40a74b1a-b6c8-4a8c-bdc0-69820e573943

مواعظ شافية

3- من الشَّريعة حفظ النِّظام


يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ1

 

1- سورة المائدة، الآية: 48.


تمهيد

 

إنّ من يجيل نظره ويعمل فكره في هذا الكون المترامي الأطراف يرى النظام والدقّة والحكمة والعظمة فيه، يقول تعالى:﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ2ويقول سبحانه:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ3، وفي هذا الخلق تتكشّف لنا صفات الحكمة والعظمة والقوّة والقدرة في الخالق الّذي أبدعها وأنشأها. وعندما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، سواءً في البعد الجسديّ أم فيما يتعلّق بالروح الإنسانيّة الّتي هي أكثر تعقيداً من الجسد، خلقه على أساس نظام دقيق جداً: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ4.

 

الإنسان يخضع لنظامين

 

كذلك من الواضح القول إنّ كلّ ما هو خارج إرادة الإنسان وقدرة الإنسان يسير ضمن نظام تكوينيّ قهريّ، وهو خاضع لسُنَن صارمة وقوانين حاسمة وقاطعة، وضعها الله سبحانه وتعالى في هذا الوجود وفي هذا الكون، يقول تعالى: ﴿سُنَّةَ

 

2- سورة الغاشية، الآيات: 17 20.

3- سورة آل عمران، الآية: 190.

4- سورة التين، الآية: 4.

 

اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا5.

 

كذلك وضع الله سبحانه وتعالى لحياة الإنسان نظاماً أمره باتّباعه، وهذا النظام نسمّيه الشريعة، يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ6.

 

والفرق بين النظامين أنَّ النظام الأوّل خارج عن إرادتنا واختيارنا ونحن خاضعون لسُنَنِه وقوانينه، لا نقدر على أن نفعل شيئاً، فحركة الشمس والأرض والكواكب خاضعة لقوانين كونيّة لا تقدر على الخروج عليها، يقول تعال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ7.

 

النظام التشريعي

 

أمّا النظام الثاني فهو يتعلّق بالقضايا التشريعيّة، الّتي وضعها لنا الله سبحانه وتعالى وهو الأعلم بمصالحنا ومفاسدنا منّا، وقد أراد لنا من خلال الالتزام بها أن نصل إلى السعادة وإلى الحياة الطيّبة وذلك ضمن دائرة الاختيار لا الإجبار. وبأدنى تأمّل نجد أنّ روح التنظيم سارية في كلِّ الشريعة، في البعد العباديّ، والمعاملاتيّ والأخلاقيّ.

 

ولذلك نرى أمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في اللحظات الأخيرة من حياته، عندما جمع حوله الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام وبقيّة أولاده وأهله، قال لهم في ما قال من الوصيّة: “أوصيكما وجميع وُلدي وأهلي ومن بلغه كتابي

 

5- سورة الأحزاب، الآية: 62.

6- سورة المائدة، الآية: 48.

7- سورة يس، الآية: 40.

 

بتقوى الله، ونظم أمركم، وصلاح ذات بينكم، فإنّي سمعت جدّكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام”8. ومن هذه الكلمات نتبيّن أهميّة النظام إذ جاءت في المرتبة الثانية بعد وصيّة الإمام لبنيه بتقوى الله تعالى، هذه الوصيّة الّتي لا تختصّ بأبناء الإمام عليّ عليه السلام بل هي عامّة شاملة لكلّ الأنام، ونحن معنيّون بها.

 

فتقوى الله تعني اجتناب معصية الله، أو اجتناب الحرام والقيام بالواجبات.

ونظم الأمر يعني أن تكون أمورنا كلّها منظّمة مرتّبة.

وصلاح ذات البين أن لا نتخاصم ونتفرّق بل أن نتعاون ونتماسك.

 

لا بدّ للناس من أمير

 

لقد أكّد الإسلام أنّ أيّ شعب أو مجتمع أو جماعة بشريّة، تعيش في مكانٍ ما وفي ظروف مشتركة ومعّينة لا بدّ لها من نظام وحكومة. في أدبيّات الزمان الماضي في صدر الإسلام كانوا يقولون لا بدّ من إمارة، كما عن الإمام عليّ عليه السلام: “لا بدّ للناس من أميرٍ برٍّ أو فاجر”9.

 

وعندما يقول الحديث الشريف: “لا بدّ للناس من أمير برٍّ أو فاجر”، فإنّه لم يعط شرعيَّة لحكومة الفاجر بل وصَّف الحاجة الطبيعيّة للجماعة البشريّة وإلى النظام.

 

يعني جاء الإسلام أوّلاً وتكلّم بالمبدأ، مبدأ الحاجة إلى نظام وإلى حكومة وإلى قانون.

 

حكومة الدولة الإسلاميّة

 

وكذلك بعدما ثبَّت الإسلام المبدأ جاء ليقول إنّ النظام، أو القانون أو الشريعة الّتي تستطيع أن تحقِّق الآمال والأهداف الّتي يريدها الله للناس، إنَّما هي شريعة

 

8- نهج البلاغة، ج3، ص 76.

9- م.ن، ج1، ص91.

الحكومة أو الدولة الّتي تحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى:﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ10 ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ11. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ12

 

وقد تحقّقت الدولة والحكومة الإسلاميّة أيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، ثمَّ اتّسعت إلى مكّة وإلى شبه الجزيرة العربية. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رأس هذه الدولة والحكومة وقد حكم بشريعة الله والقانون الإلهيّ المنزل، فهو الّذي لا ينطق عن الهوى، حكم بما ينسجم والتشريع الإلهي لا بما ينسجم مع هواه أو مشاعره أو عواطفه –وإن كنّا نعتقد بأنّ هواه ومشاعره وعواطفه كلّها لله تعالى وأنّه حصل على مرتبته العليا في القرب من الله سبحانه بحيث إنّه لا يمكن أن يفكّر بشيء يخالف الرضا الإلهيّ- كما يحصل في أيّامنا هذه، عند من يضعون القوانين بحيث يجيّرونها لمصالحهم ويبدّلون فيها بحسب أهوائهم وأمزجتهم.

 

يقول سبحانه:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ13. فالنبيّ أو المعصوم أو من ينوب عنهما -حيث لا بدّ للناس من أمير- هو الحاكم والكتاب شرعة الله تعالى لكي يكون القسط ويسود العدل بين الناس، فمنافع الحكم بالشريعة الإلهيّة تعود لعامّة الناس لا لمصالح فئويّة وشخصيّة كما يحصل عندما يضع بعض البشر الأنظمة والقوانين.

 

ومن يتأمّل في طريقة الإسلام في معالجة المشاكل الّتي يتعرّض لها الإنسان والمجتمع في هذه الحياة يجد أنّ الإسلام ينشد الغرض من خلق الإنسان وهو إيصاله عن اختيار إلى الكمال المعنويّ والفوز برضا الله عزّ وجلّ والقرب منه، وذلك لا

 

10- سورة المائدة، الآية: 44.

11- سورة المائدة، الآية: 45.

12- سورة المائدة، الآية: 47.

13- سورة الحديد، الآية: 25.

يتحقّق إلّا بتنمية الروح الإنسانيّة المودعة فيه وفطرته السليمة الّتي خلق عليها، وتعديل الغرائز المختلفة الكائنة فيه، ولذلك أرسل الله سبحانه رسله بالبيّنات وأنزل معهم الكتاب والحكمة والميزان لتحقيق هذا الغرض، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، فجاء صلى الله عليه وآله وسلم بتعاليم أخلاقيّة سامية وعلّم الكتاب والحكمة، ودعا إلى تهذيب النفوس، وأمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وقد نجح – إلى حدّ بعيد – في هذا المجال، فكان في نفس كلّ إنسان مسلم متأدّب بآدابه وازع داخليّ يمنعه من الاقتراب من أموال الآخرين والنيل من أعراضهم والتعدّي على حقوقهم، وهذا غاية المنى من أيّ قانون يطلبه الناس.

 

فلسفة الأحكام الجزائيّة

 

إلّا أنّ ذلك لوحده لا يكفي خاصّة مع وجود بشر منحرفين لديهم نزعة الإفساد في الأرض، يعتدون على غيرهم دون وجه حقّ، ولمعالجة هذا الأمر جعلت الأحكام القضائيّة والقوانين الجزائيّة في الشريعة الإسلاميّة لتكون سدّاً أمام من لم ينتفع بالآيات والحِكم ولم تؤثّر فيه المواعظ والآداب، فمال مع غرائزه النفسانيّة الّتي تحمل الإنسان على أن لا يقتنع بحقوقه وتدفعه إلى الظلم والتعدّي على حقوق الآخرين، فجعل ” القاضي” لكي يكون مرجعاً للناس لفصل الخصومات وقطع المنازعات، وجعل “الحديد” فيه بأس شديد تستأصل به جذور الفساد وعناصر البغي في المجتمع.

 

ثمّ يأتي البحث الأساس ليناقش احتمالات أنّه إذا كنّا في بلد ويمكن أن نقيم فيه دولة إسلاميّة، أو أقمنا فيه دولة إسلاميّة فلا مشكلة في مراعاة القوانين، فهي دولة شرعيّة والناس يتعاونون معها ويلتزمون أنظمتها وقوانينها وأحكامها وإجراءاتها، إلى آخره….

 

في ظلّ دولة غير إسلاميّة

 

لكنّ المسألة أنّه في مثل الزمن الّذي نحن فيه، المسلمون يعيشون في بلدان مختلفة من العالم، أي في بلد مختلط فيه مسلمون ومسيحيّون أو أتباع ديانات

 

 

 أخرى حيث لا يكون من المتاح فيه إقامة دولة إسلاميّة، وبالتالي تقوم فيه دولة غير إسلاميّة فكيف يتصرّفون؟ والحال أنّ الحكومة موجودة بأنظمتها وقوانينها، وهذه القوانين الّتي تضعها أحياناً قد تكون متطابقة مع الأحكام الإسلاميّة وأحياناً قد لا تكون متطابقة بل متعارضة مع الأحكام الإسلاميّة. في هذا العصر هذا الابتلاء موجود. فما هو الموقف تجاه هذه القوانين؟

 

التعاطي مع القوانين الوضعيّة

 

الإسلام قدّم رؤية واقعيّة متقدّمة جدّاً. فهو يرى أنّ الهدف والهمّ الحقيقيّ هو الناس، فالناس في أيّ مجتمع يلزمهم حكومة ونظام لأجل مصالحهم، لأجل أمنهم واستقرارهم، وأيضاً لأجل تطوّرهم، وحتّى يتمكّنوا من حلِّ مشاكلهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة وغيرها.

 

الإسلام لا يريد أن يتنازعوا، بل أن ينظّموا حياتهم بشكل أو بآخر. إذا توفَّر هذا في دولة إسلاميّة فهذا جيد، لكن إذا لم تكن هناك دولة إسلاميّة، وهناك قوانين لدى هذه الدولة غير الإسلاميّة، قوانين ترعى مصالح الناس، تنظِّم الشؤون الحياتيّة للناس، تؤمّن هذا الهدف بشكل أو بآخر، هنا لا يأتي الإسلام ويقول: لأنَّ هذه القوانين صادرة عن دولة غير إسلاميّة فهذه قوانين غير محترمة ولا يجب مراعاتها، اذهبوا واعملوا الّذي تريدونه؛ أي الفوضى، فإن هذا خلاف الهدف ولا يقبل به الإسلام.

 

جاء الإسلام وقدّم، بحسب اجتهاد فقهائنا ومراجعنا الكبار، قدّم فهماً، يتحدَّث عن شيء اسمه حفظ النظام العام، حفظ المصالح العامّة للناس وللمجتمع، عدم جواز الإخلال بالحياة العامّة والنظام العامّ والقوانين العامَّة الّتي ترعى شؤون الناس وحياتهم ومصالحهم. حتّى لو كان ذلك في ظلّ دولة غير إسلاميّة.

 

فلا ينبغي لنا بعد ذلك كلّه أن نخالف الأمر الّذي دعا إليه الشرع الحنيف، بل ينبغي أن نكون منتظمين خلفه ملتزمين بتوجيهاته، إذ بها ننال خير الدنيا وعافية الآخرة.

 

 للمطالعة

الدين والقانون14

قد آن الأوان أن نعترف بالحقيقة القائلة: بأنّ البشر لا يستطيعون وضع دستور لهم بدون هدى الله. وبدلاً من المضيّ في الجهود الّتي لا تأتي بنتائج مثمرة، علينا أن نعترف بالواقع لّذي يدعونا إليه الدكتور فرويدمان، حين يقول: “يتّضح بعد دراسة هذه الجهود المختلفة أنّه لا بدّ من هداية الدّين لتقييم المعيار الحقيقيّ للعدل. والأساس الّذي يحمله الدّين لإعطاء العدل صورة عمليّة ينفرد هو بها في حقّيته وبساطته”15. إنّنا نجد في الديّن جميع الأسس اللازمة الّتي يبحث عنها المشرّعون لصياغة دستور مثالي، ولكي يتّضح صدق ما نقوله، نأتي بالدراسة الوجيزة التالية في أهمّ مشكلات التشريع الإنسانيّ:

 

(منها) مصدر التشريع، وأوّل الأسئلة وأهمّها بالنسبة لأيّ تشريع هو البحث عن مصدر هذا التشريع: من الّذي يضعه؟! ومن ذا يعتمده حتّى يصبح نافذ المفعول؟.

