الرئيسية / القرآن الكريم / النموذج القرآني في قصة أصحاب الكهف

النموذج القرآني في قصة أصحاب الكهف

النموذج القرآني في قصة أصحاب الكهف

وهذه السورة متميزة ببحث الإمامة بنحو مركّز جدّاً، ولو سمّيت بسورة الإمامة لكان حرياً، لا سيما وأنّه ذكر نموذج رابع فيها وهو استخلاف آدم كخليفة لله في الأرض وإطواع جميع الملائكة له، وهذه الواقعة برمتها عنوان كبير لمعتقد الإمامة، فسلسلة البحث في كلّ هذه السورة يدور حول الوصول إلى أهداف الرسالة وغاياتها بتوسّط الإمامة، وأصحاب الكهف وإن لم يكونوا حججاً مصطفين، إلاّ أنّ الحديث عنهم له صلة بالإمامة من جهة
صلة هدايتهم بالهداية الإيصالية، وهي الإمامة عبر قناة الروح لا عبر قناة الهداية الإرائية وهي النبوّة الظاهرة والسماع بالحسّ.

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَْرْضِ}، بيان أنّ عالمنا عالم الإمتحان، فلا إلجاء ولا جبر كما في قوله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر}(1)، وإنّما اختيار واختبار، كما في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(2).

وقد توسّطت هذه الآية بين آية {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ..} وقصّة الكهف; للتنويه على أنّ الهداية الإيصالية وإن كانت متحقّقة في إمامة الإمام إلاّ أنّ المسؤولية ما زالت قائمة على الأُمّة، ولابدّ أن تخطو باختيارها نحو الكمال ومن الله التسديد والتأييد.

ثمّ إنّ سورة أهل الكهف مكّية نزلت إثر محاولة قريش إحراج النبيّ (صلى الله عليه وآله) عندما استعانت بثلاثة أرسلتهم إلى نجران للتوفّر على مسائل معقّدة يعجز عن الإجابة عليها، فكانت أهل الكهف وصاحب موسى وذو القرنين. وقد قال علماء نصارى ويهود نجران: إنّ محمّداً إن أجاب عنها فهو نبيّ وإلاّ فلا، ثمّ طلبوا سؤاله برابعة إن أجاب عنها فهو ليس بنبيّ، وهو: عن الساعة ومتى هي؟

وتذكر الرواية أنّ الرسول أوعد بالإجابة غداً من دون تعليق وعده على المشيئة الإلهية فحُبس عنه الوحي أربعون يوماً، فاغتمّ وحزن كثيراً، وكذا حزن عمّه أبوطالب (عليه السلام) حتّى نزل الوحي بالإجابة.

والملفت للنظر ترابط هذه القصص الثلاث في فكرة الهداية الإيصالية التي هي حقيقة الإمامة، مع أنّ اليهود اختاروها على أساس من المسائل الصعبة لا أكثر.

{أَمْ حَسِبْتَ}، لا دلالة في السورة على أنّ أصحاب الكهف أولياء وحجج، وإنّما هم من القسم الخامس وهو الأولياء غير الحجج، وقد شُرّفوا بمقام أوجب ذكرهم.

{الرَّقِيم} في الروايات أنّ أسماءهم مرقومة في لوح من رصاص، رقّمها الملك الكافر الذي كان يريد قتلهم، أو الذي عرفهم بعد إفاقتهم فرقّم أسماءهم على هذا اللوح ووضعه على قبورهم بعد موتهم.

{أَمْ حَسِبْتَ} تدلّ على أمرين:

الأوّل: البعث والمعاد كما سنبين.

والثاني: إنّ الغلبة لله تعالى، وإن أغراضه ستتحقّق، فهؤلاء مجموعة غلبت على أمرها من رواد الباطل وعلى رأسهم الملك آنذاك، إلاّ أنّ الدائرة دارت عليهم فانقرضوا وبقيت تلك المجموعة المستضعفة خالدة تشكّل نبراساً للحقّ.

وارتباط هذا البعد بالمحور الأصلي واضح، وأنّه مهما حصل وفعل أهل الباطل، ومهما قويت شوكتهم فلن يعيق تحقّق الغرض الإلهي، فإنّ المغلوب ظاهراً غالب باطناً، أي في الخفاء والمآل.

ومن ثمّ يفهم السرّ في ترديد الرأس الشريف المقطوع للحسين (عليه السلام) المشال على رأس الرمح لهذه الآية المباركة وهو يُطاف به في بلدان أُمّة الإسلام. والروايات تشير إلى هذا المضمون.

{الْفِتْيَة} أشرنا ويأتي تفصيل أنّ هؤلاء ليسوا من الأولياء الحجج، وقصّتهم معجزة.
ومن ثمّ نفهم أنّ المعجزة ذات طابع الرحمة تكشف عن شرف من تقوم فيهم وعلوّ مقامهم.

هذا في المعجزة الرحمة، والعكس بالعكس، فالمعجزة العذاب كالقمل والضفادع والدم تعبّر عن ذلّة من قامت فيه المعجزة وخسّتهم.

كما أشرنا إلى أنّ هؤلاء الفتية صاروا عظة وعبرة وقدوة للبشرية، ممّا يؤكّد أنّ مقامهم وإن لم يصل حدّ الحجّية إلاّ أنّه مقام رفيع ومكانة مرموقة في مجال التكامل المعنوي، ومن هنا جاء في الدعاء: “اللهم إنّي أسألك بكلّ عبد امتدحته فيه”، أي في القرآن.
ولم يقتصر القرآن في ذكر هذا النمط من البشر على أصحاب الكهف، وإنّما ذكر آخرين كمؤمن آل فرعون.

{إِذْ أَوَى}، ظاهر في نوع الإلجاء والاستجارة، ويؤكّد ذلك طلبهم الرحمة الخاصّة من الله تعالى، ممّا يكشف عن عمق محنتهم.

{أَيُّ الْحِزْبَيْنِ}، عبّرت عن كلا الطرفين بالحزب، مع أنّ أهل الكهف قلّة جدّاً، ممّا يدلّ على التفخيم، وأنّهم يمثّلون خطّاً هو خطّ الهداية.

{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ}، النوم نوع من التوفّي كما أشار إليه القرآن الكريم، ونظير البعث الإيقاظ من النوم للتعريف بالأطول بقاءً، والتدليل على أنّ الهداية الإيصالية لا تتخلّف، وهذا هو البعد المرتبط بالمحور الأصلي.

وفي الروايات بيّن هدف بعثة أصحاب الكهف من رقدتهم بأنّه: دحض دعوى الكافرين حيث كانوا ينكرون المعاد، كما يشير إليه قوله تعالى: {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا}(3).

{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ}، هذه الآية تتعرّض لمجمل عقائدهم التوحيدية الرفيعة وحكمتهم العملية، من دون أن توجد دلالة في الآيات على تعريفهم بواحدة من الديانات المعروفة، ممّا يعني أنّ إيمانهم هذا بدافع من فطرتهم السليمة.

{وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}، وهي هداية خاصّة مُنحوا إياها علاوة على إيمانهم، ممّا يدلّ على رفعة مكانتهم.

{فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ} بداية لإنشاء مجتمع توحيدي منفصل ومستقلّ عن مجتمع الكفّار; لوجود التقاطع بين المجتمعين، ممّا يفرض وجود دارين: الإيمان والكفر.

{وَتَرَى الشَّمْسَ..}، النوم وما جرى عليهم في أثنائه أُمور غير اختيارية إلاّ أنّها ممزوجة باختيارهم، وبها كانوا آية من آيات الله تعالى.

{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ..}، لباب القصّة وحلقة الوصل مع المحور الأصلي في السورة، والهداية من دون قرينة يقصد منها الإيصالية في قبال النذارة، وذيل الآية قرينة على الإيصالية; لظهور الولاية في ذلك، والإرشاد وإن كان إراءة إلاّ أنّه ليس إراءة كلّية كما في نذارة النبوّة، بل هداية تفصيلية متولّدة من الإرادة الكلّية النبويّة في التشريع، ومن ثمّ لم يستعمل نعت الإرشاد للنبيّ (صلى الله عليه وآله) من جهة مقام النبوّة.

ومرّة أُخرى نلفت إلى أنّ محور الخلاف مع العامّة هو أنّهم اقتصروا على ضرورة الإراءة والتنظير من دون الإيصال إلى المطلوب.

{لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا}، عناية إضافية حفظاً لهم عن التلف.

{وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا..}، واحدة من الأدلّة القرآنية على مشروعية التقية.
{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ..}، واحدة من الغايات، وهي – على الظاهر – نصر المؤمنين في الدين وقدرة الباري تعالى على بعث الأموات.

{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا}، غاية أُخرى: وهي المعاد وهو امتداد الهداية الايصالية، فإنّه يعني السير إلى الله تعالى واللقاء به، وهو لا يتمّ إلاّ بواسطة الهداية الإيصالية والإيصال إلى المطلوب.

ومن ثمّ كان المعاد واحداً من الأدلّة على الإمامة، فالآية تدلّ على أنّ الهداية الإيصالية تحقّق وتوفّر بلوغ الغاية في الدنيا والآخرة.

{لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا..}، فيه تقرير لجواز اتّخاذ المساجد على القبور، وجعله مكاناً إذا كان موجباً للعبرة كأصحاب الكهف، والقرينة على ذلك هي تذكير القرآن بهذا الاقتراح من بين الاقتراحات المطروحة من القوم حول أهل الكهف الذين فارقوا الحياة.

{وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْء إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا..}، مرتبط بما ذكرناه في سبب نزول السورة ووعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) إجابة الأسئلة من دون تعليق ذلك على المشيئة.
{اللَّهُ أَعْلَمُ..}، لعلّه ظاهر في أنّ سنّة الله أن يُبقي الولاية والهداية الإيصالية محاطة بشيء من الغموض و الخفاء، فلا تكون معروفة في حينها للجميع، كما لا يتمّ التعريف بكلّ جنباتها، خاصّة النوع الأوّل والثاني المتمثّل في أصحاب الكهف والخضر.

{مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيّ..}، فهو الذي يتولّى البشر ويهديهم، والولاية مفهوم قد استبطن فيه القدرة، فالإمامة هي نافذية حكم الله من دون إشراك..

{أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ..} للدلالة على بالغية إحاطة الله تعالى بمجريات الأُمور ومقدّراتها على صعيد الأفراد والمجموع البشري.

وبهذا ينتهي الحديث في هذه القصّة، وأهمّ ما جاء فيها:

1 – وجود هداية إرائية وإيصالية حتّى فيمن لم يتوفّر على هداية الرسول الظاهر.

2 – وجود قسم من الأولياء وذوي الشأن وراء الوليّ الحجّة، وقد وصل بعضهم إلى مقام ضرب المثل والآيتية والقدرة، كما في أصحاب الكهف، ولعلّ نظيرهم: {جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى}(4).

3 – إنّ المأخوذ في ماهية الهداية الإيصالية نوع من القدرة والتصرّف التكويني، ولكن من دون إلجاء، بقرينة مرشداً التي تعني الهداية الإرائية والتبعية.

4 – إنّ النصرة والظفر في الدنيا من سنن الله التكوينية، ومن ثمّ يستتبّ الأمر أخيراً لحزب الله النجباء.

5 – وجود ارتباط وثيق بين الإمامة وبين المعاد، وعلى أساسه يمكن فهم فكرة الشفاعة، الحضور عند الاحتضار، شهادة الأعمال، قسيم الجنّة والنار.

6 – حكمة الله اقتضت كتمان بعض زوايا الهداية الإيصالية، ومن ثمّ قد توجب نوعاً من الاستغراب والتعجّب عند من لم يطّلع على الأُمور ويتعامل معها بشكل سطحي، وإلى حدّ قد تصل الحالة إلى تفسير بعض الظواهر بالعبث.

7 – {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}، يدلّ على أنّ الذي يحقّق الأغراض هو تعالى، فلا تنحصر القضية حينئذ بالهداية الإرائية.

8 – مقتضيات الفطرة هي البنية التحتية للأُصول والفروع.

والآيات اللاحقة تحوم حول هذه الأفكار:

أ – غايات الله لا مبدّل لها، فلابدّ أنّ تتحقّق: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ..}.
ب – الدعوة للتمسّك بالهداية الإرائية والتي هي الخطوة الأُولى في السير والاهتداء بالهداية الإيصالية: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ..}.
ج – أعمال الكفّار هباء وأعمال المؤمن مثمرة وإن استقلّتها الأعين: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً}.
د – كلّ سير وسلوك تحت قدرة الله جلّ وعلا: {مَثَلُ الْجَنَّةِ}.
هـ – سلسلة المنظومة الطبيعية ذات غايات: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً}.
و – عدم النظرة المقطعية ودعوة إلى نظرة طولية: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ}.

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ..}، أذكر أيها الرسول استخلاف آدم وقد تقدّم تبيانه في الفصول السابقة وأنّ ظاهر ألفاظ آياتها كما هو مفاد الروايات هو لأجل تبيان الإمامة، واتّضح فيها أنّ رائد منظومة الهداة في الإيصال إلى المطلوب هو الإنسان الكامل، وأنّ التدبير في هذا المجال لا يختصّ بالملائكة كما يتوهّم ذلك أهل سنّة الخلافة وجماعة السلطان. هذا وأنّ سورة الكهف اقتصرت على هذا المقطع من القصّة وهو ذو الارتباط بالمحور الأصلي في القصّة.

