الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي
0

إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي

حديث الثقلين:

ومن جملة الأحاديث المعتبرة ، التي نستدل بها على التمسك والتوسل بآل محمد (ص) ومتابعتهم : حديث الثقلين ، وهو حديث صحيح أجمع عليه الفريقان ، وقد بلغ حد التواتر .

قال النبي (ص) : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيت ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا ، وهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (28).

الحافظ : أظن أنكم قد أخطأتم حين قلتم : إن هذا الحديث صحيح ومتواتر ! لأنه غير معتبر ومجهول عند كبار علمائنا ! فهذا شيخنا الكبير محمد بن إسماعيل البخاري ، وهو إمام علماء الحديث عند أهل السنة والجماعة ، لم يذكر حديث الثقلين في صحيحه الذي يعد عندنا بعد القرآن الكريم أصح الكتب !

قلت إن عدم ذكر البخاري لحديث الثقلين لا يدل على ضعفه ، فإن البخاري واحد ، ولكن الذين ذكروا هذا الحديث وعدوه صحيحا موثقا ، هم عشرات العلماء والمحدثين منكم ، فهذا ابن حجر المكي مع شدة تعصبه فإنه يقول في كتابه الصواعق المحرقة ، آخر الفصل ، الباب الحادي عشر ، الآية الرابعة : ص 89 و 90 .

بعدما نقل أخبارا وأقوالا حول حديث الثقلين يقول :

اعلم أن لحديث التمسك بالثقلين طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا ..إلى آخره(29).

وقد نقل الحديث عن الترمذي وأحمد بن حنبل الطبراني ومسلم … إلى آخره .

حول البخاري وصحيحه:

وأما قولكم أن حديث الثقلين غير صحيح ، لآن البخاري لم ينقله في صحيحه .

فإن الاسترداد مردود عند العلماء والعقلاء .

فالبخاري إن لم ينقل هذا الحديث الشريف ، فقد نقله عدد كبير من مشاهير علمائكم ، منهم : مسلم بن الحجاج الذي يساوي البخاري عند أهل السنة والجماعة ، وقد نقله في صحيحه ، وكذلك نقله سائر أصحاب الصحاح الستة غير البخاري .

فإذا لم تعتمدوا إلا على صحيح البخاري ، فأعلنوا بأن صحيح البخاري وحده صحيح ، وسائر الصحاح غير مقبولة لدينا لعدم صحتها ، وأن أهل السنة والجماعة مستندة إلى ما جاء في صحيح البخاري فحسب !

وإذا كنتم تعتقدون غير هذا ، وتعتمدون على الصحاح الستة فيجب أن تقبلوا الأخبار والروايات المنقولة فيها حتى إذا لم ينقلها البخاري لسبب ما .

الحافظ : لم يكن أي سبب في عدم نقله لبعض الأخبار سوى أنه كان كثير الاحتياط في النقل ، وكان دقيقا في الروايات ، فالتي لم ينقلها البخاري إما لضعف في السند ، أو لأن العقل يأبى من قبولها وصحتها .

قلت قديما قالوا : حب الشيء يعمي ويصم !

وأنتم لشدة حبكم للبخاري تغالون فيه وتقولون أنه كان دقيقا ومحتاطا ، وإن الأخبار التي رواها في صحيحه كلها معتبرة وقوية ، وهي كالوحي المنزل ! والحال أن في رواة صحيح البخاري أشخاصا وضاعين وكذابين وهم مردودون وغير معتبرين عند كثير من العلماء والمحققين في علم الرجال .

الحافظ : إن كلامكم هذا مردود عند جميع العلماء ، وإنه إهانة لمقام العلم ومرتبة رجال الحديث وخاصة الإمام البخاري ، وإنه تحامل بغيض على كل أهل السنة والجماعة !

قلت : إن كنتم تحسبون الانتقاد العلمي تحاملا بغيضا وإهانة ، فكثير من كبار علمائكم ، أهانوكم وأهانوا أهل مذهبهم ، قبلنا !

