الرئيسية / من / طرائف الحكم / “ثلاثة يُدخلهم الله الجنّة بغير حساب: إمامٌ عادل، وتاجرٌ صدوق، وشيخٌ أفنى عمره في طاعة الله”-3

“ثلاثة يُدخلهم الله الجنّة بغير حساب: إمامٌ عادل، وتاجرٌ صدوق، وشيخٌ أفنى عمره في طاعة الله”-3

الدرس الثالث: توأمان لا يفترقان

 

النصّ الروائي:

روي عن أمير المؤمنين  عليه السلام: “الإيمان مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ”[1].

 

النقاط المحورية:

– الإيمان والعمل.

– العمل مكمِّل الإيمان.

– هل يجتمع الإيمان والمعصية؟

– الإيمان والعمل في القرآن.

 

الإيمان والعمل

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الْإِيمَانُ‏ قَوْلٌ‏ مَقُولٌ‏ وَ عَمَلٌ مَعْمُولٌ وَ عِرْفَانُ الْعُقُول‏”[2].

 

وعن أمير المؤمنين  عليه السلام: “الْإِيمَانُ وَ الْعَمَلُ أَخَوَانِ‏ تَوْأَمَانِ‏ وَ رَفِيقَانِ لَا يَفْتَرِقَان‏”[3].

 

من خلال هاتين الروايتين وغيرهما يتّضح أنّ التربية الإيمانية لها جناحان لا تكتمل إلا بهما، وهما: أعمال القلوب وأعمال الجوارح، أو بعبارة أخرى: الإيمان والعمل الصالح. فلو انصبّ اهتمامنا على أعمال القلوب، ولم نهتم بالعمل الصالح سيكون الإيمان محدودًا، ولن نستفيد بوجوده الاستفادة الحقيقية: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾[4].

 

وقبل الدخول في الدرس لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ الروايات المبيّنة للحقائق الدينية على قسمين:

روايات كاشفة بنحو عام وإجمالي دون الدخول في التفاصيل كاعتبار أنَّ الإيمان هو التصديق القلبي, وأخرى تُبيّن الحقائق الدينية بكامل تفاصيلها, وقد تجتمع هذه التفاصيل ضمن رواية واحدة أو تتفرّق ضمن عدّة روايات. وفي بحثنا عن الحقيقة لا بدّ من ملاحظة جميع الروايات في هذا المجال, والنظر إليها كباقة واحدة.

 

الإيمان والعمل في كلام الإمام علي عليه السلام

سُئِلَ أمير المؤمنين عليه السلام عَنِ الإيمان فَقَالَ: “الإيمان مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ، وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ”[5].

 

يُبيّن الإمام  عليه السلام في هذه الرواية أنّ الإيمان كلّ مركّب من ثلاثة أجزاء وهي:

مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع سواء أكان عن علم أم عن تقليد.

 

وإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ: إظهار الإيمان بالقول حتى يعرف المؤمن ويعامل بما له من الحقّ.

 

وعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ: تجسّد الإيمان بالعمل كالجهاد والصوم والصلاة والحج والزكاة وغيرها من العبادات والفرائض الشرعية.

 

وبناءً على كلام علماء الإمامية وغيرهم أنّ الإيمان حقيقته التصديق القلبي فالمقصود من الإيمان في هذه الرواية الشريفة وأمثالها هو الإيمان الكامل[6].

 

العديد من الروايات تدلّ على أنّ الإيمان هو التصديق، وأنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان بل هو كاشف ومصدق للإيمان, وبالعمل يكمل ويتمّ ويُرتقى الإيمان إلى الدرجة العليا ومرتبة الكمال كما يُشير إليه قول أمير المؤمنين: “وبِالإيمان يُعْمَرُ الْعِلْمُ”.

 

وقوله عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “عِشْرُونَ خَصْلَةً فِي الْمُؤْمِنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيه لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُه، إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ يَا عَلِيُّ: الْحَاضِرُونَ الصَّلَاةَ، والْمُسَارِعُونَ إِلَى الزَّكَاةِ، والْمُطْعِمُونَ الْمِسْكِينَ، الْمَاسِحُونَ رَأْسَ الْيَتِيمِ، الْمُطَهِّرُونَ أَطْمَارَهُمْ، الْمُتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمُ، الَّذِينَ إِنْ حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا، وإِذَا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وإِذَا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وإِذَا تَكَلَّمُوا صَدَقُوا، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ أُسُدٌ بِالنَّهَارِ، صَائِمُونَ النَّهَارَ قَائِمُونَ اللَّيْلَ، لَا يُؤْذُونَ جَاراً ولَا يَتَأَذَّى بِهِمْ جَارٌ، الَّذِينَ مَشْيُهُمْ عَلَى الأَرْضِ هَوْنٌ، وخُطَاهُمْ إِلَى بُيُوتِ الأَرَامِلِ وعَلَى أَثَرِ الْجَنَائِزِ، جَعَلَنَا الله وإِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ”[7].

 

وحتى نستطيع فهم كلام الإمام عليّ، وفهم الروايات الواردة عن الأئمة في هذا المجال لا بد من ملاحظة الأمور التالية:

1- يُفرِّق الأئمة بين الإيمان والإسلام، فقد روي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام، قَالَ: “الإيمان إِقْرَارٌ وعَمَلٌ والإسلام إِقْرَارٌ بِلَا عَمَلٍ”[8].

 

2- إنّ الأئمّة بالرغم من قبولهم بإسلام مرتكب الكبيرة إلاّ أنّهم:

– لم يكونوا مستعدّين لإطلاق لفظ المؤمن عليه، لأنّ الإيمان هو الاعتقاد القلبي المرتكز في قرارة النفس.

 

– لم يقبلوا النتيجة التي توصّل إليها المرجئة من أنّ الإيمان أو الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان وإنّه أمرٌ ثابتٌ، بل إنّ الإيمان في الحقيقة من المفاهيم التي تقبل الزيادة والنقصان, وهذا ما دلّت عليه الروايات التي تحدّثت عن مراتب ودرجات الإيمان. 

 

– لم ينفوا الدور المؤثّر للعمل في الإيمان بل أكّدوا عليه، حتّى إنّ الإمام الصادق تصدّى للمواقف الإفراطية للمرجئة حيث قال: “مَلْعُونٌ‏ مَلْعُونٌ‏ مَنْ‏ قَالَ‏ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَل‏”[9].

 

1- إنّ اصطلاح الإيمان قد استُعمل في معنيين خاصٌّ وعامٌّ، فمرّة استُعمل في خصوص التصديق القلبي حيث يُراد به المعنى الخاص هنا، واستُعمل في موارد أخرى بمعناه العامّ حيث يُراد به معنى “الدِّين” و”الإسلام”. وفي نهج البلاغة قد استخدم الإمام في بعض الأحيان لفظ الإسلام وأراد الإيمان[10].

 

2- إنّ بعض الروايات عن أئمة أهل البيت تُعرب عن كون العمل جزءاً من الإيمان، وقد وردت لغاية ردّ المرجئة التي تكتفي في الحياة الدِّينية بالقول والمعرفة، وتؤخّر العمل وترجو رحمته وغفرانه مع عدم القيام بالوظائف[11].

 

العمل مكمّل الإيمان

أصبح واضحاً من خلال ما تقدّم أنّ العمل ليس جزءاً من ماهية الإيمان أي ليس من مقوّماته الذاتية. ولكنّه في نفس الوقت هو العامل الأهم في إثراء الإيمان وتكامله، فالإيمان والعمل يسيران جنباً إلى جنب والعلاقة بينهما علاقة تبادلية، فالعمل من دون إيمان حقيقي لا قيمة له، والإيمان من دون عمل لا يتكامل ولا يزداد أصلاً. ولذا فإنّ الإمام علي عليه السلام في تعريفه للإيمان ضمّنه العمل بالأركان، وذلك لبيان الفرد الأكمل من مصاديق الإيمان.

 

ورد عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: “قِيلَ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ مُؤْمِناً؟ قَالَ: فَأَيْنَ فَرَائِضُ الله؟

 

قَالَ (الراوي): وسَمِعْتُه يَقُولُ: “كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: لَوْ كَانَ الإيمان كَلَاماً لَمْ يَنْزِلْ فِيه صَوْمٌ ولَا صَلَاةٌ ولَا حَلَالٌ ولَا حَرَامٌ.

 

قَالَ (الراوي): وقُلْتُ: لأَبِي جَعْفَرٍ: “إِنَّ عِنْدَنَا قَوْماً يَقُولُونَ إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله وأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فَهُوَ مُؤْمِنٌ، قَالَ: فَلِمَ يُضْرَبُونَ الْحُدُودَ؟ ولِمَ تُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلَقَ الله عزّ وجلّ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَى الله عزّ وجلّ مِنَ الْمُؤْمِنِ لأَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُدَّامُ الْمُؤْمِنِينَ وأَنَّ جِوَارَ الله لِلْمُؤْمِنِينَ وأَنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وأَنَّ الْحُورَ الْعِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ؟ ثُمَّ قَالَ: فَمَا بَالُ مَنْ جَحَدَ الْفَرَائِضَ كَانَ كَافِر”[12].