 

لم يصل خبراء التشريع إلى إجابة عن هذا السؤال حتّى الآن. ولو أنّنا خوّلنا هذا الامتياز للحاكم، لمجرّد كونه حاكماً، فليس هناك أساس نظريّ وعلميّ يجيز تمتّعه هو أو شركاؤه في الحكم بذلك الامتياز، ثمّ إنّ هذا التحويل من ناحية أخرى لا يجدي نفعا، فإنّ إطلاق أيدي الحكّام ليصدروا أيّ شيء لتنفيذه بوسيلة القوّة؟ أمر لا تُطيقه ولا تحتمله الجماهير.

 

ولو أنّنا خوّلنا سلطة التشريع لرجال المجتمع، فهم أكثر جهالة وحمقاً، لأنّ المجتمع، أيّ مجتمع! إذا نظرنا إليه ككلّ، لا يتمتّع بالعلم والعقل والتجربة، وهي أمور لا بدّ منها عند التشريع. فهذا العمل يتطلّب مهارة فائقة وعلماً وخبرة، وهو

14- راجع: الإسلام يتحدّى، وحيد الدين خان، ص 159 – 161، بتصرّف.

15- Legal The عليها السلام عليهم السلام y , صلى الله عليه وآله وسلم. 450.

ما لا تستطيع العامّة من الجماهير الحصول عليه، كما أنّها، وإن أرادت، لن تجد الوقت الكافي لدراسة المشكلات القانونيّة وفهمها. وللخروج من هذه المشكلة توصّل رجال القانون إلى حلّ وسط، وهو أن يقوم (البالغون) من أفراد المجتمع بانتخاب ممثّلين لهم، وهؤلاء بدورهم يصدرون التشريعات باسم الشعب. ومن الممكن أن ندرك حماقة هذا الحلّ الوسط، حين نجد أنّ حزباً سياسيّاً لا يتمتّع إلّا بأغلبيّة 51 % من مقاعد البرلمان يحكم على حزب الأقليّة، الّذي يمثّل 49 % من أفراد المجتمع البالغين. والأمر لا يقف عند هذا الحدّ، لأنّ هذا الحلّ يحتوي على فراغ كبير جدّاً تنفذ منه أقليّة لتحكم على أغلبيّة السكان.

 

وهكذا نقف مرة أخرى أمام ظاهرة البحث عن أساس القانون ومصدره. والدّين يستجيب لهذا التحدّي الخطير، الّذي قد يدّمر سعادة البشريّة كلّها.. إنّه يقول: إنّ مصدر التشريع هو الله وحده، خالق الأرض والكون، فالّذي أحكم قوانين الطبيعة هو وحده الّذي يليق أن يضع دستور حضارة الإنسان ومعيشته. وليس هناك من أحد غيره سبحانه، يمكن تخويله هذا الحقّ.

 

إنّ هذا الجواب معقول وبسيط لدرجة أنّه يصرخ قائلاً- لو استطعنا أن نسمع نداءه-: هل هناك أحد غير الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يسوّي هذه المشكلة المصيريّة؟

 

لقد وصلت بنا هذه الإجابة إلى مكانها الحقيقيّ من التشريع والمشرّع، بعد أن استحال علينا المضيّ خطوة ما في ظلام الضلالة عن الهدى الحقيقيّ. إنّه لا يمكن قبول إنسان حاكماً ومشرّعاً للإنسان، ولا يستمتع بهذا الحقّ إلّا خالق الإنسان، وحاكمه الطبيعي: الله. (وقد يعطي الله سبحانه هذا الحقّ لمن يشاء كالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث يقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا16، نعم، ولكن الرسول الّذي لا ينطق عن الهوى).

 

16- سورة الحشر، الآية:7.

 

 

 

شاهد أيضاً

1397111717142156016568802

الكويت الغنية تعجز عن تجنيس مواطنيها الحاملين وثائق ل..30 سنة مضت

الكويت الغنية تعجز عن تجنيس مواطنيها الحاملين وثائق ل..30 سنة مضت. الولاية الاخبارية:تقرير عن المضوع ...