كتاب المحبة و الشوق و الرّضا و الانس‌ 6

من أولياء اللّه فلا يحبّهم إلّا لحسن ما ظهر له منهم و ليس ذلك لحسن صورهم و لا لحسن أفعالهم بل دلّ حسن أفعالهم على حسن الصفات الّتي هي مصدر الأفعال إذ الأفعال آثار صادرة عنها و دالّة عليها فمن رأى حسن تصنيف المصنّف و حسن شعر الشاعر بل حسن نقش النقّاش و بناء البنّاء انكشف له من هذه الأفعال صفاتهم الجميلة الباطنة الّتي يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم و القدرة فكلّما كان المعلوم أشرف و أتمّ جمالا و جلالا و عظمة كان العلم أشرف و أجمل و كذا المقدور كلّما كان أعظم رتبة و أجلّ مرتبة كانت القدرة عليه أجلّ رتبة و أشرف قدرا، و أجلّ المعلومات هو اللّه فلا جرم أحسن العلوم و أشرفها معرفة اللّه عزّ و جلّ و كذلك ما يقاربه فشرفه على قدر تعلّقه به فإذن جمال صفات الصدّيقين الّذين تحبّهم القلوب طبعا يرجع إلى ثلاثة أمور أحدها علمهم باللّه عزّ و جلّ و ملائكته و كتبه و رسله و شرائع الأنبياء، و الثاني قدرتهم على إصلاح أنفسهم و إصلاح عباد اللّه بالإرشاد و السياسة، و الثالث تنزّههم عن الرّذائل و الخبائث و الشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير الجاذبة إلى طريق الشرّ و بمثل هذا يحبّ الأنبياء و العلماء فانسب هذه الصفات إلى صفات اللّه تعالى أمّا العلم فأين علم الأوّلين و الآخرين من علم اللّه الّذي هو محيط بالكلّ إحاطة خارجة عن النهاية حتّى لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات و لا في الأرض و قد خاطب الخلق كلّهم فقال: «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» [1] و لو اجتمع أهل السماوات و الأرض على أن يحيطوا بعلمه و حكمته في تفصيل خلقة نملة أو بعوضة لم يطّلعوا على عشر عشيرة و لا يحيطون بشي‌ء من علمه إلّا بما شاء، و القدرة اليسير الّذي علمه الخلائق كلّهم فبتعليمه إيّاهم علموه كما قال تعالى: «خَلَقَ الْإِنْسانَ. عَلَّمَهُ الْبَيانَ» [2] فإن كان جمال العلم و شرفه أمرا محبوبا و كان هو في نفسه زينة و كمالا للموصوف به فلا ينبغي أن يحبّ بهذا السبب إلّا اللّه تعالى، فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه بل من عرف أعلم أهل زمانه و أجهل أهل زمانه استحال أن يحبّ بسبب العلم الأجهل و يترك الأعلم و إن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما بتفاصيل معيشته و

[1] الاسراء: 88.

[2] الرحمن: 3 و 4.
التفاوت بين علم اللّه و علم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلق و أجهلهم لأنّ الأعلم لا يفضل إلّا بعلوم معدودة متناهية يتصوّر في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب و الاجتهاد، و فضل علم اللّه على علوم الخلائق كلّهم خارج عن النهاية إذ معلوماته لا نهاية لها و معلومات الخلق متناهية، و أمّا صفة القدرة فهي أيضا كمال و العجز نقص و كلّ كمال و بهاء و عظمة و قهر و مجد و استيلاء فإنّه محبوب و إدراكه لذيذ حتّى أنّ الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة عليّ و غيره من الشجعان و قدرتهما و استيلاءهما على الأقران فيصادف من قلبه اهتزازا و فرحا و ارتياحا ضروريّا بمجرّد السماع فضلا عن المشاهدة و يورث ذلك حبّا ضروريّا للمتّصف به فإنّه نوع كمال فانسب الآن قدرة الخلق كلّهم إلى قدرة اللّه عزّ و جلّ فأعظم الأشخاص قوّة و أوسعهم ملكا و أقواهم بطشا و أقهرهم للشهوات و أقمعهم لخبائث النفس و أجمعهم للقدرة على سياسة نفسه و سياسة غيره فإنّه ينتهي قدرته، و إنّما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه و على بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور و هو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا و لا حياة و لا نشورا و لا نفعا و لا ضرّا، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى و لسانه من الخرس و إذنه من الصمم و بدنه من المرض و لا يحتاج إلى عدّ ما يعجز عنه في نفسه و غيره ممّا هو على الجملة متعلّق قدرته فضلا عمّا لا تتعلّق به قدرته من ملكوت السماوات و أفلاكها و كواكبها و الأرض و جبالها و بحارها و و رياحها و صواعقها و معادنها و نباتها و حيواناتها و جميع أجزائها فلا قدرة له على ذرّة منها و ما هو قادر عليه من نفسه و غيره فليست قدرته من نفسه و بنفسه بل اللّه خالقه و خالق قدرته و خالق أسبابه و الممكّن له من ذلك، و لو سلّط بعوضا على أعظم ملك و أقوى شخص من الحيوانات لأهلكه فليس للعبد قدرة إلّا بتمكين مولاه كما قال في أعظم ملك من ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال: «إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ» [1] فلم يكن جميع ملكه و سلطنته إلّا بتمكين اللّه عزّ و جلّ إيّاه في جزء من الأرض و الأرض كلّها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم و جميع الولايات الّتي يحظى بها الناس من الأرض‌

