وبعد سرد تعريفات مختلفة للعشق، يقوم صدر المتأ لّهين بالبرهنة علی أنّ العشق ليس عشقاً للجسم أو الصورة أو للشكل أو الشمائل، بل هو عشق للنفس وحدها، ولا يمكن أن يكون مراد العشق مادّة أو أمراً مادّيّاً محسوساً. بل المراد، هو أمر معنويّ وحسب، ولهذا فإنّ العاشق حتّي وإن أدرك جسم المعشوق، أو وجهه، أو كلّ أعضائه، فإنّ عشقه لن يسكن ولن يهدأ إلاّ بعد أن تتّصل روحه بروح المعشوق، وتذوب وتتلاشي فيها.
قال: «ومنهم من قال أنّ العشق هو إفراط الشوق إلی الاتّحاد، وهذا القول وإن كان حسناً إلاّ) أنّه كلام مجمل يحتاج إلی تفصيل، لانّ هذا الاتّحاد من أيّ ضروب الاتّحاد، فإنّ الاتّحاد قد يكون بين الجسمَينِ، وذلك بالامتزاج والاختلاط، وليس ذلك يتصوّر في حقّ النفوس، ثمّ لو فرض وقوع الاتّصال بين بدنَي العاشق والمعشوق في حالة الغفلة والذهول[15] أو النوم فعُلِم يقيناً أنّ بذلك لم يحصل المقصود، لانّ العشق كما مرّ من صفات النفوس لا من صفات الاجرام السماويّة، بل الذي يتصوّر ويصحّ من معني الاتّحاد هو الذي بيّناه ـ في مباحث العقل والمعقول من اتّحاد النفس العاقلة بصورة العقل بالفعل واتّحاد النفس الحسّاسة بصورة المحسوس بالفعل.
وقد وقع في حكايات العشّاق ما يدلّ علی ذلك، كما روي أنّ مجنون العامريّ كان في بعض الاحايين مستغرقاً في العشق بحيث جاءت حبيبته ونادته: يَا مَجْنونُ ! أَنَا لَيْلَي. فما التفت إلیها، وقال:
لِي عَنْكِ غِنيً بِعِشْقِكِ ! [17]
فإنّ العشق بالحقيقة هو الصورة الحاصلة، وهي المعشوقة بالذات لا الامر الخارجيّ وهو ذو الصورة إلاّ بالعرض، كما أنّ المعلوم بالذات هو نفس الصورة العلميّة لا ما خرج عن التصوّر.
وإذا تبيّن وصحّ اتّحاد العاقل بصورة المعقول واتّحاد الجوهر الحاسّ بصورة المحسوس ـ كلّ ذلك عند الاستحضار الشديد والمشاهدة القويّة كما سبق فقد صحّ اتّحاد نفس العاشق بصورة معشوقه بحيث لم يفتقر بعد ذلك إلی حضور جسمه والاستفادة من شخصه، كما قال الشاعر: