الرئيسية / بحوث اسلامية / بناء المجتمع في دولة امير المؤمنين عليه السلام

بناء المجتمع في دولة امير المؤمنين عليه السلام

بناء المجتمع في دولة امير المؤمنين عليه السلام

– الحلقة الحادية عشر

السيد عبد الستار الجابري

المطلب الثالث: نماذج من برنامج قريش للتغيير الاجتماعي
ان اشد ما كان يشكل خطراً على المشروع القرشي هو تركيز القران الكريم والنبي (صلى الله عليه واله) على امامة اهل البيت (عليهم السلام) وانهم فقط من لهم اهلية الاشراف على تطبيق الرسالة الاسلامية، ولذا كان لابد لقريش من العمل على تغيير الفهم الاجتماعي لهذه الحقيقة لضمان استمرار منهجيتهم في ادارة البلاد بعيداً عن اهل البيت (صلوات الله عليهم).

وفيما يلي جملة من المخالفات التي ارتكبت في سبيل تدعيم سلطة قريش في قبال سلطة اهل البيت (عليهم السلام)

1. احتلال قريش للمسجد النبوي لضمان تطويق حركة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) ومنع من له رغبة به من الوصول اليه، فكانت بطون قريش مجتمعة في المسجد النبوي استعداداً لكل طارئ، وهذا الاحتلال يشكل تهديداً لاقرباء النبي (صلى الله عليه واله) ومصادرة لحرية المسلمين ، وهذان امران لا يمكن قبولهما باي شكل من الاشكال فان لاهل البيت (عليهم السلام) مكانة خاصة ومقاماً لا يصح معه تطويق بيوتهم وارهابهم، كما ان المناط في كل شيء الرجوع الى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه واله) وما قامت به قريش من قطع التواصل بين امير المؤمنين (عليه السلام) ومريديه لا يمكن ادراجه تحت اي عنوان من العناوين الجائزة شرعاً، فما جرى من قريش تطبيق لمبدأ مصادرة الحياة والتجاوز على الحقوق وهما مبدئان بعيدان عن روح الاسلام وقيمه الاجتماعية.

2. احتلال قبيلة اسلم لمدينة النبي (صلى الله عليه واله)، حيث كانت هذه القبيلة قد دخلت كحليف مهم لقريش ويظهر ان عمر بن الخطاب كان هو الطرف المهم في التفاهم بين قريش واسلم اذ كان يقود الاسلميين ويقتحم بيوت الممتنعين عن بيعة ابي بكر ويخرجهم بالاكراه من بيوتهم للبيعة ومن يلاقيه في الطريق يكرهه على البيعة .

3. الهجوم على دار فاطمة (صلوات الله عليها) وهو امر اجمع عليه جميع من ارخ لاحداث بيعة ابي بكر بعد رحيل النبي (صلى الله عليه واله) وان عمر امر بجمع الحطب على باب دارها وان الباب احرقت وقد ارخ لذلك شاعر النيل حافظ ابراهيم بقوله

وَقَولَةٍ لِعَلِيٍّ قالَها عُمَرٌ اكرِم بِسامِعِها أَعظِم بِمُلقيها
حَرَقتُ دارَكَ لا أُبقي عَلَيكَ بِها إِن لَم تُبايِع وَبِنتُ المُصطَفى فيها
ما كانَ غَيرُ أَبي حَفصٍ يَفوهُ بِها أَمامَ فارِسِ عَدنانٍ وَحاميها
كِلاهُما في سَبيلِ الحَقِّ عَزمَتُهُ لا تَنثَني أَو يَكونَ الحَقُّ ثانيها
فَاِذكُرهُما وَتَرَحَّم كُلَّما ذَكَروا أَعاظِماً أُلِّهوا في الكَونِ تَأليها

ولعمري ان البيتين الاخيرين من القصيدة لهما دليل على مستوى تبديل الفهم الاجتماعي والابتعاد به عن حقيقة مباني الاسلام حيث يتساوى في نظر الشاعر امير المؤمنين (عليه السلام) وعمر مع ما في قول عمر – الذي يتبنى الشاعر صدوره عنه – من مخالفة صريحة للقران الكريم الذي اوجب مودة اهل البيت (عليه السلام) في قوله تعالى (قل لا اسئلكم عليه اجرا الا المودة في القربي) وما شهدت به الروايات المتواترة عن النبي (صلى الله عليه واله)

انه لم يكن يدخل دار فاطمة (عليها السلام) الا مستئذناً فيم يهدد عمر بحرق الدار عليهم، انها خطوة مهمة جداً للسلطة القرشية، ذلك لان احتفاظ اهل البيت (عليهم السلام) بمقامهم في النفوس سيعجل بانهيار الحكم القرشي وعودة الحق الى نصابه، فكانت هذه الخطوة خطوة مدروسة جداً اشتركت في اثمها جميع قبائل قريش وتحمل وزرها خذلان الانصار وكان محققها احتلال اوباش اسلم للمدينة، انها مرحلة خطرة جدا بالنسبة لقريش وان عليهم ان يرتكبوا كل الموبقات للوصول الى سدة الحكم وازواء الحكم عن علي (صلوات الله عليه) .

