00

تاريخ القرآن

1- بيانُ أسماء القرآن وكيفيَّة نزوله.

2- التعرُّف على صور الوحي وأنماطه.

3- معرفةُ الفرق بين السُّور المكيَّة والمدنيَّة.

4- بيانُ كيفيَّةِ حفظِ القرآن وتدوينه وجمعه.

 

 

أسماء القرآن

القرآن الكريم الّذي هو كتاب المسلمين الأوّل، والّذي حاز الاهتمام البالغ من قِبَلهم، والّذي هو المعجزة الخالدة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والّذي هو وصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالمحافظة عليه مع العترة الطاهرة، له أوصاف وأسماء عدّة، نذكر منها:

1- القرآن: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾1. وتشير تسميته بـ(القرآن) إلى حفظه في الصدور نتيجة لكثرة قراءته، وترداده على الألسن، لأنّ القرآن مصدر القراءة، وفي القراءة استذكار واستظهار للنصّ.

 

2- الكتاب: قال تعالى ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾2.

وفي تسمية الكلام الإلهيّ بـ(الكتاب) إشارة إلى الترابط بين مضامينه ووحدتها في الهدف والاتّجاه، بالنحو الّذي يجعل منها كتاباً واحداً.

 

1- سورة يونس، الآية: 27.

2- سورة البقرة، الآية: 2.

 

3- الفرقان: قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾3.

فالقرآن يفرق بين الحقّ والباطل، باعتباره مقياساً إلهيّاً مائزاً بين موضوعات الحياة.

 

4- الذِّكر: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾4، ومعناه الشرف، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾5.
وهناك ألفاظ عديدة أُطلقت على القرآن الكريم على سبيل الوصف لا التسمية كالمجيد، والعزيز، والعليّ، في قوله تعالى:﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾6، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾7، ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾8.

 

والنور، والموعظة، والتنزيل، والحقّ، والبيان، والمنير، والقصص، والسراج، والبشير، والنذير وغيرها الواردة في آي القرآن نفسها أو في الأحاديث.

 

نزول القرآن عن طريق الوحي

تلقَّى النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم القرآن الكريم عن طريق الوحي، ونظراً إلى أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلقَّى الوحيَ الإلهيّ من جهةٍ عُليا معنويَّةٍ، وهي الله سبحانه. لذا يقال إنَّ القرآن نزل عليه، للإشارة إلى علوِّ الجهة التي اتَّصلَ بها النبيُّ عن طريق الوحي، وتلقَّى عنها القرآن الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ

 

3- سورة الفرقان، الآية: 1.

4- سورة الأنبياء، الآية: 50.

5- سورة الأنبياء: الآية: 10.

6- سورة البروج، الآية: 21.

7- سورة فصلت، الآية: 41.

8- سورة الزخرف، الآية: 4.

 

يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾9.

 

والوحيُ لغةً هو: الإعلام في خفاء. أي الطريقة الخفية في الإعلام، وقد أطلق هذا الَّلفظ (الوحي) على الطَّريقة الخَّاصة التي يتصل بها الله تعالى برسوله، نظراً لخفائها ودقتها وعدم تمكُّن الآخرين من الإحساس بها. ولم يكن الوحي هو الطَّريقةُ التي تلقَّى بها خاتم الأنبياء وحده كلمات الله، بل هو الطريقة العامة لاتصال الأنبياء بالله وتلقّيهم الكتب السماوية منه تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾10.

 

صور الوحي

يبدو من القرآن الكريم أنَّ الوحيَ هذا الاتصال الغيبيّ الخفيَّ بين الله وأصفيائه، له صور ثلاث:

الأوّل: إلقاءُ المعنى في قلب النبيّ أو نفثه في روعه بصورة يحس بأنه تلقاه من الله تعالى.

الثاني: تكليمُ النبيّ من وراء حجاب، كما نادى الله موسى من وراء الشجرة وسمع نداءه.

الثالثة: هي التي متى أطلقت، انصرفت إلى ما يفهمه المتديِّنُ عادةً من لفظة الإيحاء، حين يلقي ملك الوحي المرسل من الله إلى نبيٍّ من الأنبياء ما كُلِّفَ إلقاؤه إليه، سواء أُنزل عليه في صورةِ رجلٍ أم في صورته الملكيَّة، وقد أشير إلى هذه الصُّور الثلاث في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾11.

