الملائم للمحبّ و أي شيء أتمّ ملاءمة من نفسه و دوام وجوده و أيّ شيء أعظم مضادّة و منافرة له من عدمه و هلاكه، فلذلك يحبّ الإنسان دوام الوجود،
و يكره الموت و القتل لا لمجرّد ما يخافه بعد الموت و لا لمجرّد الحذر من سكرات الموت بل لو اختطف من غير ألم و تعب و أميت من غير ثواب و لا عقاب لم يرض به و كان كارها لذلك و لا يحبّ الموت و العدم المحض إلّا لمقاساة ألم في الحياة و مهما كان مبتلى ببلاء فمحبوبه زوال البلاء،
فإن أحبّ العدم لم يحبّه لأنّه عدم بل لأنّ فيه زوال البلاء فالهلاك و العدم ممقوت و دوام الوجود محبوب و كما أنّ دوام الوجود محبوب فكمال الوجود أيضا محبوب لأنّ الناقص فاقد للكمال و النقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود،
و هو هلاك بالنسبة إليه و الهلاك و العدم ممقوت في الصفات و كمال الوجود كما أنّه ممقوت في أصل الذّات و وجود صفات الكمال محبوب كما أنّ دوام أصل الوجود محبوب و هذه غريزة في الطباع بحكم سنّة اللّه تعالى: «وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» [1] فإذن المحبوب الأوّل للإنسان ذاته ثمّ سلامة أعضائه،
ثمّ ماله و ولده و عشيرته و أصدقاؤه، فالأعضاء محبوبة و سلامتها مطلوبة لأنّ كمال الوجود و دوام الوجود موقوف عليها، و المال محبوب لأنّه أيضا آلة في دوام الوجود و كماله و كذا سائر الأسباب، فالإنسان يحبّ هذه الأشياء لا لأعيانها بل لارتباط حظّه في دوام الوجود و كماله بها حتّى أنّه ليحبّ ولده و إن كان لا يناله منه حظّ بل يتحمّل المشاقّ لأجله لأنّه يخلفه في الوجود بعد عدمه فيكون في بقاء نسله نوع بقاء
له فلفرط حبّه لبقاء نفسه يحبّ بقاء من هو قائم مقامه، و كأنّه جزء منه لما عجز عن الطمع في بقاء نفسه أبدا نعم لو خيّر بين قتله و قتل ولده و كان طبعه باقيا على اعتداله آثر بقاء نفسه على بقاء ولده لأنّ بقاء ولده يشبه بقاءه من وجه و ليس هو بقاؤه المحقّق و كذلك حبّه لأقاربه و عشيرته يرجع إلى حبّه لكمال نفسه فإنّه يرى نفسه كثيرا بهم قويّا بسببهم متجمّلا بكمالهم، فإنّ العشيرة و المال و الأسباب الخارجة كالجناح المكمل للإنسان، و كمال الوجود و دوامه محبوب بالطبع لا محالة فإذن المحبوب
[1] الفتح: 23. الأوّل عند كلّ حيّ ذاته و كمال ذاته و دوام ذلك كلّه و المكروه عند ضدّ ذلك فهذا هو أوّل الأسباب.
السبب الثاني الإحسان و إنّ الإنسان عبد الإحسان و قد جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها و بغض من أساء إليها، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«اللّهمّ لا تجعل لفاجر عليّ يدا فيحبّه قلبي» [1] أشار إلى أنّ حبّ القلب للمحسن اضطرار لا يستطاع دفعه و هو جبّلة و فطرة لا سبيل إلى تغييرها و بهذا السبب قد يحبّ الإنسان الأجنبيّ الّذي لا قرابة بينه و بينه و لا علاقة، و هذا إذا حقّق رجع إلى السبب الأوّل فإنّ المحسن من أمد بالمال و المعونة و سائر الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود و كمال الوجود و حصول الحظوظ الّتي بها يتهيّأ الوجود إلّا أنّ الفرق أنّ أعضاء الإنسان محبوبة لأنّ بها كمال وجوده و هي عين الكمال المطلوب،
فأمّا المحسن فليس هو عين الكمال المطلوب و لكن قد يكون سببا له كالطّبيب الّذي يكون سببا في دوام صحّة الأعضاء ففرق بين حبّ الصحّة و بين حبّ الطبيب الّذي هو سبب الصحّة إذ الصحّة مطلوبة لذاتها و الطبيب محبوب لا لذاته بل لأنّه سبب للصحّة،
و كذلك العلم محبوب و الأستاذ محبوب و لكنّ العلم محبوب لذاته و الأستاذ محبوب لكونه سبب العلم المحبوب، و كذلك الطعام و الشراب محبوب و الدّنانير محبوبة لكنّ الطعام محبوب لذاته و الدّنانير محبوبة لأنّها وسيلة إلى الطعام فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرّتبة و إلّا فكلّ واحد يرجع إلى محبّة الإنسان نفسه فكلّ من أحبّ المحسن لإحسانه فما أحبّ ذاته تحقيقا بل أحبّ إحسانه و هو فعل من أفعاله لو زال ذلك زال الحبّ مع بقاء ذاته تحقيقا و لو نقص نقص الحبّ و لو زاد زاد و يتطرّق إليه الزّيادة و النقصان بحسب زيادة الإحسان و نقصانه.