وقد ارخ العلامة الكمباني واقعة الدار بارجوزته العصماء:
قال سليمٌ قلتُ يا سلمانُ هل دخلوا ولم يكو استئذانُ

فَقَالَ إِي وعِزَةِ الجبـــــــــــارِ وما على الزهراءِ من خمــارِ
لـكنها لاذتْ وراءَ البــــــــابِ رعايةً للسترِ والحجـــــــــابِ
فمُذ رَأَوها عصروها عصره كادت بنفسي أن تموتَ حسره
نادت أيا فضةُُ أسندينـــــــــي فقد وربي أسقَطُــــــــوا جَنِينِي
فَأسقَطَت بنتُ الهدى وا حزنَا جَنِيـــــنَها ذاكَ المسمَى مُحْسِنا
أتُضْرَمُ النارُ بِبَاب دَارِهـــــا وآيةُ النُــــــــــورِ على منارِها
وبابُها بابُ نبيِ الرحمــــــــةْ وبابُ أبوابِ نجاةِ الأمـــــــــــة
بل بابُها بــــابُ العليِ الأعلى فثَمَ وجهُ اللـــــــــــــهِ قد تجَلَى
فاكْتَسَبُوا بالنارِ غَيرَ العـــــارِ ومن ورائِهِ عذابُ النــــــــــارِ

ما أجْهَلَ القومَ فإن النـــــــارَ لا تُطْفِأُ نورَ اللـــــــــــــهِ جَلَ وعلى
فاحْمرَتِ العينُ وعيـــنُ المعرفةْ تُذْرَفُ بالدمعِ عَلى تلك الصِفَـــــةْ
ولا يُزيلُ حُمْرَةَ العَيــــــنِ سِوى بِيضُ السُيوفِ يومَ يُنْشَرُ الـــــلِوا
وللسياطِ رَنَـــــــــــــــةٌ صَدَاهَــا فِي مَسْمَعِ الدَهْـــــــرِ فَمَا أَشْجَاهَا
والأَثَرُ البَاقِي كَمِثْـــــــــلِ الدُمْلُجِ في عَضُدِ الزَهْرَاءِ أَقْوَى الـحُجَجِ
ومن سَوَادِ مَتنِهَا اسْودَ الفضـــــا يا ساعدَ اللـــــهُ الإمامَ المرتضى
ووَكزُ نَعلِ السَيفِ فِي جَنْبَيْهَـــــا أتَى بِكُلِ مَا أَتَــــــــــــــــى عَليها
ولَسْتُ أَدْرِي خَبَرَ المِسْمَـــــــــارِ سَلْ صَدْرَهَا خِزَانَةَ الأسْـــــــرارَ
وفِي جَبِينِ المَجْدِ ما يُدْمِي الحَشَا وهَلْ لَهُمَ إخْفاءُ أمـــــــــرٍ قد فشا
والبابُ والجِدَارُ والدِمـَـــــــــــاءُ شُهُودُ صِدْقٍ مَا بِهَا خَفَـــــــــــاءُ

لَقَدْ جَنَىْ الجَانِي عَلَى جَنِينِها فَانْدَكَتِ الجِبَالُ مِنْ حَنِينِـــــــــها
أَهَكَذَا يُصْنَعُ بِابْنَـــــــةِ النَبِي حِرْصًا على المُلكِ فَيَــــا لِلْعَجَبِ
أَتُمْنَعُ المَكْرُوبَةُ المَقْرُوحَــــه عَنِ البُكَاءْ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَـــــــةْ
واللهِ يَنْبَغِي لَهَا تَبْكِي دَمَــــــا مَا دَامَتِ الأَرْضُ ودَارَتِ السَمَاءْ
لِفَقْدِ عِزِهَا أبِيــــــــهَا السَامِي ولِاهْتِضَامِهَا وذِلِ الحَــــــــــامِي
لَـكِنَ كَسْرَ الضِلْعِ لَيْسَ يَنْجَبِرْ إلا بِصِمْصَـــــــــامِ عَزِيزٍ مُقْْتَدِرْ
إِذْ رَضُ تِلْكَ الأَضْلُعِ الزَكِيَةْ رَزِيَةٌ مَا مِثْلُهَا رَزِيَــــــــــــــــــةْ

4. تأميم ممتلكات اهل البيت (عليهم السلام)
من الامور الاخرى التي قامت بها الادارة القرشية في سبيل اضعاف اهل البيت (عليه السلام) من الناحية الاقتصادية والسياسية والتي لها اثر اجتماعي مهم قضية تاميم املاك اهل البيت (عليه السلام) ففدك والعوالي من الاموال التي نحلها رسول الله (صلى الله عليه واله) للسيدة فاطمة (صلوات الله عليها) وفي حياة رسول الله (صلى الله عليه واله) كان عمال فاطمة يعملون فيها وكانت واردتها توضع بين يدي رسول الله (صلى الله عليه واله)

