الخوارج أضرب لكم مثلاً من عصرنا الراهن.

أنتم تتذكّرون فئة المنافقين؛ هؤلاء كانوا يقرأون آية من القرآن وخطبة من نهج البلاغة ثم يدّعون التديّن ويعتبرون أنفسهم أكثر إسلاماً وثوريّة من غيرهم، وهم يزرعون القنابل فيقتلون الصغار والكبار ساعة الإفطار في شهر رمضان، أو يقضون على عائلة بأسرها، أو يقتلون جماعة من الأبرياء في إحدى ساحات المدينة, لا لسبب إلّا لكونهم من أنصار الإمام والثورة.

ومن جملة جرائمهم الأخرى قتلهم شهيد المحراب, وهو رجل ورع ومجاهد في سبيل الله وقد تجاوز الثمانين من عمره، إضافة إلى قتلهم أربعة أو خمسة أشخاص آخرين من شهداء المحراب, الذين كانوا من الشخصيّات العلمائيّة البارزة والفاضلة المؤمنة.

هكذا كان الخوارج وهذه فعالهم؛ قتلوا عبد الله بن الخبّاب وبقروا بطن زوجته وهي حامل وقتلوا جنينها؛ لأنّهما كانا من أشياع عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

اعرفوا الخوارج جيّداً؛ كانوا يتمسّكون بظاهر الدين وببعض الآيات القرآنيّة ويحفظون القرآن وكلّ ما يبرز ظاهرهم الدينيّ، إذ كانوا في

الظاهر يعتقدون ببعض جوانب الدين, إلّا أنّهم كانوا يعارضون جوهره وأساسه، ويتعصّبون كثيراً لهذا الموقف.

يذكرون الله ولكنّهم أداة مُنقادة بيد الشيطان، وعندما يستدعي الموقف يتعاونون مع أمريكا والصهاينة وصدّام أو أيّة جهة أخرى لمحاربة الثورة والإمام والحكومة الإسلامية. هكذا كان الخوارج أيضاً, وحينها تصدّى لهم أمير المؤمنين عليه السلام بكلّ حزم, هذا هو نفس عليّ ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾2 .

لاحظوا كيف تجسّدت هذه الخاصّيّة في أمير المؤمنين عليه السلام بهذا الشكل الجميل، فقلبه بما أوتي من تلك الرأفة وتلك الرقّة لا يطيق رؤية يتيم في حالة حزينة، بينما نراه يقف تارة أخرى بصرامة إزاء فئة منحرفة تنتهج أسلوباً مقيتاً وملتوياً وتقتل الأبرياء فيقضي عليهم وهم أربعة آلاف في بضع ساعات ” ولا يفلت منهم عشرة”  في حين استشهد من أصحابه أقلّ من عشرة، ربما خمسة أو ستّة. هذا هو اتّزان الشخصيّة.

مثال ورعه وحكومته

الورع يعني: اجتناب كلّ ما يحتمل فيه الكراهيّة. ولكن كيف ينسجم هذا مع الحكومة؟ هل يتسنّى للإنسان أن يكون ورعاً إلى هذا الحدّ وهو في الحكم؟.

فنحن الآن في الحكم نشعر بأهميّة وجود مثل هذه الخصلة؛ لأنّ

2- سورة الفتح، الآية: 29.

 الإنسان وهو في الحكم يتعامل مع قضايا عامّة وينفّذ قوانين، ولكن قد يكون في هذا القانون ظلم لإنسان في مكان ما, والشخص المكلّف بتنفيذ القانون بشر أيضاً وقد يُسيء تطبيق القانون.

فكيف يتأتّى للمرء التزام الورع في كلّ هذه التفاصيل الجزئيّة الّتي تستعصي على الإحاطة؟ لهذا يبدو في الظاهر أنّ الحكومة والورع لا يجتمعان, إلّا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام جمع غاية الورع مع أقوى حكومة, وهذا ممّا يثير العَجَب.

لم يكن يجامل أحداً؛ فإذا استشعر من والٍ ضعفاً وأحسّ أنّه لا يناسب هذا العمل، عزله. كان محمّد بن أبي بكر بمثابة ابنه وكان يحبّه محبّة أبنائه، وهو أيضاً كان ينظر إليه نظرة الولد للوالد.

كان محمّد أصغر أبناء أبي بكر، وتلميذاً مخلصاً للإمام عليه السلام وقد تربّى في حجره, كان قد أرسله والياً على مصر, ثمّ كتب له فيما بعد كتاباً بعزله لعدم كفاءته في إدارة مصر, وعيّن بدله مالك الأشتر.

ومن الطبيعيّ أن يستاء محمّد بن أبي بكر من ذلك، فالإنسان مهما كبر شأنه يستاء لمثل هذا, لكن أمير المؤمنين عليه السلام لم يعتنِ لذلك.