لأن كثير من مشاهير علمائكم المحققين نقحوا الصحاح ، وخاصة صحيحي مسلم والبخاري ومسلم ، وميزوا بين السقيم والسليم ، والغث والسمين ، وأعلنوا أن رجال الصحاح وحتى صحيحي البخاري ومسلم ، كثير منهم وضاعين وجعالين للحديث .

وأنا أنصحكم أن لا تعجلوا ولا تتسرعوا في إصدار الحكم علينا في ما نقوله عنكم ، بل راجعوا كتب الجرح والتعديل التي كتبها علماؤكم المحققون وطالعوها بدقة وتدبر بعيدا عن التعصب والمغالاة في شأن أصحاب الصحاح ، سواء البخاري وغيره ، حتى تعرفوا الحقائق .

راجعوا كتاب ” اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ” للعلامة السيوطي ، و ” ميزان الاعتدال ” و ” تلخيص المستدرك ” للعلامة الذهبي ، و ” تذكرة الموضوعات ” لابن الجوزي ، و” تاريخ بغداد ” لأبي بكر الخطيب البغدادي ، وسائر الكتب التي كتبها علماؤكم في علم الرجال وتعريف الرواة .

راجعوا فيها أحوال : أبي هريرة الكذاب ، وعكرمة الخارجي ، ومحمد بن عبدة السمرقندي ، ومحمد بن بيان ، وإبراهيم بن مهدي الأبلي ، وبنوس بن أحمد الواسطي ، ومحمد بن خالد الحبلي ، وأحمد بن محمد اليماني ، وعبد الله بن واقد الحراني ، وأبي داود سليمان بن عمرو ، وعمران بن حطان ، غيرهم ممن روي عنهم البخاري وأصحاب الصحاح ، حتى تعرفوا آراء علمائكم ومحققيكم في أولئك ، وهم نسبوهم إلى الوضع والكذب وجعل الأحاديث ، فتنكشف لكم الحقائق ، ولا تغالوا بعد ذلك في صحة ما نقله البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح !

وأنت أيها الحافظ ! إن كنت تقرأ وتطالع هذه الكتب التي ذكرتها ـ وهي لعلمائكم ـ لما قلت : إن البخاري ما نقل حديث الثقلين في صحيحه إلا لاحتياطه في النقل .

هل العقل السليم يقبل أن عالما محتاطا ، إمام محققا ، ينقل روايات وأحاديث موضوعة من رواة كذابين يأبى كل ذي عقل قبولها ، بل يستهزئ بها كل عاقل ذي شعور وإيمان ، كالروايات التي مرت أن موسى ضرب عزرائيل على وجهه حتى فقأ عينه فشكاه إلى ربه … إلى آخره ، أو أن الحجر أخذ ملابس موسى وهرب فلحقه موسى عريانا وبنو إسرائيل ينظرون إلى نبيهم وهو مكشوف العورة … إلى آخره !!

ألم تكن هذه الخزعبلات والخرافات من الأخبار الموضوعة ؟!

وهل في نظركم أن نقل هذه الموهمات في صحيحه كان من باب الاحتياط في النقل والتدقيق في الرواية ؟!!

هتك حرمة النبي الأكرم (ص) في الصحيحين:

نجد في صحيحي البخاري ومسلم أخبار تخالف الاحتياط والحمية الإسلامية ويأباها كل مؤمن غيور !

منها : ما نقله البخاري في صحيحه ج2 ص 120 ، باب اللهو بالحراب ، ونقله مسلم في صحيحه : ج1 باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد ، عن أبي هريرة عن عائشة ، قالت : وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب في المسجد ، فإما سألت رسول الله ، وإما قال تشتهين تنظرين ؟ فقلت : نعم ، فأقامني وراءه ، خدي على خده ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفده ، حتى إذا مللت ، قال : حسبك ؟! قلت : نعم ، قال : فاذهبي .

بالله عليكم أيها الحاضرون ! أنصفوا ، هل يرضى أحدكم أن ينسب إليه هذه النسبة الفظيعة والعمل المخزي ؟!