ليبذلها فيما يراه مناسباً لرفع شأن دولة الاسلام، فهي في ذلك كأمها السيدة خديجة (رضوان الله عليها) التي بذلت كل امكانياتها المادية في سبيل خدمة الدعوة الى الله حتى قيل ان الاسلام حفظ بسيف علي واموال خديجة، فكانت سيرة السيدة الزهراء (عليها السلام) في القضايا المالية كسيرة ابيها (صلى الله عليه واله) وامها (رضوان الله عليها)

وبعلها امير المؤمنين (عليه السلام) الذين كانوا يبذلون كل ما عندهم في سبيل ثم يبيتون طاوين لا يجدون ما يأكلون حتى اعظم الله تعالى لهم ذلك فانزل سورة الانسان لتحكي عظيم التضحية بدنياهم في سبيل الله، في الوقت الذي كانوا غير ملامين لو تمتعوا باليسير من الامكانيات المادية الا انهم جعلوا طلب القرب منه تعالى مقدم على دنياهم.

وبعد وصول العصابة القرشية الى السلطة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه واله) وهم يعلمون الاهمية المالية لفدك والعوالي وانهما اذا بقيتا فستكونان رافداً لعلي (صلوات الله عليه) في اعادة سلطانه المنتهب فكان قرارهم مصادرتهما والتصرف بوارداتها بما يعزز سلطانهم، فكانت هذه الخطوة تهدف الى اضعاف الواقع الاجتماعي لاهل البيت (عليهم السلام) من خلال التضييق عليهم مادياً، فمما لا شك فيه ان للمال دور في تنمية العلاقات الاجتماعية اذ ان اغاثة الملهوف وقضاء دين المدين وسد حاجة المحتاج واقراء الضيف ودعم الانصار للمال فيه دور كبير، فلذا عمد لتجفيف منابع الحضور الاجتماعي الفاعل لاهل البيت (عليهم السلام) من خلال مصادرة اموالهم، وهذه السياسية تتنافى تماماً مع القيم الروحية للاسلام وما جاء به النبي (صلى الله عليه واله) نعم هي امتداد لأخلاق الجاهلية واعراف البداوة في القضاء على الخصوم وامتداد للمرض الاجتماعي لقبائل قريش تجاه بني هاشم الذي شهد به ابو جهل المخزومي حيث قال كنا وبنو هاشم كفرسي رهان فلما اطعموا فاطعمنا وسقوا فسقينا فلما تساوت الركب قالوا منا نبي فمن يقدر على ذلك.

ان المنهج الاسلامي يحترم المال الخاص ولا يتعرض له بسوء حتى لو كان ذلك المال لاهل الكتاب فضلاً عن المنافقين الذين يظهرون الاسلام، الا اذا اعلنوا حربا صريحة ووقع السيف بينهم وبين المسلمين، وفي ذلك حفظ للقوى الاجتماعية وبيان للعالم كله ان الاسلام كدين مبني على الايمان بقيمه ومبادئه وكدولة يكفي فيها المواطنة وعدم الاضرار بأمنها ومؤسساتها واحترام دستورها والتقيد به، وان المجتمع يحفظ بكبرائه وبقيمه الاخلاقية والاجتماعية، نعم الكل متساوون في الحقوق والواجبات والقانون هو الحاكم فوق الجميع، الا ان التفاوت بين الافراد امر تكويني فلكل موقعه وحقه ويجب ان تحفظ كرامته، هذه هي مباني الاسلام العظيمة التي طبقها رسول الله (صلى الله عليه واله) بكل وضوح ومن يراجع غزوة طي وحديث سفانة بنت حاتم مع النبي (صلى الله عليه واله)

يستكشف طبيعة الاحترام الذي تعامل به النبي (صلى الله عليه واله) مع تلك الاسيرة لان اباها كان يحب مكارم الاخلاق وكيف بذل لها ما كان له من غنيمة وتشفع لها فيما بين ايدي المسلمين، فان رعاية ذوي المكانة الاجتماعية من قيم الاسلام الاصيلة، كما ان يلحظ سيرة المسلمين مع قوم السيدة جويرية بنت الحارث التي كانت بين سبي قومها فاعتقها رسول الله (صلى الله عليه واله) وتزوجها بعد ان اختارته على اهلها، فاعتق المسلمون ما بين ايديهم من سبايا واسارى ممن كانوا غنائم حرب وتنادوا بينهم ان اصهار رسول الله (صلى الله عليه واله) لا يسترقون، فكان فعل المسلمين انعكاس لخلق اجتماعي يحفظ كرامة من له قيمة اجتماعية مرموقة فالمسلمون رأوا ان ليس من المناسب ان يكون صهراً لرسول الله (صلى الله عليه واله)

وقريباً لزوجه السيدة جويرية بنت الحارث عبدا مسترقاً، فهذه قيم زرعها الاسلام في نفوس المسلمين، ولو نظرنا لوجدنا ان المسلمين في القضيتين المذكورتين بذلوا اموالهم اكراما لرسول الله (صلى الله عليه واله) لان غنائم الحرب ملك للمقاتلين بعد اخراج خمسها، ولكن الذي حصل بعد رحيل النبي (صلى الله عليه واله) كان انقلاباً على القيم الاجتماعية التي اصلت في نفوس المسلمين في ايام رسول الله (صلى الله عليه واله)