محمّد بن أبي بكر مع ما له من شخصيّة جليلة، ومع ما لموقفه يوم الجمل وعند البيعة من أهميّة؛ فهو ابن أبي بكر وأخو أمّ المؤمنين عائشة، وعلى الرغم من مكانته عند أمير المؤمنين عليه السلام, إلّا أنّه لم ينظر إلى استيائه وامتعاضه. هذا هو الورع الّذي ينفع الإنسان وهو في الحكم, وقد

 تجسّد منتهى هذا الورع في شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام.

لقد اجتمع ورع أمير المؤمنين عليه السلام مع حكمه القويّ، وهذا ما لم نسمع به في العالم على مدى التاريخ.

الخلفاء الّذين سبقوا علياً عليه السلام كان لهم حزم في الكثير من المواقف, ويقرأ الإنسان في سيرتهم أعمالاً استثنائيّة, إلّا أنّ الفارق بين أمير المؤمنين عليه السلام ومن سبقه ومن تلاه حتّى يومنا هذا فارق عجيب لا يمكن وصفه ومقارنته.

اجتماع القوّة والمظلوميّة في الإمام عليّ عليه السلام

المثال الآخر هو قوّته ومظلوميّته. هل كان ثمّة رجل في عصره أقوى منه، أو له مثل تلك القوّة الحيدريّة؟ لم يتحدّ علياً عليه السلام أحد, ولم يجرؤ أحد على ادّعاء ذلك حتّى آخر حياته. نفس هذا الإنسان كان أكبر أهل زمانه مظلوميّة والأكثر ظلامة منهم، بل ويقال وهو قول صحيح لعلّه أكثر إنسان ظُلم في تاريخ الإسلام.

إنّ القوّة والمظلوميّة شيئان لا يجتمعان؛ فالمتعارف أنّ الأقوياء لا يُظلمون، غير أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ظُلم.

زهد الإمام عليّ عليه السلام

المثال الآخر هو الزهد والإعمار، فأمير المؤمنين عليه السلام كان مثالاً في زهده وإعراضه عن الدنيا. ولعل أبرز أو أحد أبرز مواضيع نهج البلاغة

 هو الزهد, وهو في نفس الحال طوال فترة الخمس والعشرين سنة بين وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وتسلّمه الخلافة كان ينفق من ماله الخاصّ في أعمال العمران، فكان يزرع البساتين والمزارع، ويحفر الآبار، ويشقّ الأنهار، والمدهش أنّه كان يتصدّق بكلّ ذلك في سبيل الله.

لا بأس أن نعلم بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان أكثر الناس عائدات في عصره، وقد نقل عنه أنّه قال:” إنّ صدقتي لو وزع على بني هاشم لوسعهم” , لكن هذا الإنسان الثريّ كان يعيش حياة فقيرة على أشدّ ما يكون من الفقر؛ لأنّه كان ينفق كلّ تلك الثروة في سبيل الله.

يروي أحدهم أنّه رأى علياً عليه السلام يحفر بئراً بيده، ثم يقول: رأيت الماء قد تدفّق منها كأوداج الجمل، خرج أمير المؤمنين عليه السلام من البئر وهو ملطخ بالطين, وجلس عند حافّة البئر ودعا بورق وكتب فيه أنّ هذه البئر أوقفها عليّ بن أبي طالب عليه السلام على أشخاص ذكرهم.

إنّ ما يلاحظ في عهد حكومة أمير المؤمنين عليه السلام إنّما هو امتداد لحياته ومسيرته الخاصّة, فمن الطبيعيّ أن الزهد بالدنيا لا يتنافى مع بنائها الّذي جعله الله واجباً على الجميع، فأمر بإعمار الدنيا، وتكوين الثروات، ولكن بشرط أن لا يكون الإنسان عبداً لها أو يجعل نفسه طوع أمرها، من أجل أن يكون قادراً على الإنفاق في سبيل الله بكلّ سهولة.

هذا هو التوازن الإسلاميّ. والأمثلة من هذا الطراز كثيرة، ولو أردت ذكر أمثلة لها لاستغرقت وقتاً طويلاً.

استغفار الإمام عليّ عليه السلام

من الخصائص الأخرى لدى أمير المؤمنين عليه السلام هو الاستغفار؛ إذ كان للدعاء والتوبة والإنابة والاستغفار حيّز واسع في حياة أمير المؤمنين عليه السلام, فهو كان يقاتل ويُعبّئ الجيوش، ويُدير شؤون دولة كانت تعتبر من أكبر الدول يومذاك, وقد حكمها مدّة تناهز الخمس سنوات فالدولة الّتي حكمها كانت تضم حوالي عشرة بلدان وهذا السلطان الواسع بكلّ ما يستلزمه من جهود ومساعٍ كان أمير المؤمنين عليه السلام يديره بكلّ جدارة، إضافة إلى ميادين الحرب وإدارة الشؤون الاجتماعيّة للمسلمين، والقضاء بين الناس والمحافظة على حقوق أبناء المجتمع، كانت أعمالاً كبرى ومهمّة وتتطلّب عملاً ومثابرة, وتستحوذ على وقت الإنسان برمّته, وفي مثل هذه المواقف يقول الإنسان المحدود ببعد واحد: إنّ دعائي وعبادتي هو هذا، فأنا أعمل في سبيل الله، لكن أمير المؤمنين عليه السلام لم يقل هذا، بل كان يؤدّي تلك الأعمال، ويَعْبُد أيضاً.