 

“أي لو كان الإيمان كلاماً لسانياً وهو الإقرار بالشهادتين أو قلبياً أيضاً وهو التصديق لم ينزل هذه الأحكام التي وقع فيها الوعيد والتغليظ أو الكرامة والإثابة”[13].

 

والنتيجة التي نصل إليها أنّ المراد من الإيمان في هذه الروايات هو الإيمان الكامل والتصديق بالله وبرسوله وجميع ما جاء به وهذه النتيجة موافقة للآيات القرآنية.

 

الإيمان والعمل في الآيات القرآنية

لقد تضافرت الآيات القرآنية التي بيّنت حقيقة الإيمان بمعزل عن العمل وفق ثلاث مجموعات:

– المجموعة الأولى: التي يستنتج من خلالها أنّ إسناد الإيمان إلى القلوب يدلّ على أنّه أمر قلبي:

1- قال تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[14].

 

2- قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[15].

 

3- قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[16].

 

– المجوعة الثانية: تُرشدنا إلى أنَّ اقتران الإيمان بالمعاصي في هذه الآيات يدلّ على أنّ العمل غير معتبر في حقيقته المقوّمة له:

1- قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[17].

 

2- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[18].

 

3-  قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾[19].

 

– المجموعة الثالثة: نستنتج من خلالها أنَّ الأمر بالإطاعة بعد ثبوت الإيمان يدلّ على أنّ العمل غير معتبر في حقيقة الإيمان:

1- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾[20].

 

2- وآيات أخرى مشابهة من قبيل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾[21]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾[22].

 

هل يجتمع الإيمان والمعصية؟

إنّ النتيجة التي توصّلنا إليها بناءً على فهم الآيات القرآنية والروايات الشريفة، هي أنّ للعمل الصالح دوراً أساسياً في نموّ وازدهار وإثراء وتكامل الإيمان، وعليه كيف يُمكن أن نتصوّر العلاقة بين المعصية والإيمان؟ خصوصاً أنّنا إذا رجعنا إلى الروايات الشريفة وإلى خطب الإمام في نهج البلاغة نجدها ركّزت على أنّ المؤمن لا يعصي الله أبداً، وأنّ المؤمنين وأهل الولاء والشيعة لهم الصفات التي تمنعهم وتحجبهم من ارتكاب المعصية.

 

والسؤال الأساس هو: هل يُمكن الجمع بين ارتكاب المعصية وحقيقة الإيمان؟ وبعبارة أخرى

 

هل يستطيع المؤمن أن يُحافظ على إيمانه مع ارتكاربه المعصية، أو أنّ مخالفة المولى تعالى من دواعي زوال الإيمان؟

 

وفي مقام الإجابة لا بد أن ننظر كيف عالجت الروايات هذا الموضوع أي الجمع بين الإيمان والمعصية.

 

الروايات الدالّة على أنّ العاصي يخرج من الإيمان حين المعصية كثيرة جدّاً وتعابيرها مختلفة منها: خرج من الإيمان[23]، سلب الإيمان[24]، كافر[25]، فارق روح الإيمان أو بتعبير بعض الروايات الأخرى يُسلب منه روح الإيمان[26]،… والمهم في هذه الروايات هو فقهها وإدراك معناها، فلم يتفق العلماء على معنى واحد لهذه الروايات بل تعدّد فهمهم لها ومن آرائهم ما يلي:

1- حمل هذه الروايات على ظاهرها وأنّ من ارتكب هذه المعاصي خرج من الإيمان فعلاً.

2- حملها على نفي الكمال أي أنّ مرتكبها مؤمن حقيقة ولكنّه ناقص الإيمان.

3- حملها على المستحلّ للمعصية.

4- حملها على أنّه ليس آمناً من عقوبة الله.

5- حملها على نفي اسم المدح أي لا يُقال له مؤمن بل يُقال له زان وشارب الخمر وتارك للصوم وسارق.

 

6- حملها على زوال النور الناشيء من الإيمان وهو منقول عن ابن عباس، وأيّده بقول رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم: “من زنى نزع الله نور الإيمان من قلبه فإن شاء ردّه إليه”[27].

 

7- حملها على نفي الحياء أي لا يزني الزاني وهو مستحي من الله، والحياء خصلة من الإيمان[28].

 

والحمد لله رب العالمين

 

[1] السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة خطب الإمام علي  عليه السلام، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، دار الهجرة، قم، الطبعة الأولى، 1414هـ، رقم 227، ص 508.

[2] الشيخ المفيد، محمد بن محمد، الأمالي، تحقيق وتصحيح حسين أستاد ولي وعلي أكبر غفاري، نشر مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الطبعة الأولى، 1413هـ، ص 275.