[1] الكهف: 84.
غبرة من تلك المدرة، ثمّ تلك الغبرة أيضا من فضل اللّه و تمكينه فيستحيل أن يحبّ عبدا من عباد اللّه لقدرته و سياسته و تمكّنه و استيلائه و كمال قوّته و لا يحبّ اللّه تعالى لذلك و لا قويّ غيره، فليس أحد قدرته من نفسه بل لا حول لأحد و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، فهو الجبّار القاهر و العليم القادر، السماوات مطويّات بيمينه و الأرض و ما عليها في قبضته، و ناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه و ملكه ذرّة، و إن خلق أمثالهم ألف مرّة لم يعي بخلقها و لا يمسّه لغوب و لا فتور في اختراعها فلا قدرة و لا قادر إلّا و هو أثر من آثار قدرته فله الجمال و البهاء و العظمة و الكبرياء و القهر و الاستيلاء، فإن كان يتصوّر أن يحبّ قادر لكمال قدرته فلا يستحقّ الحبّ بكمال القدرة سواء أصلا، و أمّا صفة التنزّه عن العيوب و النقائص و التقدّس عن الرّذائل و الخبائث فهو أحد موجبات الحبّ و مقتضيات الحسن و الجمال في الصور الباطنة و الأنبياء و الصدّيقون و إن كانوا منزّهين عن العيوب و الخبائث فلا يتصوّر كمال التقدّس و التنزّه إلّا لذي الجلال و الإكرام و أمّا كلّ مخلوق فلا يخلو عن نقص و عن نقائص بل كونه عاجزا مخلوقا مسخّرا مضطرّا هو عين العيب و النقص، فالكمال للَّه وحده فليس لغيره كمال إلّا بقدر ما أعطاه و ليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإنّ منتهى الكمال أقلّ درجاته أن لا يكون عبدا مسخّرا لغيره و قائما بغيره و ذلك محال في حقّ اللّه فهو المتفرّد بالكمال المتنزّه عن النقص المقدّس عن العيوب و شرح ذلك التقديس و التنزيه في حقّه عن النقائص يطول و هو من أسرار علوم المكاشفات فلا نطول بذكره، فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا و جمالا محبوبا فلا تتمّ حقيقته إلّا له و كمال غيره و تنزّهه لا يكون مطلقا بل بالإضافة إلى ما هو أشدّ منه نقصانا كما أنّ للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار، و للإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس، و أصل النقص شامل للكلّ و إنّما يتفاوتون في درجات النقصان فإذن الجميل محبوب و الجميل المطلق هو اللّه الواحد الّذي لا ندّ له، الفرد الّذي لا ضدّ له، الصمد الّذي لا منازع له، الغنيّ الّذي لا حاجة له، القادر الّذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد لا رادّ لحكمه و لا معقّب‌

 

 

کتاب : المحجة البيضاء  : الفيض الكاشاني    جلد : 8  صفحه : 23

Check Also

في فضل العلم و التعليم و التعلّم

رياض الجنّة؟ قال: حلق الذكر، فإنّ للَّه تعالى سيّارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا …