الرئيسية / مقالات متنوعة / إخفاقات بالجملة وجبهات ثلاث تستنزف قدرات المملكة – عبد الحسين شبيب

إخفاقات بالجملة وجبهات ثلاث تستنزف قدرات المملكة – عبد الحسين شبيب

مع بدء العد العكسي لبلوغ العدوان السعودي الاميركي المئة يوم يمكن القول ان قيادة الحرب دخلت في مرحلة انعدام الخيارات، سواء على المستوى العسكري او على السياسي. وحتى على المستوى الاعلامي فان انكفاء الناطق العسكري السعودي احمد العسيري عن مهامه يعني ببساطة ان خطابه لم يعد يتَّسم باي قدرة على الاقناع بعدما تكشف هشاشة “فذلكة الحرب”، وبقيت فقط في الحرب الاعلامية الفضائيات الممولة من المال السعودي _ القطري.

على المستوى العسكري يبدو الاخفاق واضحا من خلال فشل الخيار الجوي في تحقيق اي من الاهداف السياسية والميدانية المعلنة له. حتى عملية تأليب الراي العام اليمني على انصار الله من خلال الاستهداف الممنهج للمدنيين وتدمير المنازل والبنى التحتية اخفقت في إنتاج بيئة معادية تتحرك في الجبهة الداخلية وتحدث ارباكا لقيادة الثورة.

والاخفاق الجوي رافقه تراجع فرص شن عملية برية جرى الحديث عنها في بداية العدوان بعد العجز عن تحشيد مشاركات دول صديقة للرياض. وتعزز هذا التراجع بعد النجاحات العسكرية لحركة انصار الله والجيش اليمني في المواجهات على الحدود السعودية والتي ادت الى اخلاء شبه كامل للمناطق السعودية الحدودية من السكان؛ لا بل ان المملكة اصبحت الآن في وضع حرج امام المشاهد الحية التي يوزعها الاعلام الحربي للجيش اليمني واللجان الشعبية عن هذه العمليات والوضع “الفراري” الذي تعانيه القوات السعودية بمختلف مسمياتها، (حرس حدود، حرس وطني، قوات نخبة..الخ) امام مجموعات غير نظامية مجهزة باسلحة خفيفة ومتوسطة لا تقارن باسلحة الجيش السعودي.

وقد باتت الجبهة الحدودية الممتدة من حجة على الساحل الى الجوف تشكل عقدة استراتيجية للسعودية على المستويين الميداني والمعنوي. فهي من الناحية الميدانية غير قادرة على المواجهة ناهيك عن الحسم، وقد خلصت وكالة رويترز من خلال جولة ميدانية لمراسلها في المنطقة الحدودية (13/6/2015) الى أن قدرة مقاتلي انصار الله والقبائل على مواصلة القصف والعمليات الاقتحامية مرة اخرى تظهر صعوبة إلحاق جيش مزود باحدث العتاد هزيمة بقوات غير نظامية تتمتع بسرعة الحركة.

انهيار وفرار

أما في الجانب المعنوي فان تحليلا بسيطا لمشاهد عمليات اقتحام المواقع السعودية من قبل المقاتلين اليمنيين ترفع الى مرتبة العار ردة فعل الطرف السعودي المتسمة بالاختباء في المدرعات دون القدرة على استخدامها، او الفرار من المعركة فور بدء القصف على المواقع، وترك الآليات إما مدمرة او صالحة للاستعمال. ولا تغري هذه الانطباعات أية قوة صديقة على المغامرة بمعركة برية مع اليمنيين.

أما المظهر الآخر للإخفاق العسكري فيتعلق بفشل التحالفات الميليشياوية بين انصار الرئيس الفار عبد ربه منصور هادي وحزب التجمع اليمني للاصلاح وتنظيم القاعدة في احداث اختراقات على الجبهات التي يخوضون فيها مواجهات مع الجيش اليمني وانصار الله، سواء في المحافظات الجنوبية او الوسط في تعز أو في محافظتي مأرب والجوف في الشمال. ولهذا الاخفاق العسكري دلالات كبيرة كون هذه الميليشيات تلقت اشكالا متعددة من الدعم العسكري الجوي سواء بالاغارات على مواقع خصومهم او امدادهم بالسلاح والذخائر والتموين وحتى المظلات التي هبطت بمبالغ مالية ضخمة، ولم تفلح كلها ليس في التقدم، بل حتى في الصمود امام تقدم انصار الله وحلفائه.

كما ان هذا الفشل الميداني على الارض اليمنية للتحالفات السياسية _التكفيرية يرافقه ايضا ازمة على المستوى المعنوي متمثلة بالاحراج الذي تسبب به العدوان للقوى والشخصيات اليمنية التي ايدته بسبب فظاعة ما يرتكب من جرائم حرب وجرائم ابادة والتي طالت معالم ثقافية لليمنيين كافة، والتي ادت الى تراجع في شعبية هذه القوى والشخصيات.

ما تقدم تم ترجمته من خلال سحب لائحة الاهداف التي اعلنت الرياض انها تريد تحقيقها بلحرب وهي القضاء على “الحالة الانقلابية” في صنعاء واعادة ما تعتبره سلطة شرعية الى العاصمة اليمنية، وتقليص المخاطر التي تتهدد الامن القومي السعودي من خلال استحضار الجانب الايراني واقحامه في صلب الازمة ليتبين لاحقا انها حالة مرضية سعودية بلغت مرحلة الفوبيا بفعل تخويفهم أنفسهم بانفسهم.

والمشكلة الان بالنسبة للسعودية تحديدا مثلثة الاضلاع: فهي نصبت ايران عدوا لها في وقت يتجه المجتمع الدولي لابرام اتفاق نووي تاريخي معها، كما ان المملكة القلقة حفرت عميقا في العلاقات مع الشعب اليمني واسست لعقود من الكراهية وانعدام الثقة بسبب افراطها غير المفهوم في تقتيل اليمنيين وتدمير حضارتهم. اما ثالثة الاثافي فهو النتيجة العكسية التي حصدتها مع بروز المخاطر التي باتت تتهدد الامن الداخلي السعودي في ضوء الانطلاقة الرسمية لعمل تنظيم “داعش” في المملكة والذي حدد عبر زعيمه ابو بكر البغدادي لائحة اهداف ثلاثية لعناصره فيها وهي: الرافضة والاجانب وآل سعود.

تشتت وتضعضع

ومن خلال العمليات الانتحارية التي استهدفت مساجد وحسينيات للمواطنين الشيعة في في شرقي المملكة بدا ان الاهتزاز الامني الداخلي مرشح ليتخذ منحى تصاعديا من خلال الامكانات المتوافرة للتنظيم والبيئة الحاضنة له، حيث يحظى بقاعدة شعبية كبيرة. والخطورة التي تتهدد النظام السعودي هي بعيد الفشل المريع في الحرب ضد اليمن والتي ستستدعي من داعش تقديم نفسها كبديل عن هذا النظام الذي اخفق في حماية “اهل السنة” كما هو المصطلح المستخدم. مع الاشارة الى ان الفارق بين تنظيم القاعدة الذي ضرب السعودية بين عامي 2003 و2006 وداعش، ان الاول يقدم نفسه كتنظيم امني يريد اخراج الصليبيين والكفار من بلاد الحرمين الشريفين والجزيرة العربية، في حين ان داعش هو مشروع خلافة اسلامية معلنة كبديل عن الانظمة الفاسدة كما في ادبياتهم.

وما الاعتداء الفظيع يوم الجمعة الثانية في شهر رمضان المبارك على مسجد في الكويت يؤمه المصلون الشيعة الا مؤشر على منسوب الخطر الداعشي الذي يتهدد دول الخليج العربية مع مرور الوقت. والمشكلة الاخطر للقيادة السعودية فيما لو استمرت الحرب على اليمنيين على هذا المنوال من الحصار وقتل المدنيين دون القدرة على تحقيق تقدمات عسكرية على الارض، فانها ستعتبر اخفاقا كبيرة وسريعا لمشروع التحالف الاقليمي الذي يطمح اليه الملك سلمان كاطار مذهبي في مواجهة المحور الايراني، سيما بعيد توقيع الاتفاق النووي الايراني الغربي وما سيؤدي اليه من تشكيل لنظام اقليمي جديد. وهذا الاخفاق سواء على الارض او في تشكيل التحالفات سيعزز القناعات الداعشية بالتحرك لملء الفراغ، بما يعني الاقتراب من الخطوط الحمر المتفق عليها ضمنيا بين العائلة السعودية الحاكمة والتيار السلفي التكفيري، والقاضية بعدم استهداف منشآت النفط، وافراد الاسرة الحاكمة، مقابل عدم المس بالبنى الفكرية والتمويلية للتكفيريين.

والخلاصة مع اقتراب اليوم المئة للعدوان لن يكون بامكان القيادة السعودية ادارة الحرب على اليمن وحسم الخيارات _ اما بالذهاب نحو مقامرة عسكرية شاملة تلقي فيها كل الاوراق المتبقية، او الاقرار بالفشل العسكري والذهاب نحو حل سياسي باقل قدر ممكن من الخسائر _ الا في اطار ثلاثية (جبهات) مترابطة يتعين عليها ان تعمل فيها وفي وقت واحد وهذه الثلاثية هي التالية:

– احتواء مخاطر الاتفاق النووي الايراني الغربي وانعكاساته اللاحقة على الملفات الاقليمية الساخنة (العراق، سوريا، لبنان) التي تعتبر الرياض نفسها شريكا اساسيا في تقرير مصائرها.

– تحمل تبعات فشل التحالف الاقليمي المذهبي كاطار بديل عن الرعاية الاميركية المباشرة للسعودية التي حمت المملكة لعقود، والتأقلم مع وضع لا تحظى فيه الرياض بوضع الحليف الاستثنائي في واشنطن، لا بل نشوء وضع تنعدم فيه الثقة بين العاصمتين.

– مواجهة قرار داعش بتحويل دول الخليج العربي تباعا الى ساحات جهاد لاطاحة الانظمة الحاكمة فيها بعدما اعادت توزيع تلك الدول ضمن ولايات محددة باسماء وملونة على الخرائط، وبعدما بات ابو بكر البغدادي يعتبر نفسه الخليفة الفعلي للمسلمين نازعا الشرعية عن كل المسميات الاخرى.

لا يوجد خبير بالشأن السعودي يستطيع ان يزعم ان قيادة المملكة قادرة على ادارة صراعات ونزاعات وحروب على ثلاث جبهات في وقت واحد، فليس لديها ما يكفي من الخبرة ولا من الامكانيات، وبالتالي فان المملكة الان امام مرحلة تتشظي فيها قدراتها وتتعرض للاستزاف في وقت قياسي، مع ملاحظة جديرة بالاهتمام ان لائحة المخاطر هذه تقف في وجه المملكة وهي لا تزال تعيش تحت وطأة العملية الانقلابية التي اطاح بها الملك سلمان ارث شقيقه عبد الله واستفز غالبية الاسرة الحاكمة التي تعيش الان صراعات كامنة بين اقطاب متعددة وهذا الصراع الداخلي على السلطة سيؤثر بالضرورة على قدرة المملكة على مواجهة التحديات الاقليمية والتعامل بحصافة مع تحدي الخروج من حرب اليمن، لان هذه الحرب أصبحت بالنسبة للملك المقبل محمد بن سلمان مسألة حياة او موت.