 

وتدلُّ الرِّوايات على أنَّ الوحي الذي تلقَّى النّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن طريقه الرِّسالة الخاتمة

 

9- سورة الشورى، الآية: 7.

10- سورة النساء، الآية: 163.

11- سورة الشورى، الآية: 51.

 

وآيات القرآن المجيد، كان بتوسيط الملك في كثير من الأحيان، وبمخاطبة الله لعبده ورسوله من دون واسطة في بعض الأحيان، وكان لهذه الصُّورة من الوحي التي يستمع فيها النبيّ إلى خطاب الله من دون واسطة أثرَها الكبير عليه. ففي الحديث أنَّ الإمام الصادق عليه السلام سئل عن الغشية التي كانت تأخذ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أكانت عند هبوط جبرائيل عليه السلام فقال: لا، وإنما ذلك عند مخاطبة الله عز وجّل إيَّاهُ، بغير تُرجمانٍ وواسطة12.

 

السُّور والآيات المكيَّة والمدنيَّة

يتألف القرآن العظيم من 114 سورة وتحتوي كلُّ سورةٍ على عددٍ من الآيات. وأوَّلُ آياتٍ نزلت كما يُنقل عن الإمام الصادق عليه السلام هي الخمس الأوائل من سورة العلق قال: “أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسم الله الرحمن الرحيم إقرأ باسم ربك..”13.

 

وتنقسم سور القرآن وآياته إلى مكيَّة ومدنيَّة. والضابط والمعيار في التمييز بين الآيات والسُّور المدنيَّة والمكيَّة هو الضابط الزماني، حيث جعلت هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي المعيار، فكلُّ آيةٍ أو سورةٍ نزلت قبل الهجرة أو أثناءها وقبل الوصول إلى المدينة فهي مكيَّة. وكلُّ ما نزل منها بعد الهجرة حتَّى وإن نزلت في مكّة فهي مدنيَّة. وعليه يكون لدينا في القرآن 86 سورة مكيَّة و28 سورة مدنيَّة.

 

وأمَّا الخصائصُ الغالبة على السُّور المكيَّة، فهي عبارة عن: الدعوةُ إلى أصول العقائد والأخلاق، الحديثُ عن القيامة والجنَّة والنَّار، مجادلةُ المشركين، كثرةُ القسم، قصصُ الأنبياء، صغرُ السُّور وقصرُ الآيات والإيجاز في الخطاب. أمّا الخصائص الغالبة على السُّور المدنيَّة فهي: طولُ السُّور والآيات، مجادلةُ أهل الكتاب، مجابهةُ المنافقين، ذكرُ الجهاد وأحكامه، بيانُ أحكام الحدود والواجبات والحقوق والإرث، بيانُ القوانين السياسية والاقتصادية والمعاهدات.

 

12- بحار الأنوار،ج18،ص260.

13- الكافي، ج2، ص628.

 

حفظ القرآن

في بداية الدعوة, عقد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه العزم على حفظ القرآن في صدورهم. وكان العرب يتمتَّعون بهذه الهبة الإلهيّة وهي قوَّة الحفظ في حدِّ الكمال. ومع أنهم كانوا محرومين من نعمٍ كثيرة، إلا أنهم برعوا في قوَّةِ الذَّاكرة. فكانوا يحفظون القصائد الطويلة بكلِّ سهولة، ويختزنون في ذاكرتهم دواوين من الشعر، وكان العربيُّ يحفظ ما يسمعه مرةً واحدةً، ويودعه ذاكرته إلى الأبد.

 

وقد قدم لهم القرآن ببيانه الساحر في صياغته ومحتواه، أروع كلام ورسالة تنفذ إلى أعماق الروح، حيث كانت الآيات والسُّور الأولى التي نزلت في مكّة مسجَّعةً وموزونةً تقريباً. وكان إيقاع الآيات والسُّور أخَّاذاً وجذَّاباً بحيث كان يبهرهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحثُّ أصحابه على حفظ الآيات والسُّور، حيث إنَّه في بداية الدَّعوة في مدينة مكّة لم يكن عدد الكتَّابِ كثيراً، ولا أدوات الكتابة كانت متوفّرةً. وهكذا وظَّفَ المسلمون قوةَ حفظهم في أكثر السُّبلِ قدسيَّةً، وجعلوا من صدورهم وقلوبهم موضعاً لآيات القرآن النيِّرة.

 

مرحلة كتابة القرآن

كانت ضرورة كتابة القرآن واضحةً تماماً في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنّ الاعتماد على حفظ القرآن في الصُّدور لم يكن يبعث على الاطمئنان فيما يتعلق بصيانته والحفاظ عليه. ومع أنَّ عددَ الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة في عصر نزول الوحي قليلٌ جداً، بحيث ذكر البعض أنَّ عددَ من كان يجيدُ القراءةَ والكتابةَ في مكَّةَ لم يتجاوز سبعةَ عشر شخصاً. إلا أنَّ اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وكتابة الوحي، دفعه إلى استدعاء من يعرفون القراءة والكتابة من أجل كتابة وضبط آيات القرآن الكريم. فمتى ما كانت تنزل آيات من القرآن الكريم كان يدعو

 

 

 

كتّاب الوحي ويأمرهم بكتابتها، وكانت هذه الجماعة تُسمَّى بـ “كتّاب الوحي”. وكان الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام كما يصرح الجميع تقريباً من أوائل كتّاب الوحي والمداومين على كتابته، حيث إنَّه عليه السلام كان يكتب أكثر الوحي ويكتب غير الوحي أيضاً. وتجدر الإشارة أنَّه كان هناك آخرون يكتبون الوحي أيضاً كأُبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود، وليس كلّ من كان يجيد الكتابة كان يؤذنُ له بكتابة الوحي، بل كان دورُ البعض منهم مقتصراً على أنْ يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرسائل والعهود وعقود الصلح وغيرها من حوائج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المختلفة.

 

وكان كتّاب الوحي يكتبون الآيات حسب تسلسل نزولها، ومتى ما نزلت بسملة كانوا يعرفون أنَّ السُّورة السابقة انتهت وبدأت سورة أخرى فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: “ما أنزل الله من السماء كتاباً إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم وإنما كان يعرف انقضاء السُّورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء للأخرى”14. وهكذا كانت تنتظم آيات القرآن على شكل سور على أساس الترتيب الطبيعي وهو ترتيب نزولها، فتأخذ الآيات المكيَّة موضعها في السُّور المكيَّة، وتأخذ الآيات المدنيَّة موضعها في السُّور المدنيَّة، حتَّى وإن كان من الممكن أنْ تطولَ مدَّةُ إكمال السُّورة التي تنزل آياتها مجزأة.

 

ويستفاد من الوثائق التاريخية أنَّه كانت أحياناً تنزل آية أو آيات ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر كتّاب الوحي بكتابتها في ثنايا سورة كانت قد نَزلت وخُتمت من قبل. وهذا النمط من تنظيم الآيات الذي كان يأتي خارج المسار الطبيعي لنزول الآيات، كان يحتاج إلى تصريح وتعيين من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نفسه. ولا شك في أنَّه كانت تكمن في ذلك حكمةٌ ومصلحة.

 

14- بحار الأنوار، ج82، ص20.

 

جمع القرآن

إنَّ كتابة وتنظيم آيات القرآن الكريم، حصلت بلا شكٍّ قبل وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فكان كلما هبط الوحي بالآيات الكريمة، ثبتت في ذاكرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وسجّلتها فوراً أيدي كتّاب الوحي في الوضع الذي كان يأمر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فترتيب الآيات في السُّور كان يتمّ بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إلا أنَّ جمع القرآن على صورة مصحف منسّقِ الآيات والسُّور ومنتظم الأوراق لم يتم في عهد الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لأنه كانت تنزل بعض آيات سورة من السُّور ومن ثمَّ تنقطع بنزول آيات سورةٍ أخرى قبل تلك السُّورة أو بعدها، ثمَّ يَستأنِف الوحي من جديد آيات السُّورة الأولى وهكذا حتَّى كمل التَّنزيل.

 

ومما لا شك فيه أنَّ حالةً كهذه يتعذَّرُ، بل يستحيل معها جمع القرآن مباشرة في مصحف واحدٍ عند نزوله، لأنّ النزول التدريجي للآيات يستلزم تغييراً مستمرَّاً في الرّقاع المدوّن عليها لتوضع الآية الجديدة محلها، والمشقة فيه غير خافية. كما أنَّه بعد ختم الله الوحي وإتمام النعمة وإكمال الدين لم يعش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فترة مناسبة ليقوم هو بترتيب وجمع الرقاع ونحوها في مصحف منسق واحد، فإنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قبض في السنة التي نزلت فيها آخر آية من القرآن. غير أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتوفَّ إلا بعد أنْ أعلم العددَ الغفيرَ من الصَّحابة، بترتيب القرآن الكريم حتَّى صار حُفَّاظ القرآن الكريم يقرؤونه كاملاً مرتباً على نحو ما أمر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتعليم من جبرائيل، فكان ذلك ضماناً لترتيب السُّور والآيات في مصحفٍ واحد. وقد أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أميرَ المؤمنين علي عليه السلام بأن يأخذَ القرآن بعد وفاته ويجمَعَهُ كلَّه، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: “إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعليّ: يا عليّ، القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيّعوه كما ضيّعت اليهود التوراة،