السبب الثالث: أن يحبّ الشيء لذاته لا لحظّ ينال منه وراء ذاته، بل يكون ذاته عين حظّه و هذا هو الحبّ الحقيقي البالغ الّذي يوثق بدوامه و ذلك كحبّ الجمال و الحسن فإنّ كلّ جمال فهو محبوب عند مدرك الجمال، و ذلك لعين الجمال
[1] أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ و قد تقدم. لأنّ إدراك الجمال فيه عين اللّذّة و اللّذّة محبوبة، و لا تظننّ أنّ حبّ الصور الجميلة لا يتصوّر إلّا لأجل قضاء الشهوة فإنّ قضاء الشهوة لذّة أخرى قد تحبّ الصور الجميلة لأجلها و إدراك نفس الجمال أيضا لذيذ فيجوز أن يكون محبوبا لذاته
و كيف ينكر ذلك، و الخضرة و الماء الجاري محبوبان لا ليشرب الماء أو تؤكل الخضرة أو ينال منها حظّ سوى نفس الرّؤية و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تعجبه الخضرة و الماء الجاري [1] و الطباع السليمة قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار[1]و الأزهار و الأطيار المليحة الألوان الحسنة النقش المتناسبة الشكل حتّى أنّ الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظّ وراء النظر، فهذه الأسباب ملذّة و كلّ لذيذ محبوب
و كلّ حسن و جمال فلا يخلو إدراكه عن لذّة، و لا أحد ينكر كون الجمال محبوبا بالطبع فإن ثبت أنّ اللّه تعالى جميل كان لا محالة محبوبا عند من انكشف له جماله و جلاله كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال» [2].
السبب الرابع في بيان معنى الحسن و الجمال: اعلم أنّ المحبوس في مضيق الخيالات و المحسوسات ربّما يظنّ أنّه لا معنى للحسن و الجمال إلّا تناسب الخلقة و الشكل و حسن اللّون و كون البياض مشوبا بالحمرة و امتداد القامة إلى غير ذلك ممّا يوصف من جمال شخص الإنسان فإنّ الحسّ الأغلب على الخلق حسّ الابصار و أكثر التفاتهم إلى صور الأشخاص فيظنّ أنّ ما ليس مبصرا و لا متخيّلا و لا متشكّلا و لا متلوّنا متقدّرا فلا يتصوّر حسنه، و إذا لم يتصوّر حسنه لم يكن في إدراكه لذّة فلم يكن محبوبا، و هذا خطأ ظاهر فإنّ الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر، و
[1] جمع النور بالفتح مصدر واحدتها نورة و نور النبات زهرتها و بهجتها و غضارتها.
[1] رواه أبو نعيم في كتاب طب النبي صلّى اللّه عليه و آله من حديث ابن عباس بسند ضعيف كما في المغني.
[2] أخرجه البيهقي في شعب الايمان من حديث أبي سعيد الخدري بسند ضعيف، و مسلم و الترمذي من حديث ابن مسعود، و الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة و ابن عساكر من حديث جابر و ابن عمر بسند صحيح كما في الجامع الصغير.
