رياض الجنّة؟ قال: حلق الذكر، فإنّ للَّه تعالى سيّارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم» [1]، قال بعض العلماء: حلق الذكر هي مجالس الحلال و الحرام كيف يشتري و يبيع و يصلّي و يصوم و ينكح و يطلّق و أشباه ذلك.
أقول: و سيأتي في هذا الحديث كلام آخر إن شاء اللّه تعالى.
قال: و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإذا في المسجد مجلسان مجلس يتفقّهون و مجلس يدعون اللّه تعالى و يسألونه فقال: «كلا المجلسين إلى خير، أمّا هؤلاء فيدعون اللّه تعالى و أمّا هؤلاء فيتعلّمون و يفقّهون الجاهل، هؤلاء أفضل، للتعليم أرسلت ثمّ قعد معهم» [2].
و عن صفوان بن عسّال- رضي اللّه عنه- قال: أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو في المسجد متّكئ على برد له أحمر، فقلت له: يا رسول اللّه إنّي جئت أطلب العلم، فقال:
مرحبا بطالب العلم إنّ طالب العلم لتحفّه الملائكة بأجنحتها، ثمّ يركب بعضهم بعضا حتّى يبلغوا السماء الدّنيا من محبّتهم لما يطلب»[1].
و عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء إنّي أتيتك من المدينة- مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- لحديث بلغني عنك أنّك تحدّثه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: فما جاء بك تجارة؟ قال: لا، قال: و لا جاء بك غيره قال: لا، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك اللّه به طريقا إلى الجنّة، و إنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم[2]، و إنّ العالم
[1] صفوان بن عسال- بمهملتين- المرادي قال البغوي: سكن الكوفة و قال ابن أبي حاتم: كوفى له صحبة مشهور روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أحاديث. و قال ابن سكن: حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين و فضل العلم و التوبة مشهور رواه أكثر من ثلاثين من الأئمة عن عاصم (الإصابة). أقول: و حديثه هذا أخرجه ابن عبد البر كما في المختصر ص 20. و رواه أحمد في المسند ج 4 ص 240. و الطبراني و ابن حبان في صحيحه كما في الترغيب ج 1 ص 95 و الحاكم في المستدرك ج 1 ص 100 و الدارمي ج 1 ص 101.
[2] في بعض نسخ الحديث «رضى به».
[1] روى شطره الأول الصدوق- رحمه اللّه- في المعاني ص 321 و سيأتي.
[2] أخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص 25 من حديث عبد اللّه بن عمر بأدنى تغيير في اللفظ. يستغفر له من في السماوات و من في الأرض حتّى الحيتان في الماء، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إنّ العلماء ورثة الأنبياء، و إنّ الأنبياء لم يورّثوا درهما و لا دينارا إنّما ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظّ وافر»؟ قال: نعم [1].
و أسند بعض العلماء [2] إلى أبي يحيى بن زكريّا بن يحيى الساجيّ أنّه قال:
كنّا نمشي في أزقّة البصرة إلى باب بعض المحدّثين فأسرعنا في المشي و كان معنا رجل ماجن[1]فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة- كالمستهزء- فما زال عن مكانه حتّى جفّت رجلاه.
و أسند أيضا إلى أبي داود السجستاني أنّه قال: كان في أصحاب الحديث رجل خليع[2]إلى أن سمع بحديث النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الملائكة لتضع بأجنحتها لطالب العلم» فجعل في رجليه مسمارين من حديد و قال: أريد أن أطأ أجنحة الملائكة فأصابته الاكلة في رجليه.
و ذكر أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل التميميّ هذه الحكاية في شرح مسلم و قال:
فشلّت رجلاه و سائر أعضائه.
(فصل) و من [3] طريق الخاصّة
ما رويناه بالإسناد الصحيح إلى أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا عن آبائه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و عليهم أجمعين أنّه قال: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فاطلبوا العلم في مظانّه، و اقتبسوه من أهله، فإنّ تعلّمه للَّه حسنة، و طلبه عبادة، و المذاكرة به تسبيح، و العمل به جهاد، و تعليمه من لا يعلمه صدقة، و
[1] اى الذي لاحياء له.
[2] اى المخلوع.
[1] أخرجه أبو داود في سننه ج 2 ص 285. و ابن ماجه تحت رقم 223. و في روضة الواعظين ص 12، و قد مر.
[2] نقله أيضا من منية المريد.
[3] منقول من المنية أيضا. بذله لأهله قربة إلى اللّه تعالى لأنّه معالم الحلال و الحرام، و منار سبيل الجنّة، و المونس في الوحشة، و الصاحب في الغربة و الوحدة، و المحدّث في الخلوة، و الدّليل على السرّاء و الضرّاء، و السّلاح على الأعداء، و الزّين عند الأخلاّء، يرفع اللّه تعالى به أقواما فيجعلهم في الخير قادة، تقتصّ آثارهم، و يقتدى بفعالهم، و ينتهى إلى آرائهم، ترغب الملائكة في خلّتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و في صلواتها تبارك عليهم، و يستغفر لهم كلّ رطب و يابس حتّى حيتان البحر و هو أمّه، و سباع البرّ و أنعامه، إنّ العلم حياة القلوب من الجهل، و ضياء الأبصار من الظلمة، و قوّة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، و مجالس الأبرار، و الدرجات العلى في الآخرة و الأولى، الذكر فيه يعدل بالصيام و مدارسته بالقيام، به يطاع الربّ و يعبد، و به توصل الأرحام و يعرف الحلال و الحرام، العلم إمام و العمل تابعه، يلهمه السعداء، و يحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه اللّه تعالى من حظّه»[1].
و عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أنّه قال: «أيّها الناس اعلموا أنّ كمال الدّين طلب العلم و العمل به، ألا و إنّ طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إنّ المال مقسوم مضمون لكم قد قسّمه عادل بينكم و قد ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه» [1].
و عنه عليه السّلام العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد، و إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدّها إلّا خلف منه» [2].
و عنه عليه السّلام قال: «كفى بالعلم شرفا أن يدّعيه من لا يحسنه و يفرح إذا نسب إليه، و كفي بالجهل ذمّا أن يبرّئ منه من هو فيه» [3].
و عنه عليه السّلام: انّه قال لكميل بن زياد: «يا كميل العلم خير من المال العلم يحرسك
[1] البحار ج 1 ص 166 و 171 نقله من أمالى الصدوق و الشيخ، و أخرجه ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص 27. و في بعض النسخ [تقتبس آثارهم] مكان «تقتص آثارهم».