وبدلا من حفظ كرامة اصحاب المقام الاجتماعي السامي الذين لا يبلغ مقامهم احد عمدت السلطة الى مصادرة اموالهم ظلماً وعدواناً لإضعاف موقعهم في نفوس الامة والحط من قدرهم، وكان هذا ديدن السلطة مع كل الشخصيات الاجتماعية التي لم تكن على وئام مع منهجيتهم، حيث حطوا من قدر سعد بن عبادة الخزرجي الذي كانت الاوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة تكاد ان تبايعه قبيل وصول ابي بكر وعمر الا ان مسارعة بشير بن سعد الخزرجي الى بيعة ابي بكر فتت في موقف الانصار وتسارعوا لبيعة ابي بكر منهين بذلك دور الانصار السياسي في الدولة, والحال نفسه جرى مع مالك بن نويرة (رضوان الله عليه)، فلم تبق لذي مقام اجتماعي كرامة مادام لا يسير ضمن المخطط الذي رمت اليه قريش في سبيل سيطرتها على مقاليد حكم الدولة.

5. رفض دعوى السيدة فاطمة فدكاً ورد شهادة امير المؤمنين (عليه السلام) والحسنين (صلوات الله عليهما)
من القضايا الاجتماعية التي عمدت اليها السلطة القرشية لتدعيم سلطانها هو ردهم لدعوى الزهراء (عليها السلام) انها تملك فدكاً وانها نحلتها من رسول الله (صلى الله عليه واله)، ولما طلبوا منها الشهود جاءتهم بامير المؤمنين (عليه السلام)

وام ايمن الحبشية (رضوان الله عليها) والحسنين (صلوات الله عليهما) الا ان السلطة الحاكمة رفضت قبول شهادتهم بان رسول الله (صلى الله عليه واله) انحلها فدكاً والعوالي، وهي مسألة في غاية الخطورة اذ لم اظهرت السلطة الحاكمة ان اهل البيت (عليه السلام)

ليست لهم اية خصوصية، بل اظهرت السلطة بردها شهادة امير المؤمنين (عليه السلام) وقولهم انهم يدني النار من قرصه انه لا يقرون بعدالته (صلوات الله عليه) وهو الذي امر الله تعالى بطاعته مجردا عن كل شرط، وهو من اخبر رسول الله (صلى الله عليه واله) انه عدل القران في الدلالة على الهدى، ان هذه المسألة من الناحية العقائدية والفقهية والاخلاقية غاية في الخطورة، فرسول الله (صلى الله عليه واله) اكرم سفانة بنت حاتم الطائي لان اباها كان يحب مكارم الاخلاق وتأتي فاطمة (صلوات الله عليها) التي اخبر عنها رسول الله (صلى الله عليه واله)

انها سيدة نساء اهل الجنة، وانها روحه التي بين جنبيه، فترد دعواها لحق لها تأتي بعدل الله ليكون شاهداً لها فترد شهادته وبولديها الذين اخبر رسول الله (صلى الله عليه واله) انهما سيدا شباب اهل الجنة وانهما عدل القران الكريم في الدلالة على الهدى فترد شهادتهم، وقريش والانصار جلوس وقد سمعوا كلام الله ووعوه، انهم كانوا واقعين تحت تأثير مقتضيات هيمنة قريش على العرش، فرموا وراء ظهورهم كل ما تقتضيه العقيدة والشرعية والاخلاق والقيم الاجتماعية من وجوب اكرام ال بيت النبي (صلى الله عليه واله) واعلاء قدرهم والرجوع اليهم في كل شيء يتعلق بدين الناس ودنياهم، الا ان قريشا المتسلطة سعت الى هدم هذه القيمة الاجتماعية والمرجعية الروحية لاهل البيت (عليهم السلام) لان مقتضيات استمرار تسلطهم على رقاب المسلمين بلا وجه حق.

6. المنع من تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه واله) كان من مقتضيات استمرار السلطة القرشية المنع من تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه واله) وقد عمدوا الى ذلك في حياته (صلى الله عليه واله) حيث روي ان عبد الله بن عمر اراد ان يكتب حديث رسوله الله (صلى الله عليه واله)

فنهاه القرشيون عن ذلك وقالوا انه رجل يصيب ويخطئ، ثم عمدوا الى ما دون في ايام النبي (صلى الله عليه واله) فاحرقوه ، ومنعوا تدوين السنة النبوية لان التدوين يعني ضبط احاديث النبي (صلى الله عليه واله)

ومنع التلاعب المستقبلي فيها، واستمر المنع الى زمان عمر بن عبد العزيز الاموي الذي شعر ان عدم تدوين السنة من شانه ان يتسبب في ارباك الامور الادارية للدولة فامر بالتدوين فدون المدونون كل ما وقوفوا عليه دون تمييز بين الموضوع والمكذوب والمصحف فلما تطور تاريخ التدوين ووضعت قواعد الجرح والتعديل اسقطت الالاف من الروايات عن الاعتبار، ان مسألة التجهيل بالسنة النبوية ولدت اجيالا لم تفهم الدين فهماً صحيحاً الامر الذي ترك اثره السلبي على واقع المسلمين الفقهي والاداري والاجتماعي، اذ كل بلدة كانت تاخذ عن الصحابة الذي كانوا فيها وغالبهم كان قليل الحضور عند النبي (صلى الله عليه واله) والاستماع اليه على تعبير بعضهم شغلنا عن رسول الله (صلى الله عليه واله)

الصفق في الاسواق، ونتج عن هذه السياسية تضييع السنة النبوية وخلطها بما ليس منها، وتحكيم اهواء السلطة في ما يكتب المدونون ويخفون ما لا يرتضيه المتربع على عرش الدولة، فكانت هذه الامة في واقعها الاجتماعي كما كان بنو اسرائيل الذين حرفوا الكتاب عن مواضعه، غاية الامر ان الله تعالى عصم القران الكريم من ان تناله يد التلاعب والتزوير ولكن تلك اليد الاثمة نالت السنة النبوية المطهرة التي هي ترجمان القران الموضح لمجمله ومتشابهه والمبين لاحكامه وسننه، فنشأ جيل على الخلل الفكري الذي نقله له من لم يكن اهلا في حفظ السنة النبوية ولا في فهم الايات الكريمة.

7. الغاء مرجعية اهل البيت (عليهم السلام)
مرجعية اهل البيت (عليهم السلام) من الامور التي قام عليها الدين الحنيف ودلت عليها النصوص القرانية والسنة النبوية المطهرة وتكفي اية التصدق بالخاتم وحديث الثقلين وبيعة الغدير ادلة ثابتة عليها لمن لم يجعل هواه دليله، ولكن الذي حصل بعد رحيل النبي (صلى الله عليه واله) الغاء تام لمرجعية اهل البيت (عليهم السلام) ووضعهم دون موضعهم الذي وضعهم الله فيه، وابدال مرجعية اهل البيت (عليهم السلام)

بمرجعية الحكام، فاصبح الحاكم هو المرجع للامة وعليها طاعته وقهروا الامة على قبول ولاية الحاكم واكرهوهم على العمل بها، وهكذا اصبح المجتمع مسيراً بارادة الحاكم، ومرجعه في تشخيص الاحكام والامور هو السلطة الحاكمة، وتنامى الامر مع السنين واصبح المجتمع يرى قدسية الحكام ثم بعد ذلك تحول الى المجتمع الى تقديس كل من عاصر رسول الله (صلى الله عليه واله)

وقد ادت سياسة منع تدوين الحديث الى ضم سير الصحابة والتابعين الى ادلة التشريع بحيث لم يصبح عن مجتمع عامة المسلمين انحصار ادلة التشريع بالقران والسنة المطهرة، بل تعداه الى سيرة الصحابة واقوالهم الفقهية وفتاواهم واقيستهم لتصبح ادلة لهم في التشريع واستنباط الاحكام، وهكذا لم يعد التشريع منحصراً بالقران الكريم والسنة النبوية بل تعداه الى دائرة اوسع وهذا يكشف عن خلل اجتماعي عظيم اسست له السلطة القرشية بعد النبي (صلى الله عليه واله) وظهرت نتائجه بينة في اواخر العصر الاموي وبداية العصر العباسي، وقد عمد الامويون والعباسيون الى تاصيل الانحراف عن مرجعية اهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع باساليب وطرق متعددة تعرض لها المتقدمون في ثنايا كتبهم.

8. التمييز الطبقي
عمد التشريع الاسلامي الى المساواة بين المسلمين في الحقوق والواجبات، وان المسلمين سواسية كاسنان المشط، وان المناط في التمايز بين المسلمين هو التقوى، والتقوى امر خفي لا يقف عليه الا الله تعالى ومن اختصهم بالاطلاع على الخفايا، اما مظاهر التقوى فيمكن ان يشخصها الفرد بعد معرفته لمناطات التقى التي نطقت بها الشريعة الالهية، وكان هذا المناط مطبق في عهد رسول الله (صلى الله عليه واله) المعين من قبل الله تعالى للاشراف على تطبيق الشريعة واحكام الدين وقيمه، وكان (صلى الله عليه واله)

اول يطبق تلك الاحكام على نفسه وخاصته حتى انه زوج بنت عمه السيد زينب بنت جحش لمولاه زيد بن حارثة مع الفارق الاجتماعي الكبير بينهما فالسيدة زينب سليلة النسب والحسب القرشيين فامها بنت عبد المطلب (رضوان الله عليه) سيد البطحاء فهي بنت عمة النبي (صلى الله عليه واله)، وزيد لم يكن سوى مولى اسود اللون عاش في خادماً للسيدة خديجة (رضوان الله عليها) فوهبته للنبي (صلى الله عليه واله)، الا ان اثبات المساواة بين المسلمين على اسس التقوى كانت هي المناط ، كما ساوى النبي (صلى الله عليه واله)

