الرئيسية / مقالات متنوعة / هذا ما تفعله الإرادة الشعبية – صفاء الوائلي

هذا ما تفعله الإرادة الشعبية – صفاء الوائلي

على مر التاريخ تطور مفهوم الثورة من كونه مفهوم يعكس اراده مجموعه او فئه ورغبتها في التغيير وتبني منهج النضال السري وتبني التغيير من الاعلى من خلال الانقلابات كونها احدى وسائل الثورات الى مفهوم اكثر رقياً يحاكي تطور المجتمعات وفهمها لدورها الواعي والراقي في ممارسه سلطتها الطبيعية الفطرية في التغيير الابيض المُمنهج والمنظم والقانوني والشرعي دون الحاجه الى اراقه دماء او استخدام سلاح او تبني نهجاً سرياً…

ان ما يحدث اليوم في العراق هو ثوره بيضاء فطريه غذتها اراده شعبيه صادقه في تبني التغيير المنشود رغم كون هذا التحرك متأخراً بعض الشيء الا انه جاء بشكل تكاملي بين الشعب ومؤسسه اجتماعيه مؤثره هي المرجعية الدينية التي اعطت الحراك الشعبي شرعية وزخماً كبيراً…

ان ما يتطلبهُ مفهوم التغير اكبر من ان يكون حراكاً عشوائياً بل يتعدى ذلك ليكون حراكاً ذو طابع وطني هادئ يرتقي الى أعلى درجات الثقافة الثورية المتكاملة التي تحقق اهدافها بقوتها في التأثير في المحيط واستيعاب ادوات الدولة من اجهزه امن ومؤسسات لتقف معها وتحميها وتحافظ عليها من اي اعتداء وتشويه وتحييد …

ان الثورة الشعبية في العراق الان هي ثوره من نوع خاص لكونها تفردت بامتلاكها الدقة في توظيف عامل الوقت والمكان والتدريج المتصاعد والمتناغم دون المساس بالمصلحة الوطنية او الإساءة الى صفتها الشعبية او خروجها من اطارها الهادئ…

ورغم ان الإرادة الشعبية تتحرك وتنتفض لمسببات قويه الا ان بداية الشرارة قد تكون بسيطة ومتواضعة فتأخذ بالانتشار والتوسع الافقي والعمودي لتحقق اهدافها الوطني المنشودة في الاصلاح والتصحيح والتغيير دون التأثير على الحياة العامة في البلد او تعطيلها او ايقاف فعالياتها الحيوية…

ان ما يميز الحراك الشعبي الان هو شموليته للأطياف المتعددة والفئات المختلفة يوحدها الهدف وتغذيها الرغبة الصادقة في احداث تغييراً تاريخياً وتسجيل موقفاً مشرفاً في تصحيح مسار النظام السياسي للبلد…

قد يعتبر البعض ان الثورة العراقية الشعبية جاءت متأخرة بعض الشيء…

 

الا ان هذا الاعتقاد في كونها متأخرة غير صحيح اذا ما تم مراجعه الفرص التي منحها الشعب لحكوماته وصبره الذي وصل الى نقطه اللافائدة من الصبر والانتظار…

لقد جاءت الشرارة الاولى من عمق الجنوب العراقي بعفويه العراقيين المعهودة في تجسيدهم لدورهم وفكرهم الحي الذي لا يتقبل الرضوخ او الصمت والسكوت على الباطل…

ان ثوره العراق لم تكن ثوره ضد شخص بعينه او مجرد تغير لدوافع غير وطنيه او فئوية..