جاء في بعض الأخبار وإن لم أكُن قد دقّقت في مدى صحتها أنّه عليه السلام كان يصلّي أحياناً في اليوم والليلة ألف ركعة, وهذه الأدعية الّتي تسمعونها هي أدعية أمير المؤمنين عليه السلام, فهو قد بدأ الدعاء والتضرّع والإنابة منذ أيّام شبابه, كان حينها في شغل متواصل.

وفي أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان شاباً ثوريّاً وله حضور في جميع الميادين, أي إنّه كان في حالة عمل دؤوب, ليس لديه وقت فراغ, حتّى في مثل تلك

 الظروف حين تَساءل جماعة من القوم عن أكثر الناس عبادة قال أبو الدرداء: عليّ أكثر الناس عبادة.

قالوا: كيف؟ فذكر لهم مثلاً على ذلك وأقنعهم: كان حينها شاباً يبلغ من العمر نيفاً وعشرين سنة, وهكذا كان دأبه في الفترة الّتي تلتها، وفي أيّام خلافته.

هناك قصص متنّوعة عن عبادة أمير المؤمنين عليه السلام مثل قصّة نوف البكاليّ. وهذه الصحيفة العلويّة الّتي جمعها عظماء العلماء تعكس الأدعية المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام, وأحدها هو دعاء كميل الّذي تقرأونه ليالي الجمعة3.

ودعاء كميل دعاء4 عظيم, يبدأ بالاستغفار, ويقسم على الله بعشرة أشياء منها: “اللّهمّ إني أسألك برحمتك الّتي وسعت كلّ شيء” ، ويسأله غفران خمسة ذنوب: “اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تهتك العصم، اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تنزل النقم، اللّهمّ اغفر لي الذنوب الّتي تحبس

3- دُعاء كُميل من الأدعية المشهورة والمعروفة جدّاً لدى أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يحرصون على قراءته في كلّ ليلة جمعة، وفي ليلة النصف من شهر شعبان، تبعاً للروايات الواردة في فضله وأثره البالغ في تربية النفس، ولما يحتويه من المعاني الرفيعة، وهو كنزٌ من الكنوز الثمينة جدّاً، لأنّه يزخر بالدروس العقائديّة والتربويّة، ويقويّ في الإنسان المؤمن روح العبوديّة والتوجه إلى الله عَزَّ وجَلَّ. إنّه من أفضل الأدعية وهو دُعاء الخضر  عليه السلام  وقد علّمه أمير المؤمنين عليه السلام  كميلاً، وهو من خواصّ أصحابه. وقد رواه الشّيخ الطوسي في كتاب مصباح المتهجّد.

4- هو كُمَيْل بن زياد بن سُهيل بن هيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع، وُلِد باليمن سنة سبع قبل الهجرة، أسلم صغيراً و أدرك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل إنَّه لـم يره، ارتحل مع قبيلته إلى الكوفة في بدء انتشار الإسلام، كان من سادات قومه، وكانت له مكانة ومنـزلة عظيمة عندهم، وكان  رحمه الله  من ثقات أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب  عليه السلام  وخواصِّه وعاملهُ على (هيت)، رَوَى عَنْ أمير المؤمنين عليه السلام  أحاديث كثيرة أشهرها دعاء كميل الّذي اشتُهر به، قتله الحجاج بن يوسف الثقفي لحُبه ووِلائه لأمير المؤمنين  عليه السلام ، راجع: الإرشاد، الشيخ المُفيد، ج 1، ص 327.

 الدعاء و…الخ”. أي أنّه يستغفر من أوّل الدعاء حتّى آخره، وهذه هي السمة الأساس في دعاء كميل5.

التأسّي بالإمام عليّ عليه السلام

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام أسوة كاملة للجميع، فشبابه المتوثّب والمتفجّر بالحماس هو نموذج للشباب، وحكومته المتميّزة بالعدل والقسط نموذج للحكّام، وحياته المشبعة بالجهاد والمسؤوليّة نموذج لجميع المؤمنين، وحرّيّته نموذج لكافّة أحرار العالم، وأقواله الحكيمة ودروسه الخالدة نموذج للعلماء والمفكّرين والمثقفين.