بين المسلمين في العطاء، والعطاء في تعبير اليوم هو ما تقدمه الدولة من دعم مالي للمواطنين لغرض تحسين حياتهم الاقتصادية وفي تلك الازمنة لم تكن الدولة تتبنى توفير الخدمات العامة بل العمل ينجزه القطاع الخاص فلذا كانت الدولة تقدم الاعانات المالية بصورة مباشرة للمواطن، فكان العربي والاعجمي والحر والعبد والكبير والصغير يستلمون قدراً متساوياً من المال، ولكن الامر لم يستمر كذلك فما ان وصل عمر الى سدة الحكم حتى قانون التمييز الطبقي فميز في العطاء بين على اسس عرقية وعشائرية ففضل قريش على الانصار وفضل الانصار على سائر العرب وفضل العرب على سائر العجم وفضل الاحرار على العبيد، فاسهم ذلك التمييز الطبقي في ظهور طبقية واضحة في المجتمع المسلم وعلى نهج عمر سارت المناهج التي جاءت بعده ليمثلها عثمان باقصى طرق التمايز حيث فضل بني امية على الجميع واختصهم باموال المسلمين واصبحت بيت مال المسلمين ملكاً صرفاً للامويين يعبثون به كيف يشاؤون،

فظهر الثراء الفاحش في بيوت الزعامات القرشية حتى قيل ان في مربط عبد الرحمن بن عوف الف فرس اصيل، ومات احدهم وترك من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس، بل اصبحت الاقطاعات الزراعية والممتلكات والقصور امر مشهود للزعامات القرشية فعبيد الله بن عمر كانت له اقطاعية ضخمة سميت بكويفة ابن عمر، وحمى عثمان الكلأ فلم يسمح للمسلمين برعي مواشيهم في الحمى الخاص به، وكتب السير والتاريخ زاخرة بالكثير من هذه الوقائع التي انحرف فيها المجتمع عن سيرة النبي (صلى الله عليه واله)

الذي كان يبذل كل ما يصله في سبيل اعلاء كلمة الله ليتحول الى اكتناز للذهب والفضة وتفاخر بينهم في ذاك وتحولت الحياة الى حياة قصور وبذخ خاصة بعد القضاء على الامبراطوريات المجاورة والاستيلاء على ما حوته القصور والخزائن من الذهب والفضة والمجوهرات والاحجار الكريمة والجواري الجميلة والسبايا والعبيد الذين كانوا يتاجرون ببيعهم حتى ازدهرت اسواق النخاسة وبيع العبيد والجواري.

لقد حول التمييز الطبقي الواقع الاجتماعي للمسلمين من واقع التكافل والتراحم واعتماد التقوى ميزاناً في التعامل بين الناس الى حياة مادية الى درجة كبيرة ادت الى ضياع الحقوق وانتهاك الكرامات وتحول المجتمع رويداً وريداً الى عبيد للحكام بعد ان كان ينتظر منهم حسب قيم الدين الاسلامي ان يكونوا عبيداً لله احراراً في دنياهم.

9. اشغال الامة بالغزو وتجهيلها بامور الدين
تم للسلطة القرشية القضاء على الحركة السياسية المخالفة في المدينة والمتمثلة بموقف امير المؤمنين (عليه السلام) والثلة المؤمنة التي بقيت وفية لعهد رسول الله (صلى الله عليه واله) فيه بعد الهجوم على دار فاطمة (صلوات الله عليها) بطريقة يندى لها وجه الانسانية، والقضاء على حركة الانصار في سقيفة بني ساعدة، وخارج المدينة بارسال القوات العسكرية بقيادة خالد بن الوليد المخزومي بطل فرسان المشركين يوم احد واحد اعمدة التأسيس لحكم قريش منذ بداية انهيار المعسكر القرشي في صلح الحديبية، وقد نهض بالمهمة على اكمل وجه فقضى على كل المخالفين للسلطة القرشية سواء منهم من كان مؤمناً متديناً بالاسلام كمالك بن نويرة وقومه الذين قتلهم خالد غيلة وغدراً ام كان ممن ارتد عن الاسلام كمسيلمة الكذاب.

وبقيت السلطة القرشية تواجه خطراً اخرى، وهو خطر وعي الامة، فأن الامة اذا انتهبت الى انها خالفت رسول الله (صلى الله عليه واله) الذين تدعي انها ترجع اليه في كل شؤونها وتأخذ منه احكام دينها، وان شرع سيد المرسلين واحكام دينه تقتضي ان يكون مرجع الامة من بعده هم اهل بيته (عليهم السلام) فإن ذلك سيولد خطراً كبيراً على مستقبل سلطة قريش التي عمدت الى تسخير الدين لصالحها، ولذا كان لابد من اختيار برنامج يلهي المجتمع المسلم عن التعلم والتفكير وان تبنى الاجيال بالشكل الذي يضمن بقاء واستمرار الزعامة القرشية على العالم الاسلامي وان يكون المجد الذي بناه محمد (صلى الله عليه واله) مجداً قرشياً وليس حكماً الهياً ودستوراً سماوياً.