إذا قال قائل لجناب الحافظ : بأنا سمعنا أنك حملت زوجتك على ظهرك ، وكان خدها على خدك وجئت في الملأ العام لتنظر إلى جماعة كانوا يلعبون ، ثم كنت تقول لزوجتك : حسبك ؟ وهي تقول لك : نعم ، ثم إن زوجتك كانت تحدث الرجال الأجانب بهذا الموضوع .

بالله عليكم أيها الحاضرون ! هل الحافظ يرضى بذلك ؟! وهل غيرته تسمح لأحد أن يتكلم بهذه الأراجيف ؟!

وإذا سمعت هذا الخبر من إنسان ظاهر الصلاح ،ن هل ينبغي لك أن تنقله للآخرين ؟!

وإذا نقلته ، ألا يعترض عليك الحافظ ويقول : بأن جاهلا إذا حدثك بخبر كهذا ، ولكن ـ أنت العاقل ـ لماذا تنقله بين الناس ؟!

أليس العقلاء يؤيدونه على اعتراضه عليك ؟! فقايسوا هذا الموضوع مع الرواية التي مر ذكرها من صحيحي مسلم والبخاري ، فإن كان الأخير كما تزعمون دقيقا ومحتاطا في النقل ، وكان عارفا وعالما بأصول الحديث ـ على فرض أنه سمع هكذا خبر ـ فهل ينبغي ويحق له أن ينقله في صحيحه ، ويجعله خبرا صادق ومعتبرا ؟!

والأعجب … أن العامة ، ومنهم جناب الحافظ ، يعتقدون أن صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد القرآن الحكيم !!

” احتياطات البخاري “:

إن احتياطات البخاري لم تكن في محلها ، بل كانت خلافا لأصول الاحتياط ، كما ذكرنا سابقا بعض الروايات التي نقلها في صحيحه .

إن العقل والإيمان يحتمان ويؤكدان على عدم نقلها ، فكان من الاحتياط بل الواجب أن لا يذكرها .

ولكنه كان يحتاط فلا ينقل الأخبار التي تتضمن ولاية علي بن أبي طالب (ع) أو تبين فضائله ومناقبه ومناقب أبناءه الميامين ، عترة النبي الصادق الأمين (ص) !!

نعم ، كان يحتاط ! بل يمتنع في نقل تلك الروايات حتى لا يستدل بها العلماء المنصفون على إمامة علي (ع) وأحقيته بالخلافة ، فلو قايسنا صحيح البخاري مع غيره من الصحاح الستة لعرفنا هذا الموضوع بوضوح ، فإنه لم ينقل خبرا ربما يستفاد منه في خلافة علي بن أبي طالب وإمامته ، ولو كان الخبر مؤيدا بالقرآن ومتواترا ومنقولا في سائر الصحاح و مجاميع أهل الحديث ، وحتى لو كان مجمعا على صحته كخبر الغدير، ونزول الآية الشريفة( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك …)(30).

وكخبر التصدق بالخاتم ، ونزول الآية الكريمة : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون )(31).

وخبر الإنذار ، ونزول الآية الكريمة : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) (32).

وخبر المؤاخاة ، وحديث السفينة ، وحديث باب حطة ، وغيرها من الأحاديث التي تثبت بها ولاية أبي الحسن علي بن أبي طالب (ع) ، وإطاعة أهل البيت (ع) ، فإن البخاري احتاط في نقل هذه الأخبار المجمع عليها ولم يذكرها في صحيحه !!!

بعض مصادر حديث الثقلين:

والآن لابد لي أن أذكر لكم بعض كتبكم المعتبرة عنكم ، التي ذكرت وروت حديث الثقلين عن النبي (ص) ، حتى تعرفوا أن البخاري لم ينقل هذا الحديث الشريف من باب الاحتياط ، لأن كبار علمائكم ومشاهيرهم نقلوا هذا الحديث ، منهم : مسلم بن الحجاج ، الذي لا يقل صحيحه عن صحيح البخاري في الاعتبار والوثوق عند أهل السنة والجماعة :

1ـ صحيح مسلم : 7/122 .