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يألُ جهداً على امتداد عهد حكومته في إحقاق حقوق الضعفاء والمساكين والحفاة، فعلينا الاقتداء به؛ ولكنّه كان متسامحاً في حقوقه، فعلينا التأسّي به أيضاً طوال حياتنا، حيث كان مظهراً للعبادة لله والإخلاص والجهاد والسعي والحيويّة والنشاط، وكان يستقبل الأتراح والأحزان والآلام بصدر رحب؛ فأدّى واجبه بعناية، وهذه هي الأسوة الحسنة.

إنّنا نستطيع الاقتراب من آمالنا الكبرى وتحقيق مطامح بلادنا وشعبنا ونظام جمهوريّتنا الإسلاميّة، أي العدالة الاجتماعيّة، في ظلّ الاقتراب من أمير المؤمنين عليه السلام6.

5- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 21/ رمضان/ 1417ﻫ.ق.

6- كلمة الإمام الخامنئي دام ظله ، في تاريخ: 13/ ذي الحجة/ 1420ﻫ ـ ق.

الإمام عليّ عليه السلام مثل أعلى وقدوة

منذ قرون والعارفون من المسلمين وغير المسلمين بهذه الشخصيّة المقدّسة يتكلّمون ويكتبون حول أمير المؤمنين عليه السلام ، إلّا أنّ ما قيل ليس كافياً في بيان جميع أبعاد شخصيّة هذه الأعجوبة والنموذج للقدرة الإلهيّة الكاملة والكلمة التامّة لله.

وبديهيّ أنّنا سبب المشكلة غالباً، فنحن الّذين لا يمكننا تصوّر هذه الشخصيّة المعنويّة والروحيّة لضعف أذهاننا واستئناسنا بالمقاييس المادّية والأناس العاديّين. نعم بالإمكان رسم ملامح تلك الشخصيّة المعنويّة العظيمة في الذهن ببركة أقوال من هم بمستوى أمير المؤمنين عليه السلام أو أعلى منه، وهو خاتم الأنبياء محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد وردت رواية من طرق غير الشيعة أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال لجمع من أصحابه:”من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه [و إلى نوح في تقواه] وإلى إبراهيم في حلمه وإلى موسى في هيبته وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى عليّ بن أبـي طـالب”7.

أي إنّ علم آدم الّذي ورد عـنه فـي القرآن قـولـه تعـالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾8، وحلم إبراهيم الّذي قال تعالى عنه في القرآن:﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾9، وهيبة موسى الّتي كانت سطوة فرعون وعظمته

7-  الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي، ج1، ص 212.

8- سورة البقرة، الآية: 31.

9- سورة هود، الآية: 75.

 ضعيفة أمامها، وعبادة عيسى الّذي كان مظهراً للزهد والإخلاص والتعبّد لله، وفي بعض الروايات المنقولة من غير الشيعة أيضاً، أضيفت عبارة أخرى وهي: زهد يحيى بن زكريا، كلّها جمعت في هذا الإنسان العظيم الّذي نعتبر أنفسنا من شيعته.

وهذا الكلام يمكنه أن يوضح لنا إلى حدٍّ ما صورة عن شخصيّة ذلك الرجل العظيم.

إنّ ما يهمّنا أيّها الإخوة والأخوات بعد المعرفة الإجماليّة أو مدى الدرجة الممكنة في معرفة هذا الإنسان العظيم وسائر أولياء الله هو أن نلتفت إلى أنّ الإمام هو ذلك المثل الأعلى الّذي يجعله الله على الأرض ويبيّنه للبشر ليعرف الناس ما هي القدوة والأسوة، وما هو الهدف الّذي يتحرّك نحوه.

فبمعرفة الإمام يهتدي الإنسان الطريق، وهذا هو المهم، ولذا فالإمام في مفهومه الإسلاميّ الصحيح هو: من يرشد الناس بسلوكه وشخصيّته وأفعاله إلى الطريق المستقيم بمقدار ما يرشدهم بلسانه وأوامره أو أكثر، وهذه مسألة مهمّة.

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام إمامنا وإمام جميع المسلمين، أي إنّ الجميع يعتقدون به كإمام، ولكن ما معنى (الإمام)؟ يعني أن نلحظ أبعاد هذه الشخصيّة كالنموذج الرفيع الّذي نضعه أمامنا، ثمّ نحاول بناء شيء شبيه به. يجب أن نروّض أنفسنا لتكون شخصيّتنا من حيث السلوك الفرديّ، والعلاقة مع الله، والتعامل مع الأخ المسلم في المجتمع، والتصرّف فيما

 لدينا من أموال وإمكانات ووسائل من بيت المال، ومن حيث التعامل مع الناس باعتبارهم مجموعة بشريّة نحن رعاتها وحكّامها في جزء من حياتها، وفي الإخلاص في العمل لأجل المحرومين مادّياً أو ذهنيّاً أو علميّاً أو عقائديّاً، ومن حيث تعاملنا مع دين الله، وكيف يجب أن ندافع عنه، وكيف يجب أن نكون دقيقين تجاهه، ومن حيث معاملة أعداء الله كشخصيّة عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

ليكن أمير المؤمنين عليه السلام أسوتنا في جميع هذه، ولنسعَ لنكون مثل ذلك الإمام؛ إذ كيف يمكن لأحدٍ أن يدّعي أنّه من شيعة عليّ بن أبي طالب ويكون أمير المؤمنين عليه السلام إمامه بينما تكون علاقته القلبيّة مع الله أقلّ أمرٍ يهتمّ به؟.