فكان الخيار الامثل اشغال المجتمع بالغزو، فالعرب امة فروسية وغزو وحرب وهذا امر يشهد به تاريخهم، حيث كانوا يتفاخرون بالفروسية والشجاعة وقتل الاقران، بل ويفتخر ذوي المقتول ان كان القاتل من الابطال ومن علية القوم، حتى ان ابنة عمرو بن معد كرب بطل قريش يوم الخندق كانت تفخر ان قاتله امير المؤمنين (عليه السلام)، فقررت السلطة القرشية الاستفادة من هذه الخصلة الاجتماعية في المجتمع العربي مع اضفاء قالب الجهاد في سبيل الله ونشر الاسلام عليه لدفع المجتمع المسلم نحو خوض الحروب على جبهتي بلاد فارس وبلاد الروم، مع ما سيوفره الغزو والفتوحات من ثراء مادي كبير لان تلك الامم حضارات عريقة يمتد عمرها الى مئات السنين وتحوي خزائنها من الذهب والفضة والاحجار الكريمة مالم يعهده عرب الصحراء، كما تحوي قصورها ومدنها وقراها من الفتيات الجميلات مالم يدر في خلدهم فسيخطف بريق المال ابصارهم ويسلب جمال النساء البابهم فيغرقون في ملذات الحياة الجديدة وثرائها الواسع ولا يعبأون بما يرسم لهم في اروقة السياسة وادارة البلاد واعادة تشكيل العقلية الاجتماعية.

وهكذا انهارت الامبراطورية الفارسية والامبراطورية الرومانية تحت سنابك خيل المسلمين التي قادها القرشيون لمنع الخروج عن الدائرة التي رسمتها السلطة المركزية في المدينة، وفاز المقاتلون بالغنائم فيم ارسلت اخماس الغانم الى خزانة الدولة المركزية، فكان على جبهة العراق خالد بن الوليد ثم خلفه سعد بن ابي وقاص، وكان على جبهة الشام اسامة بن زيد ثم خلفه خالد بن الوليد وعكرمة بن ابي جهل ثم ابو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص.

وفي فترة الحرب في جنوب المدينة كان الانصار بين مقاتلي الجيش، اما في الحروب على الجبهات الخارجية في شمال المدينة في بلاد فارس والروم لم يؤذن للانصار بالمشاركة الا بقدر يسير وكان عماد الجيش القبائل العربية التي حملت السلاح من اليمن وبلاد نجد وقبائل العربية في العراق والشام، ذلك لان القيادة السياسية في المدينة علمت ان فسح المجال للانصار الذين بدأوا شيئاً فشيئاً يندومون على ما بدر منهم في السقيفة يعني عودة دعم حركة المعارضة السياسية التي تجنح نحو امير المؤمنين (عليه السلام)، واستمر ذلك طيلة عهد ابي بكر وعمر، ولما جاء عثمان الى السلطة كانت قدرة السلطة المركزية قد استحكمت ولم يعد الانصار يشكلون خطرا يواجه السلطة خاصة بعد ان اصبح المسؤول عن بناء الثقافة المجتمعية مسلمة اهل الكتاب ككعب الاحبار ووهب ابن منبه وتخرج على ايديهم الكثير واصبحت الحقائق مشوهة وغيرت الاحكام واصبح المجتمع يجهل حق وحقيقة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)،

واصبح مداراة السلطة والخشية من بطشها امر واقع في المجتمع الاسلامي ترجمه بوضوح نفي ابي ذر (رضوان الله عليه) الى الشام ومنها الى الربذة حتى مات غريباً وحيداً، وضرب عمار (رضوان الله عليه) بعد ان اجتمع مع جماعة من الصحابة على كتابة كتاب الى عثمان ينكرون عليه مخالفاته للشريعة واتفقوا على يذهبوا جميعاً الى عثمان ولكنهم عندما وصولوا باب القصر اخذوا بالتسرب خوفاً من بطش عثمان وسار عمار (رضوان الله عليه)

وحيداً وسلم الكتاب الى عثمان الذي استشاط غضباً فضرب عمار وداس في بطنه حتى حمل من القصر مغمى عليه. والبطش بعبد الله بن مسعود الذي كان مسؤول بيت المال في الكوفة ورفضه لاوامر عثمان في التصرف بالمال على خلاف احكام الشريعة فضربه عثمان حتى تكسرت اضلاعه وقطع عطاؤه من بيت المال حتى فارق الدنيا متأثراً بما ارتكبه فيه عثمان واوصى ان مات ان لا يحضر جنازته عثمان ولا يخبر عن وفاته.

وعلى عكس ما كان رسول الله (صلى الله عليه واله) في تعاطيه مع الامة حيث كان يتعامل معهم كاحد ابناء الامة من حيث الحقوق والواجبات اصبح الجهاز الحاكم يتعامل باستعلاء كبير يتجاوز حدود الشرعية والاحكام الالهية، حتى ان عامل الكوفة هو اخ عثمان لامه شرب الخمر وصلى بالناس الصبح ثمان ركعات وقاء الخمر في محراب الصلاة وسلب منه خاتمه وهو لا يشعر فلما جاء الشهود الى الكوفة اراد عثمان التنكيل بهم لولا ان امير المؤمنين (عليه السلام) تصدى له وجلد الوليد اخ عثمان حد شرب الخمر بيده الشريفة.