2ـ الترمذي : 2/307 .

3ـ النسائي / خصائص : 30 .

4ـ أحمد بن حنبل في مسنده : 3/14 و 17 وج4/26 و 59 وج5/182 و 189 ، وغيرهم(33) رووا بطرقهم وبإسنادهم عن النبي (ص) أنه قال : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، من تمسك بهما فقد نجا ، وممن تخلف عنهما فقد هلك . وفي بعضها : ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا .

فبهذا المستند الحكيم والدليل القويم لابد لنا أن نتمسك بالقرآن الكريم وبأهل البيت (ع) .

الشيخ عبد السلام : إن صالح بن موسى بن عبدالله بن اسحاق بن طلحة بن عبدالله القرشي التيمي الطلحي روى بسنده عن أبي هريرة أن النبي قال : إني قد خلفت فيكم ثنتين : كتاب الله وسنتي … إلى آخره .

قلت : أيؤخذ بخبر فرد طالح ضعيف مردود عند أصحاب الجرح والتعديل والذين كتبوا في أحوال الرجال والرواة ، مثل الذهبي ويحيى والإمام النسائي والبخاري وابن عدي ، وغيرهم ، الذين ردوه ولم يعتمدوا رواياته ، أيؤخذ بقول هذا ويترك قول هذا الجمع الغفير والجمهور الكثير من علمائكم المشاهير ؟! وهم رووا بإسنادهم كما مر أن النبي (ص) قال : كتاب الله وعترتي ، ولم يقل ” وسنتي ” .

هذا من باب النقل .

وأما العقل : فلأن السنة النبوية والمروية عنه (ص) أيضا بحاجة إلى من يبينها ويفسرها كالكتاب الحكيم ، فلذا قال (ص) : وعترتي … لأن العترة هم الذين يبينون للأمة ما تشابه من الكتاب ، ويوضحون الحديث والسنة الشريفة ، لأنهم أهل بيت الوحي ، أهل بيت النبوة ، وأهل البيت أدرى بما في البيت .

حديث السفينة:

وإن من دلائلنا المحكمة في التوسل بأهل البيت (ع) الحديث النبوي الشريف : ” مثل أهل بيتي كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها هلك ” وهو حديث معتبر صحيح متفق ومجمع عليه ، وكما يخطر الآن ببالي ، أن أكثر من مائة من كبار علمائكم ومحدثيكم ، أثبتوا هذا الحديث في كتبهم منهم :

مسلم بن الحجاج في صحيحه(34).

أحمد بن حنبل في مسنده : 3/14 و17 و26 .

الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء : 4/306 .

ابن عبد البر في الاستيعاب .

الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد : 12/91 .

محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول : 20 .

ابن الأثير الجزري في : النهاية : مادة (زخ) .

سبط ابن الجوزي في تذكرة خواص الأمة : 323 .

ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة : 8 .

السمهودي في تاريخ المدينة .

السيد مؤمن الشبلنجي في نور الأبصار : 105 .

الامام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب ، في آية المودة .

السيوطي في الدر المنثور ، في تفسير : ( وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم )(35).

الثعلبي في تفسيره كشف البيان .

الطبراني في الأوسط .

الحاكم في المستدرك : 3/150 وج2/343 .

سليمان الحنفي القندوزي في ينابيع المودة / الباب الرابع والسادس والخمسون .

الهمداني في مودة القربى / المودة الثانية والثانية عشرة .

ابن حجر في الصواعق المحرقة : 234 .

الطبري في تفسيره وتاريخه .

الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ، باب 100 (36).

وذكر غير هؤلاء من أعاظم علمائكم بأسانيدهم وطرقهم أن النبي (ص) قال : مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها هلك ، أو : غرق ، أو : هوى ، والعبارات شتى ، ولعل النبي (ص) قاله كرارا وبعبارات شتى .