إنّ الإمام عليّاً عليه السلام صرف كلّ عمره في العبادة والعمل لله، منذ أوّل لحظة أشرق نور الهداية الإلهيّة في وجود ذلك الإمام عن طريق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وحتّى تلك اللحظة الّتي نال فيها لقاء الله لم يغفل الإمام عليه السلام لحظة عن عبادة الله، وعن ذكر الله، وعن الارتباط بالله.

فقد كان في ارتباط دائم مع الله، في الفرح وفي الحزن، في الحرب وفي السلم، ليلاً ونهاراً، في المسجد وفي الحرب، في الحكم وفي القضاء.

كان ذلك الإنسان يحمل همّ ضعفاء المجتمع في جميع لحظات وآنات الحكم والسلطة، ويفكّر بهم، وكذلك يوصي من يرسلهم إلى أماكن مختلفة كولاة وحكّام وسفراء وغيرهم بذلك.

فقد عهد إلى مالك الأشتر بأن يبحث عن أولئك الّذين لا تقع عيون أمثاله عليهم، فبإمكان الأثرياء والأذكياء وأهل المناصب والألسن الوصول إلى أمثال مالك الأشتر، ولكن هناك من لا يقدر على ذلك، حيث لا يملك الجرأة ولا المال ولا من يعرّفه عنده، يطلب عليه السلام منه أن يبحث عنهم ويتفقّدهم.

فأمير المؤمنين عليه السلام يأمر ولاته، وكان يباشر هذا العمل بنفسه، فيذهب إلى بيوت الفقراء ويطعم اليتامى بيده، حتّى أنّ شخصاً قال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد أطعم اليتامى بيده إلى درجة أنّنا كنّا نتمنّى أن نكون يتامى.

فكيف يدّعي شخص أنّ أمير المؤمنين عليه السلام إمامه في حين أنّه لا يتفقّد في فترة حكمه وسلطته ورئاسته ولو كانت رئاسة محدودة في منطقة من مناطق البلد المحرومين والفقراء والمستضعفين؟

وكيف يدّعي أنّ هذا الإمام هو إمامه، وهو غير قادر على تحمّل صفعة واحدة في سبيل الله، بينما كان ذلك الرجل يحارب أعداء الله ليل نهار لتبليغ الدين والعمل به، وشارك في جميع الحروب الّتي قادها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّا في حالات نادرة، كمعركة تبوك حيث أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام أن يبقى في المدينة ويحافظ عليها، لأنّ المدينة كانت معرّضة للخطر، فأبقاه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها.

لكن في بقيّة الحروب أو أكثرها كـان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. كان حاضراً إلى جانب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الوقت الّذي هرب الجميع وفي أخطر وأحلك المواقف.

 كيف يمكن لأحدٍ أن يدّعي أنّه من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام لكنّه لا يجرؤ على الاعتراض على أعداء الله خوفاً من سطوتهم وتجبّرهم؟

إنّ الذين حاربهم أمير المؤمنين عليه السلام في أيام خلافته وقبل ذلك كانوا أعداءً للدين وكانت لديهم سلطة سياسيّة وعسكريّة، وكان لدى بعضهم قاعدة شعبيّة ونفوذ ويدّعون الإيمان والقداسة.

كان بعضهم مثل الخوارج شبيهين ببعض المتطرّفين المتظاهرين بالثوريّة، والذين لم يعترفوا بأحدٍ غيرهم، كالذين لم يعترفوا في بداية الثورة بالإمام كشخصٍ ثوريّ.

فأمير المؤمنين عليه السلام قد واجه أولئك وشتّتهم وقال إنّه لو لم يحاربهم لما تجرّأ أحد على محاربتهم.

هناك من يدّعون أنّ الإمام عليه السلام هو إمامهم ولكنّهم غير مستعدّين لأن يقولوا كلمة واحدة تزعج الاستكبار وأمريكا، وتزعج الّذين يظلمون اليوم مئات أضعاف ظلم المقتدرين الفسدة في صدر الإسلام، ويرتكبون من الظلم في يوم واحد ما يعادل الظلم الّذي ارتكبه أولئك في عدّة أعوام.

يقول هؤلاء إنّهم شيعة عليّ، وإنّه عليه السلام إمامهم!! فماذا يعني الإمام؟ هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام وهذه هي شموليّته، وطبعاً لا يمكن توضيح شموليّته بهذه الكلمات.

