الرئيسية / بجوث اسلامية / تربية الجسم وتربية الاستعداد العقلي – اية الله مرتضى مطهري

تربية الجسم وتربية الاستعداد العقلي – اية الله مرتضى مطهري

بحوث مؤتمر الأطباء الإسلامي

تربية الجسم وتربية الاستعداد العقلي

بسم الله الرحمن الرحيم

كان الكلام حول التربية في نظر التعاليم الإسلامية. وانتهى إلى أن التربية على نوعين:

أحدهما على نحو يصدق عليها اسم “الصنع أو الخلق” وفي الواقع “الصناعة” وهي التربية التي يفترض فيها الإنسان شيئاً، ويصنع لهدف أو أهداف متعددة. والشيء غير المقصود في هذا الصنع هو نفس تلك المادة. إن للصانع والمبدع هدفاً خاصاً، ويستفيد من المادة التي يريد صنعها بعنوان شيء معين. فيجري عليه أي عمل يوافق قصده وهدفه، ولعل ما يقوم به يعتبر نقصاً وتخريباً بالنسبة لتلك المادة وذلك الشيء، أما بالنسبة للإنسان الذي يريد أن يستفيد من ذلك الشيء فيعتبر عمله “صناعة”، مثلاً إن الإنسان ينظر إلى الغنم بعنوان شيء يستفيد منه. فقيمة الغنم عند الإنسان هي كيف يمكنه الاستفادة منها. نتصور الآن فحل الغنم، فالإنسان الذي يريد الاستفادة من هذا الغنم عليه أن يسمنه ليبيعه بثمن جيد أو يستفيد من لحمه. ولأجل ذلك فإنه يخصى ليبقى هادئاً مشغولاً دائماً بأكل العلف لا همّ له غير ذلك، فمن وجهة نظر الإنسان يكون إخصاء الفحل هو كماله، ولكن ما هي نظرة الفحل نفسه؟ هل يرى أنهم اكلوه أم أحدثوا فيه نقصاً؟ من المسلَّم به أنه يرى الثاني.

وهكذا هي الحال بالنسبة إلى الغلمان والخدم. فالغلمان الذين كانوا يخصون في السابق أنهم يرون ما حدث لهم نقصاً. ولكن من وجهة نظر المستفيدين منه يعتبر عملهم هذا كمالاً. لأنه يسهل عليهم استخدامه كآلة في قسم الحريم والنساء وغيره.

بشكل عام يوجد مفهوم كهذا في تربية الإنسان الروحية. فتارة يهيئ أحد المذاهب هدفاً ويضيع الإنسان بنحو يحقق له ذلك الهدف، المقصود ولو باحداث نقص وأضرار في الإنسان. يسلب منه بعض الأحاسيس الطبيعية ويوجد فيه نقصاً روحياً أو جسمياً.

المذهب التربوي الإنساني

وقد يكون المذهب في خدمة الإنسان أي ليس له هدف غير الإنسان وإسعاده وإيصاله إلى الكمال، فليس له مقصود آخر يريد صياغة الإنسان لأجله، ويكون المذهب تربوياً وإنسانياً إذا لم يكن هدفه خارجاً عن نفس الإنسان. أي يقوم على أساس إيصال الإنسان إلى الكمال. فيجب أن يقوم المذهب على أساس تربية الاستعداد والقوى الإنسانية وتنظيمها؛ يمكن لهذا المذهب أن يقوم بعملين لا أكثر: أحدهما أن يسعى لمعرفة الاستعداد الإنساني في الإنسان وتربيته لا تضعيفه؛ والثاني أن يسعى لإيجاد نظام يلائم بين الاستعدادات الإنسانية؛ لأن الإنسان يتمتع بنوع خاص من الحرية الطبيعية فبسبب هذا النظام والتنظيم لا يحدث إفراط ولا تفريط، أي أن كل قوة وكل استعداد ينال حظه ولا يتجاوز على بقية الاستعدادات.

استعدادات الإنسان نوعان: أحدهما هو الاستعدادات التي يشترك فيها مع الموجودات الحية الأخرى؛ والثاني هو الاستعدادات المختصة به. والاستعدادات المشتركة هي الأمور الجسمية أو الجسمانية.

تربية الجسم في الإسلام

المسألة الأولى: هل أن الإسلام يهدف لتربية الجسم أو لتضعيفه؟ وهل هو من المؤيدين للإسراف والتمتع أم من المخالفين له؟ “تربية الجسم، التعبير الآخر لها التمتع وتربية البدن بعدم العمل”.

هنا مفهومان، وهذه التعابير توقع في الخطأ والاشتباه أحياناً. الإسلام يؤيد تربية الجسم مع أنه مخالف للإسراف بمفهومه الأدبي والاصطلاحي. برأي الإسلام يجب أن يكون اسلوب الإنسان بنحو يجعل جسمه سليماً، يملك أعلى حد للنمو، ولا تصيبه الأمراض والآفات والأضرار. إن مثل الجسم كبناية، فتارة ترعونها وتحفظونها من الهواء والأمطار والثلوج وتبذلون أقصى جهودكم لحفظها، وأخرى تتركونها لحالها، يصيبها من الحوادث ما يؤدي إلى خرابها وانهدامها.

لاشك أن التعاليم الإسلامية قائمة على أساس حفظ الجسم ونموه وسلامته، وان سبب تحريم كثير من الأمور هو ضررها على البدن. واحدى المسلمات وبديهيات الفقه: إن كثيراً من الأمور حرمت لأنها مضرة لجسم الإنسان. وهناك أصل عام لدى الفقهاء وهو لو أحرز ضرر شيء على جسم الإنسان ـ وإن لم يوجد دليل من القرآن والسنة عليه ـ فإنه حرام قطعاً. ويقولون: إن الأضرار بعضها معتد به وبعضها غير معتد به، أي أن الضرر قليل جداً بحيث لا يعتنى به. ليس هناك حرج في الشريعة، فلا يحرم هذا المقدار القليل من الضرر، بل يكون مكروهاً أو يستحب تركه. ولكن لو كان هناك قطعي ومسلم به فإنه حرام في نظر الإسلام؛ وان لم توجد للفقهاء فتوى في بعض المسائل، فذلك بلحاظ أنهم لم يقفوا على الموضوع. أي أنه لم يتضح لهم أنه مضر حقاً أم لا، كالفتوى بعدم استعمال الترياك أو الأفيون، كما يذكر المرحوم السيد أبو الحسن في رسالة “وسيلة النجاة”: فتارة تسأل ما حكم استنشاق الأفيون مرة واحدة “لا بنحو الاعتياد عليه”؟ والجواب: بما أن المقياس هو الضرر، وهذا المقدار غير معتد به إذا فليس حراماً؛ ولكن التعود عليه والادمان على استعمال الترياك بشكل يكون عادة له محرم، فكل مقدمة توجب وتسبب هذه العادة فهي حرام. في حين ليس لنا دليل على حرمة الترياك في الكتاب والسنة. الاعتياد على الأفيون يعتبر حراماً بدليل انه مضر. أو مثلاً الهيرويين الذي هو مادة جديدة لم تكن سابقاً، بما أن ضرره محرز قطعاً فلا شك في حرمته. وبشكل عام: كل شيء مضر فهو حرام. فيحتمل أن يدخن الفقيه السيجارة والنرجيلة لكنه لا يعتقد بأنها شيء مضر جداً؛ ولكن فقيهاً آخر عالم باضرار هذين أو أنه أحرز أن استعمالها يضر بالبدن ويقصر العمر ويسبب خطراً على سلاُمة الإنسان فيفتي بأنها حرام. وان نفس المعتادين على التدخين حينما يمرضون ويراجعون الطبيب ويقول لهم: إن السجائر مضرة لكم فيقولون بما أن الطبيب قال ذلك فإنها تحرم علينا ولن ندخن بعد.

إنه أصل عام. ولا شأن لنا بالجزئيات. ففي الإسلام أصل عام يقول: كل ما فيه ضرر على جسم الإنسان فهو حرام، وبالعكس نرى في السّنة أن تناول فاكهة معينة وان بعض الخضار مستحب، لأنها تقوي الأسنان وتقي البدن بعض الأمراض. وإن ملاك الحرام أو المستحب أو المكروه هو الضرر أو الفائدة وعدم الفائدة.

ولهذا فإنه تربية الجسم في حدود التربية العلمية، والصحة، وسلاُمة وتقوية الجسم تعتبر كمالاً. إننا نعلم أن قوة جميع الأقوياء تعد كمالاً لهم. وكان علي (ع) قوياً وهذه احدى كمالاته.

تربية الجسم وتربية البدن “بمعنى الاسراف”

قد يقال: لو كان الإسلام موافقاً لتنمية البدن، إذاً لماذا يقال “الاسراف” قبيح؟ والجواب: إن الاسراف القبيح والسيئ هو غير تربية البدن التي هي بمعنى الصحة. ذلك لأن الاسراف في الحقيقة هو تمنع النفس وبطرها المنافي غالباً صحة الجسم وتربيته ـ بالمعنى المتقدم ـ ذلك الاسراف السيئ معناه أن يكون الإنسان محباً وعابداً لنفسه وشهواته، يسعى دائماً لتحقيق ميوله النفسية، ولا علاقة له بموضوع نمو الجسم؛ بل إنه على العكس تماماً، فإن الإنسان المسرف سوف يضر جسمه حتماً. الإنسان المحب لنفسه والشهواني لا يفكر إلا ببطنه لكي يشبع لذاتها؛ لاشك أن الذي يريد أن يحفظ سلاُمة جسمه لا يمكن أن يكون هكذا، بل يجب أن يحارب عبودية البطن، الإنسان الكسول والمسرف يبحث عن لذات أخرى، يقضي ليله دون نوم في مجالس اللهو، ويجهد جسمه واعصابه، هذا الاسراف في متعة البدن مخالف لتربية الجسم بمعنى الصحة الجسمية. نعم إن هذا الاهتمام بالجسم يختلف عن موضوع تنمية وتربية القوى الجسمية، بل إن الاثنين متضادان إلى حد ما، يعني إذا أراد الإنسان تربية جسمه بمعنى حفظ سلامته بنحو يقيه الأمراض والأضرار ويطيل من عمره، فيجب عليه محاربة ذلك النوع من الاهتمام بالبدن، الذي هو حب النفس والشهوة. ولا أتصور أن هناك حاجة للبحث في أن تربية الجسم أصل من اُصول التربية الإسلامية، المهم هو أن نبحث حول الاستعدادات المختصة بالإنسان.

تربية الاستعداد العقلي

إن الاستعداد العقلي أعلى مراتب استعدادات الإنسان. ولكن اتباع الأديان المحرفة كانوا يعرفون الدين بأنه حقيقة مخالفة للعقل، وان العقل يشكل سداً في طريق الدين، فيجب على المتدين أن يبتعد عنه ويتركه وإلا فليس بمتدين. ترى هذا الأمر بشكل واضح في المسيحية، وغيرها. ولكن كيف واجه الإسلام هذا الاستعداد الإنساني؟

هنا أحد المجالات التي تتبين بها قيمة الإسلام الحقيقية. الإسلام دين مدافع عن العقل. وقد أكد كثيراً على هذا الاستعداد؛ واستعان بتأييد نفسه، بالعقل دائماً. كثرة آيات القرآن في هذا الشأن، الآيات التي تدعو إلى التفكير والتعقل، أو الآيات التي ذكرت أموراً تحفز الإنسان على التفكير. نذكر هذا الموضوع باختصار كي لا يطول بحثنا، لأنه أمر واضح ولا يحتاج إلى توضيح، ونذكر التعليل كنموذج.

التعقل في القرآن

قال تعالى:

(فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) (سورة الزمر، الآيتان: 17 ـ 18). بدأ الموضوع بـ”عباد”، كأن القرآن يريد أن يقول: أن عبد الله هو الذي يكون هكذا، وهذا هو شرط العبودية. (الذين يستمعون القول). ولم يقل: “يسمعون” فهناك فرق بين “السماع” و”الاستماع”. فالسماع هو أن يسمع الإنسان وإن لم ينو السماع.

أما “الاستماع” فهو الاصغاء بإرادة الإنسان، كما انك تجلس هنا وتستعد للاستماع، يقال في مجال الموسيقى: لا يحرم سماعها، ولكن يحرم الاستماع إليها. يقول القرآن: (الذين يستمعون القول) أي لا يرفضون أي كلام قبل فهمه وإدراكه يستمعون أولاً بدقة، (فيتبعون أحسنه) ثم يغربلونه ويحللونه، ثم يقيمون خيره وشره، ثم يختارون أحسنه ويتبعونه. فالآية تشير إلى استقلال الفكر والعقل. وان يكون الفكر بحكم الغربال للإنسان، وكل كلام يسمعه الإنسان يضعه في هذا الغربال ثم يزن الحسن والقبيح، الجيد والسيئ ثم يختار أحسنه وأفضله (أولئك الذين هداهم الله) يصف القرآن هذه الهداية بالهداية الإلهية مع أنها هداية عقلية (وأولئك هم أولو الألباب) “الألباب” جمع “لُبّ” بمعنى الدماغ لا بمعنى المخ، ويحتمل أن يكون هذا الاصطلاح من مختصات القرآن “لأننا بحثنا في غير القرآن فلم نجده” وان لم يكن الاصطلاح فإن القرآن استعمل كلمة “لب” للتعبير عن العقل في كثير من الموارد، كأنه شبه الإنسان بجوزة أو لوزة فكل الجوزة هي قشر ولكن الأساس والأصل فيها هو لبها الموجود في داخلها. فلو نظرنا إلى الإنسان بهيئته وهيكله فان لبّه هو عقله وفكره. ماذا نقول لو لم يكن للجوزة لب؟ نقول إنها لا شيء وانها خالية لا فائدة فيها ويجب رميها بعيداً. إن لم يكن للإنسان عقل لم يكن له جوهر ولب الإنسانية المقوم لها. فهو إنسان بلا معنى وغير مفيد. أي أنه بصورة إنسان ولا معنى للإنسانية فيه. فحسب هذا التعبير يكون معنى الإنسان عقله، ويكون العقل عقلاً ويصل إلى هذا الحد إذا كان مستقلاً (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) لا يوجد تعبير أفضل من هذا يدعو إلى حكومة العقل واستقلاله، وامتلاكه القدرة على النقد والانتقاد وتحليل المسائل والأمور، فالإنسان المحروم من هذه الموهبة هو لا شيء.

هذه آية واحدة، وان آيات القرآن عديدة في هذا المجال، ولو أردنا استعراضها وجب علينا أن نخصص عدة بحوث لها ولكن هذا المقدار كافٍ نموذجاً لهذا الموضوع.

التعقل في السُّنَّة

أعطيت للعقل والتعقل أهمية كبيرة في السنة الإسلامية وبالخصوص في الروايات الشيعية وإحدى مزايا الروايات الشيعية على غيرها اهتمامها الكبير بالعقل والاعتماد عليه. ولهذا السبب يعترف الكتابُ الاجتماعيون المعاصرون وحتى أهل السنة بأن العقل الشيعي كان أقوى من العقل السني في تاريخ الإسلام. لأحمد أمين كتاب معروف باسم “فجر الإسلام” و”ظهر الإسلام” و”ضحى الإسلام” و”يوم الإسلام” ففجر الإسلام مجلد واحد، وضحى الإسلام ثلاثة مجلدات، وهو كتاب فني، ولكن فيه نقاط ضعف كثيرة من وجهة نظر الشيعة حتى إن البعض يعتبره كتاباً مخالفاً للشيعة. ولاشك أنه كتاب ذو محتوى جيد من الناحية العلمية. ومع أنه معروف بمخالفة الشيعة لكنه يعترف في هذا الكتاب بأن العقل الشيعي عقل استدلالي، وان العقل الشيعي في جميع المراحل أقوى استدلالاً. ويفسر سبب قوة العقل الشيعي باعتماد الشيعة على التأويل كثيراً. ولكن الحقيقة هي أن منشأ هذا الأمر هو أئمة الشيعة الذين دعوا الناس كثيراً إلى التعقل والتفكير. يقول في هذا الكتاب: ظهرت الفلسفة بين الشيعة ولم تظهر بين السنة في تاريخ الإسلام فلم تكن في مصر فلسفة إلى أن أصبحت شيعية. وعندما جاءت الفلسفة ولكن بعدما ذهب التشيع من مصر ضعفت الفلسفة فيها ولم تكن فيها فلسفة حتى القرن الأخير إلى أن جاء سيد شيعي “يعني جمال الدين” إلى مصر وروّج سوق الفكر مرة ثانية، ثم يعبر تعبيراً رائعاً فيقول: “والحق أن الفلسفة بالتشيع الصق فيها بالتسنن” وبشكل عام فإن العقل الشيعي أقوى استدلالاً.

وأساس ذلك هو أن السنة الشيعية اهتمت بهذا الموضوع أكثر من السنة السنية، إن أهل السنة مجموعتان منذ البداية، المعتزلة والأشاعرة، كانوا على اختلاف فيما بينهم؛ كان المعتزلة موافقين للعقل والأشاعرة موافقين للتعبد. كان الشيعة مع المعتزلة في الرأي، أي أن لهم بعض الاختلافات لكنهم يتفقون في الاُصول، ووجه الاشتراك بينهم هو أن الفريقين يحترمان العقل والاستدلال. هناك تعابير كثيرة في الروايات الشيعية حول العقل لا نجدها في كتب السنة. فكتب الشيعة أمثال “الكافي” و”البحار” وكتب الحديث الأخرى تبدأ بكتاب “العقل والجهل” ثم كتاب التوحيد وبعده كتاب النبوة، ثم كتاب الحجة و… فأول كتاب يفتتح به هو كتاب “العقل والجهل” طبعاً أن العقل يقف امام الجهل وهذا ما سأوضحه. فإننا نرى الروايات الشيعية تعطي احتراماً وقيمة عظيمة للعقل وحجته.

العقل والجهل في الروايات الإسلامية

يقول الإمام (ع): إن لله حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، الحجة الظاهرة هم الأنبياء والحجة الباطنة هي عقول الناس. هذا الحديث من مسلمات أحاديث الشيعة وهو مذكور في كتاب الكافي. والجهل المذكور هنا هو ما يقابل العقل، والعقل في الروايات الإسلامية هو القوة والقدرة على التحليل، وعندما ترى أن الإسلام يحتقر الجاهل في أغلب الأحيان فليس المراد بالجاهل الأمي المقابل للعالم. بل إن الجاهل هو ضد العاقل. فالعاقل هو الذي يملك فهماً وقدرة على التحليل. والجاهل الذي لا يملك هذه القدرة. نرى كثيراً من افراد البشر الذين هم علماء لكنهم جهلاء؛ علماء بمعنى أن لديهم كثيراً من المعلومات التي اكتسبوها من الخارج، تعلموا أشياء كثيرة؛ ولكن ذهنهم ليس إلا مخزناً فقط لا اجتهاد لهم ولا استنباط ولا تحليل للأمور. مثل هؤلاء جهلة في رأي الإسلام، أي أن عقولهم راكدة، فيمكن أن يكون علم الإنسان كثيراً لكن عقله جامد.

جاء في الحديث: “الحكمة ضالة المؤمن”، الحكمة دون شك هي العلم المحتوي على الحقيقة، العلم الذي له أساس واستحكام وليس خيالياً.

نحن لا نستطيع أن نصور هذه الأمور بدقة ونقوم باعمال المبلغين، وإلاّ فإن كل واحد من هذه يعتبر أمراً مثالياً ذا قيمة في التبليغ للإسلام، بان يقدس الدين الحكمة إلى هذا الحد ويقول: الحكمة ضالة المؤمن. ومعناه أن تكون حالة المؤمن كحالة من ضاع منه شيء نفيس فهو يبحث عنه دائماً. ولهذا الحديث تتمة وردت في أحاديث أخرى. ويمكن أن نرى هذا المضمون في عشرين موضعاً منها: “خذوا الحكمة ولو من أهل النفاق” “ولو من أهل الشرك” أي لو شعرت بأن ما عند ذلك الشخص هو حكمة وعلم صحيح، فلا تفكر بأنه كافر أو مشرك، نجس، وليس بمسلم، بل اذهب وخذها منه، فالحكمة لك وهي دين عنده وليست ملكاً له. “أينما وجدها فهو أحق بها”.

اهتمام المسلمين بطلب العلم

فلنتجاوز وضعنا هذا الذي مسخت فيه الثقافة والمعرفة، بحيث يفسرون كل ما عندنا بأسلوب سيئ وقبيح؛ في أوائل القرن الثاني للهجرة حينما كان الإسلام في أوج نشاطه وكان سوقه رائجاً، ترجمت علوم كثيرة من فارس والروم والهند واليونان وغيرها، وادخلت إلى عالم الإسلام. فما سبب ذلك، وكيف لم يبد العالم الإسلامي أية ممانعة؟ السبب هو وجود التعاليم التي هيأت الجو لذلك، فلو وجد كتاب في أقصى الصين فلا مانع من ترجمته “اطلبوا العلم ولو بالصين”[1] .

فمثلاً عبد الله المقفع الذي ترجم منطق أرسطو كان في زمن الإمام الصادق (ع).

كانت هذه الأعمال قد بدأت قبل زمن الإمام الصادق (ع) بل من زمن بني أمية، لكنها اتسعت في زمن الإمام الصادق (ع) ووصلت إلى أوجها، وترجمت علوم الماضين بكثرة في زمن هارون الرشيد والمأمون وعصر الأئمة (ع)، كان “بيت الحكمة” مدرسة لم يكن لها نظير في زمنها وحتى بعده لم يوجد مثلها إلا القليل. إن أئمتنا الذين كانوا ينقدون الخلفاء ويظهرون انحرافاتهم ـ ولعن الخلفاء بسبب تعريف الأئمة الناس بانحرافاتهم فلعنوهم ـ مع ذلك لم يرد في حديث لهم (ع) أن عمل الخلفاء هذا كان بدعة وأن ترجمة علوم الأمم الكافرة كاليونان والروم والهند وإيران وادخالها إلى دنيا الإسلام هو من الأعمال المخربة؛ في حين أن هذا الأمر قد يكون أفضل وسيلة للعوام لسحق هؤلاء الخلفاء. لكننا لم نجد حتى حديثاً واحداً يصف عمل الخلفاء هذا بأنه بدعة ومخالفة للإسلام.

إن هذا الأمر هو قاعدة جاء بها الإسلام “خذوا الحكمة ولو من أهل النفاق”.

تذكر رواياتنا حديثاً للمسيح (ع) أنه قال: “كونوا نقاد الكلام”[2] أي كما ينقد الصراف العملة ويشخص الجيد من الرديء منها ويأخذ جيدها، فأنتم أيضاً كونوا كذلك بالنسبة إلى الكلام. نأخذ كل ما عند الآخرين. ولنا عقل وفكر، ولا نخشى شيئاً، فنفكر به ثم نختار الجيد والنافع منه ونطرح السيئ الرديء.

والآن ما هو أصل “خذوا الحكمة ولو من أهل الشرك” “أو ولو من أهل النفاق”؟ أصلها هو هذه الآية: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله واولئك هم أولو الألباب).

حديث عن الإمام موسى الكاظم (ع)

هناك حديث للإمام الكاظم (ع) في كتاب “الكافي” يخاطب فيه هشام بن الحكم. وهشام أحد رواتنا ومن الباحثين في الاُصول كثيراً، وكان في زمانه “متكلماً” ولم يكن يرضى بتسميته “متكلماً” كان يعمل مع أهل الكلام ويباحث في التوحيد والنبوة والمعاد ويتفق الشيعة والسنة على أنه أحد متكلمي زمانه الأقوياء.

قبل فترة وبمناسبة كتابة كتاب “خدمات الإسلام وإيران المتقابلة” كنت أقرأ كتاب “تاريخ علم الكلام” لشبلي نعمان ـ وهو عالم هندي ألف كتاباً رائعاً ـ وبعد فترة رأيت في شرح حال أبي الهذيل العلاف وهو أحد المتكلمين المقتدرين وكان إيراني الأصل اسلم على يديه كثير من الإيرانيين الزرادشتيين “عبدة النار” أنه كتب:

“كان الجميع يخشى ويتجنب مباحثة أبي الهذيل، والشخص الوحيد الذي كان يتجنبه أبو الهذيل هو هشام بن الحكم”.

المهم، إن هشاماً كان رجلاً قوياً. كان الإمام الكاظم (ع) يخاطب هشاماً دائماً بأن نشاطه عقلي وفني، ويدعوه (ع) إلى التفكير والتعقل كثيراً ويقول: يا هشام! إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه: (فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه…) تبين الآية الشريفة فائدة التحليل والغربلة وتمييز الحسن من السيئ وانها من خواص العقل. احدى خواص العقل تعلم العلم وهذا ليس مهماً، بل إنه عندما يبدأ بالتحليل وتمييز الحسن من السيئ في ذلك الوقت يبدأ العقل عمله بالمعنى الحقيقي.

كلام ابن سينا

لابن سينا جملتان في هذا المجال في كتاب “الاشارات” احداهما هي: “من تعود ان يصدق بغير دليل فقد انخلع من كسوة الإنسانية”.

ومعنى ذلك أن لا يقبل الإنسان كل كلام بغير دليل يدل عليه ويقابله: “مَن تعود على انكار كل شيء بغير دليل، فهذا قبيح أيضاً”، يقول:

“كل ما قرع سمعك من العجائب فذره في بقعة الأماكن ما لم يزرك عنه قائم البرهان”.

الإنسان الحقيقي هو الذي يكون قبوله وعدم قبوله قائماً على الدليل، وإن لم يوجد دليل يقول “لا أدري”.

——————————————————————————–

[1] الجامع الصغير، ج1، ص44.

[2] بحار الأنوار، ج2، ص96.

شاهد أيضاً

عوامل التربية (2) الإحسان – اية الله مرتضى مطهري

عوامل التربية (2) الإحسان ـ تقوية شعور البحث عن الحقيقة ـ المراقبة والمحاسبة من المسائل ...