وقد أشار الإمام محمد بن إدريس الشافعي إلى صحة هذا الحديث الشريف في أبيات له نقلها العلامة العجيلي في ( ذخيرة المآل) :

ولمّا رأيت النـــــاس قد ذهبت بهم * مذاهبهـــم في أبـــــحر الغي والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهــــم * كما قد أمرنا بالتمــــــسك بالـحـبـــــل

إذا افترقت في الدين سبعون فرقة * ونيفا على ما جاء في واضـــح النقل

ولم يك ناج منهم غير فــرقـــــــة * فقل لي بها يا ذا الرجاحة والــعــقـــل

أفي الفرقــــة الهــلاك آل محمـــد * أم الفرقة اللاتـــي نجـت مـنهم قل لي

فإن قلت في الناجين فالقول واحد * وإن قلت في الهلاك حفت عــن العدل

إذا كان مولـــى القوم منهم فإنني * رضيت بهم لا زال في ظـــلهم ظــلــي

رضيت عليا لــي إمامــا ونسلـــه * وأنت من الباقين في أوســــع الــحـل

فلا يخفى على من أمعن ونظر في هذه الأبيات لعرف تصريح الشافعي وهو إمام أهل السنة والجماعة ، بأن آل محمد (ص) ومن تمسك بهم هم الفرقة الناجية وغيرهم هالكون ، وفي وادي الضلالة تائهون !!

فحسب أمر النبي الكريم (ص) وهو كما قال الله الحكيم : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى )(37).

الشيعة يتمسكون بآل محمد الأطهار وعترته الأبرار ، ويتوسلون بهم إلى الله سبحانه ، هذا من جانب .

ومن جانب آخر فقد خطر الآن ببالي ، بأن الناس إذا كانوا لا يحتاجون إلى وسيلة للتقرب إلى ربهم عز وجل والاستعانة به ، وإنه من توسل بأحد إلى الله تعالى فقد أشرك .

فلماذا كان عمر بن الخطاب ـ وهو الفاروق عندكم ـ يتوسل ببعض الناس إلى الله سبحانه في حالات الشدة والاضطرار ؟!

الحافظ : حاشا الفاروق عمر رضي الله عنه من هذا العمل ، إنه غير ممكن !! وإني لأول مرة أسمع هذه الفرية على الخليفة ! فلا بد أن تبينوا لنا مصدر هذا القول حتى نعرف صحته وسقمه .

قلت : كما ورد في كتبكم المعتبرة : أن الفاروق كان في الشدائد يتوسل إلى الله سبحانه بأهل بيت النبي وعترته الطاهرة ، وقد تكرر منه هذا العمل في أيام خلافته عدة مرات ، ولكني أشير إلى اثنين منها حسب اقتضاء المجلس :

1ـ نقل ابن حجر في كتابه الصواعق بعد الآية : 14 ، في المقصد الخامس ، أواسط الصفحة : 106 ، قال :

وأخرج البخاري أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس وقال : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد (ص) إذا قحطنا فتسقينا ، وإنا كنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ، فيسقون .

قال ابن حجر : وفي تاريخ دمشق : إن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا . فقال عمر : لأستسقينّ غدا بمن يسقيني الله به ، فلما أصبح غدا للعباس فدق عليه الباب ، فقال : من ؟ قال : عمر قال : ما حاجتك ؟ قال : أخرج حتى نستسقي الله بك . قال : اجلس.

فأرسل إلى بني هاشم أن تطهروا وألبسوا من صالح ثيابكم ، فأتوه ، فأخرج طيبا فطيبهم ، ثم خرج وعلي عليه السلام أمامه بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره .

فقال : يا عمر ! لا تخلط بنا غيرنا . ثم أتى المصلى فوقف ، فحمد الله وأثنى عليه . وقال : اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا ، وعملت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا ، فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا ، اللهم فكما تفضلت في أوله ، تفضل علينا في آخره .

قال جابر : فما برحنا حتى سحت السماء علينا سحا ، فما وصلنا إلى منازلنا إلا خوضا .