لا على تناسب الخلقة و امتزاج البياض بالحمرة، فإنّا نقول هذا خطّ حسن و هذا صوت حسن بل نقول: هذا ثوب حسن و هذا إناء حسن فأيّ معنى لحسن الصّوت و و الخطّ و سائر الأشياء إن لم يكن الحسن إلّا في الصورة و معلوم أنّ العين تستلذّ النظر إلى الخطّ الحسن و الاذن تستلذّ استماع النغمات الحسنة الطيّبة و ما من شيء
من المدركات إلّا و هي منقسمة إلى حسن و قبح فما معنى الحسن الّذي يشترك فيه هذه الأشياء، فلا بدّ من البحث عنه، و هذا بحث يطول و لا يليق بعلم المعاملة الاطناب فيه فنصرّح بالحقّ فنقول: كلّ شيء فجماله و حسنه في أن يحضر كماله اللائق به الممكن له فإذا كان جميع كمالاته الممكنة حاضرة فهو في غاية الجمال و هي غاية الكمال
و إن كان الحاضر بعضها فله من الحسن و الجمال بقدر ما حضر فالفرس الحسن هو الّذي جمع كلّ ما يليق بالفرس من هيئة و شكل و لون و حسن عدو و تيسّر كرّ و فرّ عليه، و الخطّ الحسن كلّ ما جمع ما يليق بالخطّ من تناسب الحروف و توازنها و استقامة ترتيبها و حسن انتظامها و لكلّ شيء كمال يليق به و قد يليق بغيره ضدّه فحسن كلّ شيء في كماله الّذي يليق به فلا يحسن الإنسان بما يحسن به الفرس و لا يحسن الخطّ بما يحسن به الصوت و لا يحسن الأواني بما يحسن به الثياب و كذلك سائر الأشياء،
فإن قلت: فهذه الأشياء و إن لم يدرك جميعها بحسّ البصر مثل الأصوات و الطعوم و الأرائيح فإنّها لا تنفكّ عن إدراك الحواسّ لها فهي محسوسات و ليس ينكر الحسن و الجمال للمحسوسات و لا ينكر حصول اللّذّة بإدراك حسنها و إنّما ينكر ذلك في غير المدرك بالحواسّ، فاعلم أنّ الحسن و الجمال موجود في غير المحسوسات إذ يقال:
هذا خلق حسن، و هذا علم حسن، و هذه سيرة حسنة، و هذه أخلاق جميلة و إنّما الأخلاق الجميلة يراد بها العلم و العقل و العفة و الشجاعة و التقوى و الكرم و المروّة و سائر خلال الخير و شيء من هذه الصفات لا يدرك بالحواسّ الخمس بل يدرك بنور البصيرة الباطنة و كلّ هذه الخصال الجميلة محبوبة و الموصوف بها محبوب بالطبع عند من عرف صفاته و آية أنّ الأمر كذلك أنّ الطباع مجبولة على حبّ الأنبياء صلوات اللّه عليهم مع أنّهم لم يشاهدوهم بل على حبّ أرباب المذاهب
حتّى أنّ الرّجل قد يجاوز به حبّه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع أمواله في نصرة مذهبه و الذّبّ عنه و يخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه و متبوعه، فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب و ليت شعري من يحبّ إمامه مثلا فلم يحبّه؟ و لم يشاهد قطّ صورته و لو شاهده ربّما لم يستحسن صورته فاستحسانه الّذي حمله على إفراطه في الحبّ إنّما لسيرته الباطنة لا لصورته الظاهرة فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت ترابا و إنّما يحبّه لصفاته الباطنة من الدّين و التقوى و غزارة العلم و الإحاطة بمدارك الدّين و انتهاضه لإفاضة علم الشرع و لنشره هذه الخيرات في العالم و هذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلّا بنور البصيرة فأمّا الحواسّ فقاصرة عنها.
و تلك الصفات الباطنة ترجع جملتها إلى العلم و القدرة إذا علم حقائق الأمور و قدر على حمل نفسه عليها بقهر شهواته فجميع خلال الخير يتشعّب عن هذين الوصفين و هما غير مدركين بالحسّ و محلّهما من جملة البدن جزء لا يتجزّأ فهو المحبوب بالحقيقة و ليس للجزء الّذي لا يتجزّأ صورة و شكل و لون يظهر للبصر حتّى يكون محبوبا لأجله فإذن الجمال موجود في السير و لو صدرت السيرة الجميلة من غير علم و بصيرة لم يوجب ذلك حبّا فالمحبوب مصدر السير الجميلة و هي الأخلاق الحميدة و الفضائل الشريفة
و ترجع جملتها إلى كمال العلم و القدرة و هو محبوب بالطبع و غير مدرك بالحواسّ حتّى أنّ الصبيّ المخلّى و طبعه إذا أردنا أن نحبّب إليه غائبا أو حاضرا حيّا أو ميّتا لم يكن لنا سبيل إلّا بالإطناب في وصفه بالشجاعة و الكرم و العلم و سائر الخصال الحميدة، فمهما اعتقد ذلك لم يتمالك في نفسه و لم يقدر أن لا يحبّه فهل غلب حبّ الصحابة و بغض أبي جهل و بغض إبليس لعنه اللّه إلّا بالاطناب في وصف المحاسن و المقابح الّتي لا تدرك بالحواسّ بل لمّا وصف الناس حاتما بالسخاء
و وصفوا رجلا بالشجاعة أحبّتهم القلوب حبّا ضروريّا و ليس ذلك عن نظر إلى صورة محسوسة و لا عن حظّ يناله المحبّ منهم بل إذا حكي من سيرة بعض الملوك في بعض أقطار الأرض العدل و الإحسان و إفاضة الخير غلب حبّه على القلوب مع اليأس من انتشار إحسانه إلى المحبّين لبعد المزار و نأي الدّيار، فإذن ليس حبّ الإنسان مقصورا على من أحسن إليه