إنّنا مثل ذلك الرسّام الطفيليّ الّذي يريد أن يرسم وجهاً جميلاً لكنّه يرسم هيكلاً جامداً. إنّه عليه السلام أرفع كثيراً من هذا الكلام، إلّا أنّ هذه

 الصورة الناقصة الّتي نرسمها أيّها الإخوة والأخوات جميلة ورفيعة وشاخصة إلى درجة أنّها تُحيّر الناس.

يجب علينا التحرّك في هذا الاتّجاه. وطبعاً لا يتوقّع أحد أن يصل حتّى إلى بعد فرسخ من مستوى أمير المؤمنين عليه السلام ، وهذه حقيقة.

وقد قلت قبل عدّة أعوام في صلاة الجمعة: إنّنا لا نقدر أن نكون مثل أمير المؤمنين عليه السلام ، فكتب أحدهم إليَّ قائلاً: نعم لقد أَرحتم أنفسكم بهذا الكلام لأنّكم ليس بإمكانكم أن تكونوا كأمير المؤمنين عليه السلام. كلّا ليس الموضوع هذا، فقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في حديث له: “أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ”10. فهو في القمّة، تصوّروا قمّة عالية، علينا أن نصعد إليها، ولا نقول إنّنا لا نصل إليها، بل يجب التحرّك.

إنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو أسوة للمسؤولين في المؤسّسات الحكوميّة، في أيِّ جهاز إداريّ وحكوميّ كانوا، سواء كانت مسؤوليّتهم صغيرة أم كبيرة.

لقد أراد منّا أن نؤدّي العمل بإخلاص، نؤدّيه للناس دون منّة، ونحترم مراجعينا ولا نحقّرهم، ونحن نتمتّع بسلامة اليد والبصر واللسان، بل ونملك قلباً سليماً.

لقد عمل أمير المؤمنين عليه السلام لإحياء الناس. ولا بأس أن أشير هنا إلى مسألة التعليم، حيث يحضر في هذا المجلس جمع من الأخوات العاملات في نهضة محو الأميّة.

10- نهج البلاغة، كتاب: 45، من كتاب له  عليه السلام  إلى عثمان بن حنيف الأنصاري.

إنّ تعلّم القراءة والكتابة هي حسنة في نهج ذلك الإمام، وكذلك خدمة الناس والعمل وتحمّل العناء من أجلهم وحفظ الأمانة وقول الحقّ11.

الإمام عليّ عليه السلام الحبّ الخالد

لعلّنا لا نستطيع أن نجد من بين الوجوه المعروفة في العالم وعلى الأخصّ بين الشخصيّات الإسلاميّة شخصيّة محبوبة لدى الشعوب وأتباع الأديان المختلفة, وعلى مرّ العصور كشخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام ولا حتّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه؛ فحينما تنظرون تجدون حتّى وفي ذلك الزمان الّذي أوجد سيف عدالته الصارم في القلوب المتمرّدة والأرواح الأنانيّة البغض له، وأدّى إلى تأليب جبهة واسعة من الخصوم ضدّه، تجدون خصومه حينما كانوا يراجعون أعماق نفوسهم يشعرون إزاء شخصيّته بعقيدة مقرونة بالإجلال والتكريم والمحبّة؛ واستمرّت هذه الحالة حتّى في العصور اللاحقة.

كان عليّ عليه السلام أكثر الناس أعداءً، إلّا أنّه كان في الوقت نفسه أكثر من حاز على الثناء حتّى ممّن لا يؤمنون بدينه ومنهجه.

كان آل الزبير في القرن الأوّل الهجريّ معروفين على الغالب بإظهار البغض والعداء لبني هاشم, ولآل عليّ عليه السلام على وجه الخصوص.

وكان مصدر هذا العداء-في الغالب-هو عبد الله بن الزبير.

11- كلمة الإمام الخامنئي  دام ظله ، في تاريخ: ?13/ رجب/ 1414ﻫ ـ ق.

سأل أحد أحفاد الزبير أباه: ما لعليّ وآله يلهج الناس بأسمائهم ويعلو ذكرهم كلّ يوم؛ فيما لا يلقى أعداؤهم غير الأفول والزوال السريع مع كلّ ما يحيطون به أنفسهم من دعايات؟ فقال له ما يقارب هذا المضمون: إنّهم دَعوا إلى الله وإلى الحقّ، فلم يستطع أحد إخفاء فضلهم، لكنّ أعداءهم دعوا إلى الباطل.

الإمام عليّ عليه السلام في سطور التاريخ

وهكذا كان الحال على مرّ الزمن، أي إنّ المفكّرين الكبار من مسلمين وغير مسلمين يعلنون إجلالهم لأمير المؤمنين عليه السلام. إذا نظرتم إلى الأبطال العظام الّذين ضحّوا وقدّموا الغالي والنفيس لأجل شعوبهم، تلاحظون أنّ اسم أمير المؤمنين عليه السلام مبجّل ومكرّم عندهم. وإذا نظرتم إلى الشعراء والأدباء والفنّانين ومن يضمرون المحبّة لبني الإنسان تجدونهم أيضاً يكرّمون اسم أمير المؤمنين عليه السلام.

