إعطاء الضابطة في اعتبار قول اللغوي

إعطاء الضابطة في اعتبار قول اللغوي
———
يقع الاختلاف كثيراً بين أهل اللغة في معاني الألفاظ وينجر ذلك إلى الاختلاف في تفسير الآيات القرآنية.
ولا بد لأهل الخبرة حينئذ من تعيين أحد القولين أو الأقوال بالاجتهاد في علم اللغة. فينبغي إعطاء ضابطة ليرجع إليها في مثل المقام، ويتفق ذلك كثيراً في تفسير الآيات القرآنية.

فنقول: إنّ اعتبار قول اللغوي في تبيين المعنى المراد من الخطابات الشرعية، لابد أن يكون على أساس ضابطة، وهي تبتني على ثلاثة أمور:

1 – قدمة اللغوي ومعاصرته للمعصومين، ومن هنا يُقدّم قول مثل الخليل على غيره؛ نظراً إلى معاصرته للأئمة المعصومين عليهم السلام ولوقوفه على معاني الألفاظ المرتكزة في أذهان المعاصرين لهم ولا طلاعه عن المعاني المستعملة فيها الألفاظ بين أهل ذلك العصر.

وكذا يقدّم قول مثل الجوهري على قول الراغب وهذا؛ لأن الأقدم أقرب إلى عصر المعصومين عليهم السلام وأعرف بجذور اللغات العربية.

ومن الواضح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام قد تكلموا بلسان قومهم المعاصرين لهم. وقد ألقوا الخطابات وبينوا الأحكام الشرعية والمعارف الالهية على
مرتكزاتهم الذهنية والمعاني المتبادرة إلى أذهانهم من سماع الألفاظ. بل كان ذلك دأب جميع الأنبياء، كما يُشعر إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)

وأما ما ذكر من اعتبار قول اللغوي لأنّه من أهل الخبرة، فانّما يتم بالنسبة إلى عصره؛ نظراً إلى إحاطته بمرتكزات أهل زمانه، وإلا فمن باب النقل لا الخبروية.

وهذه الضابطة إنما تنفع في تعيين معاني ألفاظ الخطابات الشرعية واستظهار مراد الشارع منها، لا في تعيين أوضاع الألفاظ والمعاني المرادة منها مطلقاً، كما في مثل المقام ؛ نظراً إلى إمكان نقل الألفاظ من معانيها الأصلية في خلال الأعصار. فلا منافاة في مخالفة قول اللغوي المتأخر مع قول المتقدم.

2- عدم شذوذ قول اللغوي وعدم تفرده بين أقوال أهل اللغة؛ بأن يوجد منهم من ذكر قوله ووافقه ؛ حيث إنّ ذلك المعنى لو كان في حد التبادر ، لما يخفى على سائر أهل اللغة ولكانوا ذكروه، ولو جماعة منهم.

3- ملائمة المعنى الذي ذكره أو الخصوصية التي أخذها في معنى اللفظ مع جذره اللغوي المذكور في كلمات قدماء اللغويين، كما ترى ابن فارس يذكر جذور اللغات في المقائيس. وإلا يكون ما ذكره خروج عن المعنى الموضوع له وبحاجة إلى دليل للاثبات. فلو تم ما ذكره من الدليل يؤخذ به، وإلا فلا يُعبأ به.
وهاتان الضابطتان الأخيرتان لا تختصان بالمقام، بل تنفعان في تعيين
أوضاع الألفاظ في جميع موارد اختلاف أهل اللغة.

📙دروس في القواعد التفسيرية/ الحلقة الثانية/ القسم الأول ص16-17

Check Also

هبة السماء ، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام

عن بطرس في حديثه عن يهوذا فإن هذا أقتني حقلا من أجرة الظلم وإذ سقط …