• الدرس الخامس : القوة المعنوية – الفصل الثاني: العين والحسد
يروى أن أحدهم تكلم مع صاحبه عن أمر معين مما أثار حسد ذلك الشخص وغيظه، وفي تلك الليلة عندما ذهب للنوم رأى ذلك الحاسد يفسد عليه مكاسبه المعنوية بإيحاءات إباحية، الملفت أكثر أنه في الليلة التي تليها رأى الرسول صلى الله عليه وآله يحذره من كيد هذا الشخص وأنه يعمل الآن على إفساد معنوياته وهو لا يشعر، وحثه على اكتساب القوة للردع.
تكشف هذه القصة أن العين والحسد لا يختص بالممتلكات المادية فحسب، بل تطال النفوس والحالات المعنوية، قال النبي صلى الله عليه وآله: “إنّ العين لتُدخلَ الرجل القبر” بل ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “لو كان شيء يسبق القدر لسبقه العين” مما يدل أن قوة العين والحسد تأتي بعد قوة القدر، قال الإمام الرضا عليه السلام: “إنّ العين حقٌّ” وقال الإمام علي عليه السلام: “ما قال الناس لشيءٍ طوبى له إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء”.
لأجل ذلك نحى البعض من أهل الله منحى التخفى والتظاهر بالبلاهة لئلا يتعثر مسيرهم نحو الله، فأحد أسباب كتمان الحالات هو لأجل هذه العلة، فالكتمان هو الحل البديل للمواجهة، ولكن قد يكون الإنسان مكلفاً بإرشاد غيره ولا بد أن يقع ضحية للحساد، فينبغي هنا اكتساب القوة ليتمكن من تنفيذ الأهداف الإلهية.
أول شيء ينبغي تركه هو الخوف، فالخوف والهلع والوسوسة مدخل كبير للحسد وكيد إبليس، إن الباب الذي ينفذ منه الحاسد هو ضعفك أمامه، فيجب أن تفرض نفسك معنوياً عليه وأن يكون بينك وبينه حاجز بحيث لا يتجرأ على التنكيل بك بفعل أو قول، بمعنى أنه يجب أن يكون لك مهابة في نفسه بحيث تتمكن من التمرد عليه إذا طلب منك شيء بل يجب أن تفرض إرادتك بلا حياء أو خوف، وهنا يُسد الباب.
أحدهم أيضاً كان يريد أن يكتسب قوة بدنية فجاءه أمير المؤمنين عليه السلام وقال له “لا لزوم لهذه الأمور بل قد توقعك في الشبهات” وأعطاه تكليف معين يثير حفيظة بعض أعداءه وربما هو نفسه يتخوف من فعله هذا أمامهم، ولكن كلما أنجز الإنسان هذا الفعل بقلب مطمئن بذكر الله كانت قوة هذا الشخص ضد كيد الحاسدين والمعادين أشد.
الأمر لا يقتصر على فرض الإرادة والرغبة، تحتاج أحياناً أن ترد من يعتدي عليك وتوقفه عند حده، وليست هذه دعوة لعدم احترام الآخرين والمشي في الناس بالبغضاء والإقتتال، ستستبين لك الضوابط في الفصول القادمة بإذن الله.
• بوارق الملكوت – السير إلى الله •
العبادات توقيفية
عندما كان العلامة الشيخ أحمد آل عصفور في طور تعلم الصلاة خطر في نفسه أن الشطر الثالث من التشهد الواجب والذي ينص على (اللهم صل على محمد وآل محمد) يعد شطراً مطولاً نوعا ما ، فلذلك عمد شيخنا إلى اختصاره بقوله: ( اللهم صل على محمد وآله) فهذا يؤدي المعنى ذاته ، وبدأ شيخنا بالمواظبة على ذلك جهلاً بالموضوع حيث أنه لم يبلغ الحلم ، فصادف مرة من المرات أن صلى في مشهد أمير المؤمنين إلى جنب العلامة الشيخ محمد أمين زين الدين ، فلما أن انفتل الشيخ من صلاته التفت إليه زين الدين وقال: يا هذا إن صلاتك ليست صحيحة ، فقال الشيخ : ولم؟ فقد أديتها على أكمل وجه ، فقال الشيخ زين الدين: لقد قلت في التشهد (اللهم صل على محمد وآله) .. ويجب أن تقول ( .. وآل محمد) ولا يحق لك التصرف في شيء من واجبات الصلاة ..فتنبه شيخنا إلى ذلك وهذا ما يعبر عنه بأن العبادات توقيفية ..
ينـقل حفيده السيد فاضل الميلاني كما ان المرحوم محمد هادي الميلاني قرر خلال دروسه التي كان يلقيها في مسجد كوهرشاد، أن يحاضر في الاخلاق لعشر دقائق قبل أن يبدا درس الفقه. وقال هو: “رايت بعد مدة بان البعض يتريثون في ردهة مسجد كوهرشاد حتى تنتهي الدقائق العشر الاولى ومن ثم يحضرون درس الفقه !!؟ رايت ان الذين يحضرون هم اصحاب الاخلاق وجديرون، والذين من المقرر ان يستفيدون، يعتبرون انفسهم في غنى عن ذلك، لذلك بادرت الى تعطيل درس الاخلاق”.
أجتنـاب الرياء .
ينـقل الشيخ محمد تقـي مصباح اليزدي ويحضرني في هذا الصدد ذلك الزمان الذي كنا فيه طلبة للعلوم الدينيّة. ونسكن داخل الحوزه العلمية حيث كنا نستيقظ في أوقات السحر أحياناً فنرى أضواء بعض الحجرات مطفأة فنخال أن الطلبة الموجودين في تلك الحجرات قد حُرموا توفيق صلاة الليل والمناجاة في الأسحار. غير أننا كنا نكتشف لاحقًا أن هؤلاء الطلبة كانوا يتعمّدون عدم إضاءة حجراتهم كي لا ينتبه أحد إلى أنهم من أهل قيام السحر وصلاة الليل والتهجّد. وقد كان بعضهم أذكياءً في إخفاء أعمالهم هذه إلى درجة أنهم وبعد ساعات من المناجاة والبكاء وقراءة القرآن وتأدية نافلة الليل وصلاة الصبح كانوا يأتون إلى المسجد قبل شروق الشمس بوقت يسير فيؤدون ركعيتن كي يوهموا الآخرين بأنهم قد صلوا صلاة الصبح في ذلك الوقت وحينئذ ليس الآخرون لا يعرفون شيئًا عن قيامهم في الأسحار وأدائهم لصلاة الليل فحسب. بل يظنون أنهم أخروا صلاة الصبح كثيراً حتّى أذوها قبل طلوع الشمس بدقائق قليلة! ولقد كان غرضهم من فعلهم هذا أن يمرغوا أنف الشيطان بالتراب وأن يغلقوا أمامه طريق الوسوسة المفضي إلى ابتلائهم بالرياء والتظاهر والغرور وهكذا يحطمون آماله بشكل كامل