وخلاصة القول: إنّ كلّ من يدرس تاريخ الإسلام شابّاً كان أو شيخاً، عالماً كان أو من العامّة وتناهى إلى سمعه اسم وأخبار أمير المؤمنين عليه السلام ، فسوف يشعر بالمحبّة والتعطّش والولاء له.

في وقتنا الحاضر أُلّفت عدّة كتب من قبل كتّاب وأدباء مصريّين عن أمير المؤمنين عليه السلام ، وكتب المسيحيّون مجلّدين أو أكثر من هذه الكتب، وهم وإن كانوا لا يعتقدون بالإسلام، إلّا أنّهم يعتقدون بأمير المؤمنين عليه السلام.

وهذه من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام من بين الشخصيّات الإسلاميّة؛ ولعلّ سبب ذلك يعزى إلى أنّ هذا الرجل العظيم أنفق كلّ وجوده على أفضل وجه في سبيل الأهداف السامية في مختلف أدوار حياته، وفي جميع الأوضاع والظروف، وفي كلّ موضع عاش فيه.

ضعوا نصب أعينكم أمير المؤمنين عليه السلام وهو شابّ يبلغ من العمر ستّ عشرة إلى تسع عشرة سنة عندما كان في مكّة، أو في مطلع قدومه إلى المدينة؛ إذ كان حينها شاباً يبلغ عشرين ونيفاً من السنين، وانظروا إلى المراحل المختلفة لحياة هذه الشخصيّة الكبرى، تروا أنّ هذا الشاب يمثّل حقاً أفضل قدوة لأفضل الشبّان في كلّ زمان؛ فلم تجذبه شهوات الشباب والملذّات الدنيويّة والمحاسن الّتي لها قيمة في نظر الشباب، ولم تكن تستهويه إلّا تلك الأهداف الكبرى والسامية الّتي بُعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أجلها، فكلّ وجوده كان في خدمة هذه الأهداف، أمّا الأمور الأخرى فكانت مسألة ثانويّة بالنسبة إليه.

وإنّه لأمر عظيم جدّاً أن لا يلتفت شابّ حتّى لحظة واحدة إلى الدنيا ولذّاتها ومحاسنها، وأن يُنفق عنفوان شبابه وطاقاته ونشاطه واندفاعه أي كلّ ما يتحلّى به الشابّ من طراوة وجمال وإيناع في سبيل الله, وهذا غاية الإخلاص، وليس هناك حقّاً ما هو أسمى من هذا.

لاحظوا هذا الرجل وقد بلغ سنّ الكمال والنضوج، وكان يعدّ واحداً من شخصيّات مجتمعه، وهو محترم من قبل الجميع، ولعلّ آلاف الأشخاص

 قد سمعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحمده ويثني عليه. ولا أتصوّر أنّ أحداً من المحدّثين المسلمين نقل بحقّ شخص آخر ما يضاهي كمّاً وكيفاً الثناء الّذي نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن أمير المؤمنين عليه السلام.

ومن الطبيعيّ أنّ فضائل أُخَرَ قد نُقلت بشأن صحابة آخرين، لكن لا أعتقد أنّ أياً من المحدّثين المسلمين من أيّ الفرق الإسلاميّة كان قد نقل بشأن أحد غير أمير المؤمنين عليه السلام أحاديث بهذه الكميّة وبهذه الكيفيّة وبهذا المضمون.

ومن البديهيّ أنّ واحدة من هذه الفضائل تكفي لإيقاع الإنسان في العجب والغرور وفَقْد الاتّزان والخطأ في اختيار التكليف. كلّ هؤلاء سمعوا مئات الأحاديث من لسان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الثناء على عليّ عليه السلام ، ثم جاءت مرحلة الاختبار وعُرضت قضيّة الخلافة من غير أن نتناول قضيّة الحقّ والباطل والوصيّة وما إلى ذلك ومن البديهيّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يدّعي الخلافة؛ وهذا ممّا لا يشكّ فيه أحد، ولكنّه حينما رأى أنّ مصلحة العالم الإسلاميّ تقتضي خروجه من الساحة، خرج منها.

أي إنّ أمير المؤمنين عليه السلام طوى كلّ ذلك الثناء والتمجيد والمؤهّلات وكلّ ما كان يراه لنفسه، وما سمعه وما يعرفه آلاف الأشخاص، في ملف النسيان المؤقّت ووضعه جانباً.