وبدلا من ان يكون المجتمع مجتمعاً حراً يحمل هموم امة وينشر فكراً ناصعاً بعد ان يعيه ويفهمه اصبح المجتمع يداري السلطة الحاكمة حفاظاً على منافعه ومصالحه ومركزه في السلطة.

فكان ما سمي بالجهاد والفتوحات في واقع الحال يهدف الى تحقيق امرين مركزيين الاول همينة قريش على الواقع السياسي للامة وان يكون لقريش قيادة الامة، الثاني تجهيل الامة بحقيقة الدين وتقديم دين يتلائم مع مقتضيات الحفاظ على السلطة القرشية كي يسهل بعد ذلك قيادة المجتمع الذي سيأخذ فقهه ودينه من البرامج التي ترسمها السلطة بما لها من قدرة مالية وقهر وجبروت يسهم بدرجة كبيرة في بروز شخصيات وازواء شخصيات اخرى، وهذا حقيقة واقعية تعيشها جميع المجتمعات البشرية سواء ما كان منها قبل الاسلام في عصور سيطرته او عصرنا الحاضر، فان للسلطة دور مهم في ارساء ثقافات معينة وقيم خاصة فمن دعاوى الدين الى الدعوة القومية ثم الى الدعوة الوطنية ضمن الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو وواقع الاستعمار الصليبي لبلاد المسلمين الذي كان لبريطانيا وفرنسا فيه الدور الكبير في القرنين التاسع عشر والعشرين ثم الدور الامريكي – الاسرائيلي – الاوربي في نهايات القرن العشرين واوائل القرن الحادي والعشرين.

10. تغيير البنية الثقافية للمجتمع المسلم
بعد اشغال القبائل العربية بالغزو والحروب وجني الاموال واقتناء الجواري، كان الخطوة اللاحقة زج الموالي في الجانب الثقافي بحيث لم يمض القرن الاول الهجري حتى اصبح قادة الخط الثقافي في بلاد المسملين من الموالي الذين احتلت جيوش المسلمين بلدانهم وكانوا عبيداً ثم اعتقوا وهؤلاء كانوا ياخذون المعلومات ممن وجدوهم من الاساتذة الذي كانوا يدرسون في المساجد التي كانت تعتبر معاهداً علمية في ذلك الوقت فبرز الموالي كحفاظ للقران ومحدثين وفقهاء واصوليين ومؤرخين ولغويين وانزوى دور العرب انزواء كبيراً لانهم لم يكونوا اهل علم وثقافة بل كانوا اهل حرب وغنائم، وحيث ان كل متتلمذ انما يأخذ عن اساتذته والموالي يجهلون واقع اهل البيت (عليهم السلام) لان الموالي انما وجودوا من يتحدث بإسم الاسلام مخالفاً لاهل البيت (عليهم السلام)

بل كان العطاء في عهد بني امية لا يسلم الى المواطن المسلم الا بعد ان يسب علياً (صلوات الله عليه) ويبرأ منه، بل زاد الامويون على ذلك ان سب علي (صلوات الله عليه) جزء من الاذان والصلاة وكان كالذكر الواجب وكالتسبيح والتهليل والتحميد بل كان اهم، ولذا نشأت اجيال على بغض اهل البيت (عليهم السلام) والعداء لهم ولشيعتهم، نعم يستثنى من العرب الاشاعرة اليمانيون الذين حملوا التشيع فكراً ومنهجاً واسسوا سنة 82 للهجرة في مدينة قم مركزاً ثقافياً شيعياً خالصاً بعيداً عن هيمنة السلطة فحفظوا الدين من التحريف والتزوير وكان ارتباطهم مباشراً باهل البيت (صلوات الله عليهم).

وبالطريقة التي اشرنا اليها تمكنت السلطة من ايجاد منهج خاص بها عممته على جميع بلدان المسلمين لتتمكن من خلاله بالتحكم بالمجتمع المسلم على الصعيد الفقهي والعقائدي والاخلاقي وتؤسس لمنهاج جديد يسخر الدين في مصلحة السلطة الحاكمة.

ولعل من ابرز الشواهد على ذلك ان اياً من علماء العامة لم يكتب شيئاً في فضائل اهل البيت (عليهم السلام) حتى ظهرت الدولة الفاطمية في المغرب وامتد سلطانها الى مصر فكتب علماء العامة في فضائل اهل البيت (عليهم السلام) لاول مرة في تاريخهم، وممن كتب في ذلك الوقت محب الدين الطبري والنسائي وابن المغازلي وامثالهم الذي اطلقوا العنان في ظل الحرية الفكرية التي سمحت بها الدولة الفاطمية التي حكمت زهاء قرنين من الزمن حتى سقطت على يد الارهابي صلاح الدين الايوبي الكردي التكريتي الطائفي.

شاهد أيضاً

“ثلاثة يُدخلهم الله الجنّة بغير حساب: إمامٌ عادل، وتاجرٌ صدوق، وشيخٌ أفنى عمره في طاعة الله”-3

الدرس الثالث: توأمان لا يفترقان   النصّ الروائي: روي عن أمير المؤمنين  عليه السلام: “الإيمان ...