[3] الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق وتصحيح حسين الحسني البيرجندي‏، نشر دار الحديث، قم، الطبعة الأولى، 1418هـ، ص 22.

[4] سورة الأنعام، الآية 158.

[5] نهج البلاغة، ص 508.

[6] ومثله ما روي عن الإمام الرض عليه السلام، عن أبي الصلت الهروي قال: سألت الرضا عن الإيمان؟ فقال: “الْإِيمَانُ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ وَ لَفْظٌ بِاللِّسَانِ وَ عَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ لَا يَكُونُ‏ الْإِيمَانُ‏ إِلَّا هَكَذ”. الصدوق، محمد بن علي، عيون أخبار الرض عليه السلام، تعليق حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ط1، 1404هـ-1984م، ج1، ص 205.

[7] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 232.

[8] م.ن، ج2، ص 24.

[9] الشيخ الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، مؤسسة آل البيت  عليهم السلام، قم، الطبعة الأولى، 1409هـ.،ج16، ص 280.

[10] راجع: مجلة تراثنا، العدد 81 – 82، مقالة: الإيمان والإسلام في كلام أهل البيت  عليهم السلام ومتكلّمي الشيعة، رسول جعفريان.

[11] ينظر: الشيخ جعفر السبحاني، الإيمان والكفر في الكتاب والسنة، ص 22-33 (بتصرّف وتلخيص).

[12] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص33.

[13] المولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، ج8، ص 97.

[14] سورة النحل، الآية 106.

[15] سورة المجادلة، الآية 22.

[16] سورة الحجرات، الآية 14.

[17] سورة الحجرات، الآية 9.

[18] سورة البقرة، الآية 178.

[19] سورة الأنعام، الآية 82.

[20] سورة النساء، الآية 59.

[21] سورة الأنفال، الآية 20.

[22] سورة محمد، الآية 33.

[23] عَنْ نُعْمَانَ الرَّازِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ  عليه السلام يَقُولُ‏ “مَنْ‏ زَنَى‏ خَرَجَ‏ مِنَ‏ الْإِيمَانِ‏ وَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْماً مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّداً خَرَجَ مِنَ الْإِيمَان‏”، الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 278.

[24] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ  عليه السلام لَا يَزْنِي الزَّانِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ قَالَ “لَا إِذَا كَانَ عَلَى بَطْنِهَا سُلِبَ الْإِيمَانُ مِنْهُ فَإِذَا قَامَ رُدَّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَادَ سُلِبَ” قُلْتُ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ فَقَالَ “مَا أَكْثَرَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ أَبَد”، الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 278.

[25] عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله  عليه السلام عن الكبائر، فقال:”هنَّ في كتاب عليّ  عليه السلام سبع”…إلى أن قال: قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ فقال: “أيُّ شيء أوَّل ما قلت لك”؟ قال: قلت: الكفر؟ قال: “فإنَّ تارك الصلاة كافرٌ يعني من غير علّة”، الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 278.

– تاركها من غير علة مستخفاً بها كافر جاحد، وغير مستخف بها كافر مخالف لأعظم الأوامر، وإطلاق الكفر على مخالفة الأوامر والنواهي شايع كما تقدّم في معاني الكفر.

[26] عن ابن بكير قال: قلت لأبي جعفر  عليه السلام في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا زنى الرَّجل فارقه روح الإيمان؟ قال: هو قوله تعالى: (وأيّدهم بروح منه) ذلك الّذي يفارقه، الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 280.

– وروح الإيمان إذ بها حياة الإيمان وحياة قلب المؤمن أبداً، وقد يطلق روح الإيمان على ملك موكل بقلب المؤمن يعينه ويهديه في مقابل شيطان يضله ويغويه وعلى نصرة ذلك الملك أيضاً وحينئذ لا ريب في أنه إذا زنى المؤمن فارق عنه حقيقة الإيمان وكماله ونوره كما دل عليه بعض الروايات وروحه.

[27] المازندراني، شرح الكافي، ج9، ص248.

[28] راجع: محمد صالح المازندراني، شرح الكافي، ج9، باب الذنوب، ص 262 (بتصرف وزيادة). وفي آخر تعليقه على حديث الإمام الصادق عليه السلام: “من زنى خرج من الإيمان ومن شرب الخمر خرج من الإيمان…”، وبعد عرض الأقوال التي نقلناها قال: “وإن

كان الخبر كاد أن يكون من المتشابهات فترك تأويله إلى العالم بها أولى”.

شاهد أيضاً

مع الطب في القرآن الكريم – الدكتور محمد علي البار 3

أقل مدة للحمل ستة أشهر (1) سبق القرآن الطب بتقريره أن أقل مدة للحمل ستة ...