وبطبيعة الحال إنّ ذلك لم يكن يُنسى، ولا يُنسى، وهو باقٍ إلى أبد الدهر، إلّا أنّه عليه السلام أعرض عنه، أي إنّه ومع كلّ ما ورد في حقّه ومع

 كلّ ما في شخصه من المميّزات لأمر الخلافة ورئاسة العالم الإسلاميّ والمسؤوليّة الكبرى، تنحّى عند شعوره بالخطر جانباً وقال ما مضمونه: “وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّه، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى وَفِي الْحَلْقِ شَجًا…”12.

وليس هناك كبح لجماح النفس أسمى وأفضل وأبلغ وأعجب من هذا بالنسبة للإنسان السياسيّ المخلص، وللإنسان العظيم الّذي لا يبغي الاستجابة لأهوائه النفسيّة.

وتصوّروا هذا الإنسان نفسه في موقع رئاسة العالم الإسلاميّ، حينما أصبح زعيماً للمسلمين، فانهال الناس عليه وانتخبوه، شاء أم أبى.

فكان الكلّ الصديق والعدوّ والمنافس وغيرهم بين مبايع وبين مَن أعلن عدم معارضته، وهؤلاء الذين امتنعوا عن البيعة كان عددهم ضئيلاً جدّاً، أربعة إلى ستّة أشخاص، لكنّهم قالوا إنّنا لا نعارض، وتنحّوا جانباً، وبايع البقيّة جميعاً، وأصبح زعيماً لكلّ العالم الإسلاميّ.

أتعلمون ماذا كان يعني العالم الإسلاميّ يومذاك؟ إنّه من حدود الهند إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسّط؛ هذا هو العالم الإسلاميّ آنذاك, حيث كان يضمّ العراق ومصر والشام وفلسطين وإيران وغيرها، أي لعلّه

12- نهج البلاغة، ج1، ص 31، خ3.

 كان رئيساً لنصف العالم المعمور آنذاك، وبسلطة تامّة.

وكانت معيشة أمير المؤمنين عليه السلام وزهده الّذي سمعتم به، يتعلّق بهذه الفترة, فالحياة الجميلة ولذّاتها ورغدها وجمالها وغيرها من الأمور الّتي يكفي واحد منها لاستمالة شخصيّات كبرى واضطرابها في بوتقة ذلك الاختبار وانزلاقها وخروجها عن الصراط لم تستطع بأجمعها أن توقع أمير المؤمنين عليه السلام في مهاوي الشكّ والاضطراب حتّى لحظة واحدة؛ ناهيك عن أن تميله عن الصراط.

لقد أثبت هذا الإنسان الكبير أنّه أقوى عزماً وشكيمة من كلّ عوامل الإغواء. وهذه هي معاني العظمة، وهذه هي العناصر الّتي خضعت لها الأجيال والتاريخ وبنو الإنسان والمجتمعات, ولو رام أحد الإنصاف لما أمكنه العصيان والتمرّد على مثل هذه الشخصيّة؛ بل إنّ القلوب تخضع له طواعية.

إنّ مَن كانت لديه رشحة مِن سجايا أمير المؤمنين عليه السلام ، بإمكانه أن يتفوّق على الكثير من أنماط الزيغ والنوازع الداخليّة والخارجيّة؛ فهذا الإمام الكبير الّذي رأيتموه، كان من أعظم الشخصيّات في عالمنا المعاصر بحيث تشعر أمامه بالضِعة, وحتّى وُلاته، فبما أنّهم كانوا يحملون معهم اسم الإمام، فإنّهم أينما حلّوا كانوا يرغمون الطغاة والأكابر وأصحاب القوّة في العالم على الخضوع والتواضع.

إقرأ المزيد ,,

 

مشهد مصور عن حقائق من الميدان في غزة _ طوفان الاقصى

إقرأ المزيد ,,

الإمام الخامنئي: طوفان الأقصى تمكنت من تعطيل السياسات الأميركية في المنطقة

إقرأ المزيد

 لنصرة غزة قاطق المنتجات الاسرائيلية

 فلسطيني رقص على الدبكة خلال الاشتباكات يُذكر بـ “رقصة الحرية” للهنود الحمر

 

.

رابط الدعوة تليجرام:https://t.me/+uwGXVnZtxHtlNzJk

رابط الدعوة واتساب: https://chat.whatsapp.com/GHlusXbN812DtXhvNZZ2BU

رابط الدعوة ايتا :الولاية الاخبارية
سايت اخباري متنوع يختص بأخبار المسلمين حول العالم .
https://eitaa.com/wilayah

#طوفان_الأقصى
#חרבות_הברזל
#أوهن_من_بيت_العنكبوت
#יותר_חלשה_מקורי_עכביש
#حـان_وقـت_رحيـلكـم
#הגיע_הזמן_שתעזוב#نتن _ياهو_جزار_غزة

شاهد أيضاً

الشهيد والشهادة – إيثار الشهيد

يقول القائد دام ظله: “… إن للشهداء حركتان وموقفان في منتهى الروعة والعظمة، وكل واحد ...