على العكس هي ثوره ضد كل ما هو خاطئ وغير سوي في النظام السياسي من شخوص ونظام اداره دوله  فهي ثوره كبرى في المفهوم والمضمون والتطبيق…

لقد اثبت الحراك الشعبي قوته في تبني البرلمان العراقي حزمة الاصلاحات الاولى بالأجماع رغم تضرر بعض الكتل السياسية من تلك الاصلاحات الا انها شعرت بقوه الزخم الشعبي وخطورته على وضعهم السياسي في الدولة فرفع البعض ايديهم لا قناعه فقط بل خوفاً ورعباً من الإرادة الشعبية الممتدة بقوه واتساع فكان لزاماً عليهم تبني الاصلاحات شائوا ام أبوا وهم ينتظرون الان خطوات المد الشعبي القادمة التي هزت العروش واطاحت بها…

يجب ان يستمر الزخم الشعبي بقوه اكبر وبإصلاحات اكثر لأنها الفرصة الوحيدة لاقتلاع المرض من جذوره بلا تواني وبلا توقف لان التصحيح والتغير يجب ان يكون شاملاً اذا ما أراد الشعب ان يحقق تحولاً ملموساً من الوضع السابق الى الوضع الجديد… إنها مسؤوليه كبيره الى الان فيها للتغير الشامل المتكامل دون كلل او هوادة وعدم اعطاء الفرصة لأي طرف في ان يحصل على وقفه او وقت .

لقد شكل المد الشعبي صدمه لم يستطع الساسة استيعابها الى الان اربكت الحسابات المغلوطة لهم ويقظت الواهمون والقابعون في الوهم من اوهامهم وجعلتهم وجها لوجه امام مصيرهم وهم يواجهون شعبهم الذي سيحاسبهم دون رحمه عما اقترفوه بحق عراقيتهم ووطنهم وشعبهم معتقدين بانهم سيكونون في مأمن من ان تصلهم يد التغيير…

ان الاستمرار بهذا النهج المنظم في اداره الحراك الشعبي سيقود الى زياده الزخم الممنوح للسلطة التنفيذية في إجراءاتها الإصلاحي من خلال الضغط على السلطة التشريعية ودفعها لتبني مطالب الشعب وتشريعها وتنفيذها فوراً وعدم وضع جداول زمنيه لأي تغيير…

ان ما مطلوب في الوقت القادم هو تعديل الدستور بما يضمن حمايه المسيرة الديمقراطية وسد الثغرات وتبني تغييرات تضمن عدم اساءه استعمال السلطة وتقليص اي منفذ قد يؤثر سلباً على المصلحة العليا للبلاد…

كما ويجب تبني اجراء تغييرات في الكثير من القوانين والتشريعات واحكامها بالدقة والوضوح وعدم فسح المجال لأي مرونة او اي تفسيرات…

كما يجب تبني مشروع وطني لتعيين الكفاءات الوطنية في المناصب التنفيذية لضمان تقديم افضل الخدمات والارتقاء بمستوى الاداء الاداري لمؤسسات الدولة …

ان هذا كله لا يأتي بين ليله وضحاها بل من خلال وضع خطه نوعيه دقيقه بجدول زمني مقبول يتيح التغيير الفوري اذا تطلب الامر وكذلك اخذ الوقت الكافي اذا تطلب التغيير ذلك واذا تطلبت المصلحة العليا للعراق وشعبه من اجل تجنب اي احتماليه لأي فوضى قد تحصل او اي تداخل…

ان التغيير المطلوب والاصلاحات يجب ان تأتي حسب المتطلبات والحاجه الى ذلك مع الاخذ بنظر الاعتبار اي اثار سلبيه او تأثيرات غير محسوبة قد تهدد المصلحة العامة…

كما يجب تدويل الانجازات الشعبية واعطائها بعداً دولياً من اجل ايصال صوت الإرادة الشعبية الى الخارج وعكس التغييرات ليس فقط على مستوى تغيير السياسة الداخلية بل والخارجية منها وتبني اصلاحات في السياسة الخارجية للبلد بما يضمن ابراز الصورة البراقة للعراق وتعزيز دوره الاقليمي بكونه كيان له ثقله الاقليمي والدولي وانهاء حاله الضعف والرضوخ بالاستناد الى الإرادة الشعبية التي لن يستطيع احد ان يطمس دورها او ينكر او يتغاضى عن قوتها في اعطاء الشرعية الشعبية لأي اجراء يخدم العراق.

بوركت الايادي التي تماسكت وحملت العراق مناراً لها فأخضعت الكبير قبل الصغير وكسرت شوكة كل من اوغل في ايذاء العراق.