سورة الكهف سورة الإمامة:

إلفاتة: وبعد كلّ ما تقدّم من قصّة أصحاب الكهف، بعد عرض كلّ من قصّتي موسى مع الخضر، وذي القرنين، أصبح من المناسب الإلفات إلى زاوية التناسب بين القصص الثلاث:

حيث يطالعنا القرآن في سورة الكهف في القصّة الأُولى على نموذج لم يكن نصيبهم من الهداية الإرائية أكثر من قضاء الفطرة وحكم العقل، وكأنّهم كانوا في زمن الفترة بين الرسل فلم يوَفّقوا لمعرفة الإمام والوصي الخفي آنذاك، ولكن لم يمنعهم ذلك من الاستجابة لفطرتهم وعقولهم، وإن كانت محدودة بالعمومات والأُسس العامّة الفطرية الأوّلية الإجمالية، فلم يحرموا من الهداية الإيصالية بالقدر الموازي لما عرفوه.

في حين نلحظ في القصّة اللاحقة أنّ دائرة ورقعة الهداية الإرائية أوسع من العقلية حيث اقترنت معها هداية تشريعية، فالخضر كان تابعاً لموسى ومتديناً بشريعته، سوى أنّ الهداية الإيصالية كانت خفية وبشكل غير رسمي.

في الوقت الذي نلحظ أنّ ذا القرنين زُوّد بالهداية الإيصالية الكاملة: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.

فالأنواع والدرجات التي أَلفتَ إليها القرآن في الهداية الإرائية الثلاث، وبما أنّ الله بالغ أمره في من اتّبعها، فتكون الهداية الإيصالية لكلّ درجة متناسبة معها.

وعندما ندرس خطوات الأنبياء نلحظ أنّها متدرّجة بالشكل الذي سلسلته سورة الكهف، حيث إنّ أوّل خطوة يخطوها الرسول في طريق الدعوة إلى الله بإراءة الأُمور الكلّية الفطرية ثمّ التشريعية في مرتبة ترافقها الهداية الإيصالية ذات الطابع السرّي غير المعلن، ثمّ تصل الذروة كما نشهده في قصّة موسى حيث أقام الدولة، وكذا سليمان والنبيّ (صلى الله عليه وآله) في بقعة من الأرض، وتُختم جميعاً بدولة المهدي (عليه السلام) {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}، والذي كان نموذج ذي القرنين مثالاً له.
ولم يكتف القرآن بذلك كي ينبّهنا أنّ المجتمع البشري دوماً في حالة تقلّب وتغيّر في هذه الأدوار الثلاثة.

ثمّ إنّ الآيات لا تشير إلى انتماء أهل الكهف إلى شريعة خاصّة، وكما في قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}(5)، على الفترة لا يعني خلوّ الأرض من حجّة كما قد يتوهّم خصوصاً من تعبيره بالفاء في الآية الدالّة على التراخي، وإنّما في كلّ عصر يوجد شريعة وهداية إيصالية، سوى أنّ هناك فترات يكون فيها المعصوم مخفياً، وإلاّ فبم نفسّر نبوّة آدم وكيف نكيفها مع الفترة مع الانسياق للتوهّم؟

وهناك روايات تدلّ على أنّ الهداية الإرائية موجودة ومتوفّرة، وهي ما يحكم به العقل والفطرة العقلية في الإنسان وأنّه منجّز وأنّ الإنسان يؤاخذ عليها ويحتجّ بها عليه.
وقصّة أهل الكهف شاهد من بين شواهد كثيرة على أنّ التجاوب مع هذه الهداية الإرائية يوصل إلى الهداية الإيصالية، فلا يحرم التسديد الإلهي في الوصول إلى الكمالات المنشودة والأغراض التي أراد الله من عبيده تحقيقها.

وللتذكير والإيقاظ: نلفت إلى أنّ أحكام العقل لا تغني عن الشرع; لمحدوديتها وعموميتها ممّا يجعلها بحاجة إلى الشرع في تنزّلها وتفصّلها، ومن ثمّ لا نلحظ في ما حدّثنا القرآن عن معارف أولئك الفتية والتزامهم أكثر من الأُسس العامّة التي وفّرها الرسول الباطن لهم، كالتوحيد وبعض الفروع الواضحة التي لا تخفى على العقل كقبح الكذب، كما أنّ القرآن لم يحدّثنا عن توفّرهم على الهداية الإيصالية أوسع مدى من هدايتهم الإرائية.
ـــــــــــــــــــــــــ

 

شاهد أيضاً

آداب الصلاة 7 سماحة الشيخ حسين كوراني

. أقرأ ايضا: أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي وإذا أراد الأميركي وقف ...