 

 

فانطلق عليّ فجمعه في ثوب أصفر ثمَّ ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتَّى أجمعه وإن كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداءٍ حتَّى جمعه”15.

 

وعن الإمام علي عليه السلام قال: “إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي وأوصاني إذا واريته في حفرته أنْ لا أخرج من بيتي حتَّى أؤلف كتاب الله فإنَّه في جرائد النخل وفي أكتاف الإبل..”16. وحين أتمَّ عليه السلام تجهيزَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتكفينه ودفنه والنَّاس منصرفون إلى شؤون البيعة والخلافة في سقيفة بني ساعدة، انصرفَ أمير المؤمنين عليه السلام إلى تنسيق تلك الرّقاعِ وتنظيمها وترتيب سورها وآياتها، وجعْلِهَا كتاباً واحداً بعد أنْ كانت في رقاعٍ متنوِّعةٍ وغيرِ منتظمة.

 

ولكنْ ظلَّ المسلمون، وعلى الرَّغمِ من جمع القرآن وتنسيقه في مصحفٍ واحدٍ، يقرؤونه بقراءاتٍ شتَّى لاختلاف ألسنتهم، فكان الاختلافُ في الحركة الإعرابيَّة مثلاً مثاراً للخلاف بينهم وتشتيت كلمتهم، الأمر الذي دعا حذيفة بن اليمان بعد عودته من فتح بلاد أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، إلى أنْ يُسرِعَ إلى الخليفة عثمَّان بن عفان يذكِّرُه بمنع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الاختلاف في القرآن قائلاً له: “أدرك هذه الأمة قبل أنْ يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنَّصارى”، فقام عثمَّان بجمع المسلمين على قراءة واحدة وهي القراءة المتعارفة بين المسلمين، والتي تلقُّوها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالتَّواتر، ومنعَ سائرَ القراءات، وأحرقَ المصاحف أو أتلفها عدا المصحف الذي اختاره، واستنسخته لجنة مؤلَّفَةٌ من زيد بن ثابت وجماعة آخرين.

 

15- بحار الأنوار، ج89، ص48.

16- بحار الأنوار، ج28، ص227.

 

خلاصة الدرس

1- للكتاب الإلهيّ المنزل أسماء عديدة منها القرآن والفرقان والذكر.

2- نزل القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق الوحي الذي هو الطريقة الخاصة التي يتصل بها الله تعالى برسوله.

 

3- للوحي ثلاث صور وأنماط مختلفة: إمّا إلقاء المعنى في قلب النبيّ، أو تكليم النبيّ من وراء حجاب، أو من خلال ملك مرسل من الله إلى النبيّ.
4- في بداية الدعوة كان حفظ القرآن من خلال ما يختزنه العرب في ذاكرتهم القوية من الآيات والسُّور، وما يحفظونه منها.

 

5- بما أنَّ الاعتماد على حفظ القرآن في الصدور لم يكن يبعث على الاطمئنان لذا عمد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى تدوين القرآن وكتابته كلما نزلت آية من خلال الاستعانة بأشخاص عرفوا فيما بعد (بكتّاب الوحي)، وكان على رأسهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.

 

6- أوصى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل عروج روحه المقدّسة وهو على فراشه أمير المؤمنين عليه السلام بجمع القرآن الذي كان ما يزال في جرائد النخل وفي أكتاف الإبل، فانصرف الإمام علي عليه السلام إلى تنسيق تلك الرقاع وتنظيمها وترتيب سورها وآياتها حتَّى صارت في كتاب واحد.

شاهد أيضاً

IMG-20140123-WA0030

الاكتفاء بما روي في أصحاب الكساء

(ثواب الصلاة على النبي(ص)): 140 – عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(ص): «مَنْ صلَّى ...