فقال العباس : أنا المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى . خمس مرات ، أشار إلى أن أباه عبد المطلب استسقى خمس مرات فسُقي(38).

2ـ في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(39) قال :

وروى عبد الله بن مسعود : إن عمر بن الخطاب خرج يستسقي بالعباس ، فقال : اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك وبقية آبائه وكبر رجاله ، فإنك قلت وقولك الحق : ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة …..)(40) فحفظتهما لصلاح أبيهما ، فاحفظ اللهم نبيك في عمه ، فقد دنونا به إليك مستشفعين ومستغفرين .

ثم أقبل على الناس فقال : ( استغفروا ربكم إنه كان غفارا )(41) إلى آخره .

انتهى نقل ابن أبي الحديد .

فهذا عمل الخليفة ، يتوسل ويتقرب بعم النبي (ص) إلى الله سبحانه ، وما اعترض عليه أحد من الصحابة ، ولا يعترض اليوم أحد منكم على عمله ، بل تحسبون أعماله حجة فتقتدون به ، ولكنكم تعارضون الشيعة لتوسلهم بآل محمد (ص) وعترته ، وتنسبون عملهم إلى الكفر والشرك والعياذ بالله !!

فإذا كان التوسل بآل محمد (ص) والاستشفاع بعترته الهادية عند الله عز وجل شرك ، فحسب رواياتكم فإن الخليفة الفاروق يكون مشركا كافرا ، وإذا تدفعون عنه الشرك والكفر ، ولا تقبلون نسبته إليه ، بل تصححون عمله وتدعون المسلمين إلى الاقتداء به ، فعمل الشيعة وتوسلهم بآل محمد (ص) أيضا ليس بشرك ، بل حسن صحيح .

وعلى هذا يجب أن تستغفروا ربكم من هذه الافتراءات والاتهامات التي تنسبونها لشيعة آل محمد (ص) وتكفرونهم وتقولون إنهم مشركون .

ويجب عليكم أن تنبهوا جميع أتباعكم وعوامكم الجاهلين على أنكم مخطئين في اعتقادكم بالنسبة للشيعة ، فهم ليسوا بمشركين ، بل هم مؤمنون وموحدون حقا .

أيها الحاضرون الكرام والعلماء الأعلام ! إذا كان عمر الفاروق مع شأنه ومقامه الذي تعتقدون به له عند الله سبحانه ، وأهل المدينة ، مع وجود الصحابة الكرام فيهم ، دعاؤهم لا يستجاب إلا أن يتوسلوا بآل محمد (ص) ويجعلوهم الواسطة والوسيلة بينهم وبين الله عز وجل حتى يجيب دعوتهم ويسقيهم من رحمته ، فكيف بنا ؟! وهل يجيب الله سبحانه دعوتنا من غير واسطة وبلا وسيلة ؟!

فآل محمد (ص) وعترته في كل زمان هم وسائل التقرب إلى الله تعالى ، وبهم ـ أي بسببهم وبشفاعتهم ودعائهم ـ يرحم الله عباده .

فهم ليسوا مستقلين في قضاء الحوائج وكفاية المهام ، وإنما الله سبحانه هو القاضي للحاجات والكافي للمهمات ، وآل محمد (ص) عباد صالحون وأئمة مقربون ، لهم جاه عظيم عند ربهم ، وهم شفعاء وجهاء عند الله عز وجل ، منحهم مقام الشفاعة بفضله وكرمه ، فقد قال سبحانه : ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه )(42).

هذا هو اعتقادنا في النبي وعترته الهادية وآله المنتجبين الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ولن تجدوا في كتبنا الاعتقادية والكتب الجامعة للزيارات والأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أكثر مما ذكرت لكم .

الحافظ : إن ما بينتموه عن اعتقادكم بأهل البيت ، رضي الله عنهم ، مخالف لما سمعناه من الآخرين وقرأناه بخصوصكم في كتب علمائنا المحققين .

قلت : دعوا أو اتركوا ما سمعتموه أو قرأتموه عن