الحرص : هو الافراط في حب المال ، والاستكثار منه ، دون أن يكتفى بقدر محدود . وهو من الصفات الذميمة ، والخصال السيئة ، الباعثة على ألوان المساوئ والآثام ، وحسب الحريص ذماً أنه كلما ازداد حرصاً ازداداً غباءاً وغماً . وإليك بعض ما ورد في ذمه : قال الباقر عليه السلام : « مثل الحريص على الدنيا ، مثل دودة القز كلما ازدادت من القز على نفسها لفاً ، كان أبعد لها من الخروج ، حتى تموت غماً » ( 3 ) .
لذلك قال الشاعر : يفني البخيل بجمع المال مدته * وللحوادث والأيام ما يدع كدودة القز ما تبنيه يهدمها * وغيرها بالذي تبنيه ينتفع وقال الصادق عليه السالم : « إن فيما نزل به الوحي من السماء : لو أن لابن آدم واديين ، يسيلان ذهباً وفضة ، لابتغى لهما ثالثاً ، يا بن آدم إنما بطنك بحر من البحور ، وواد من الأودية ، لا يملأه شيء إلا التراب » ( 1 ) .
وقال عليه السلام : « ما ذئبان ضاريان ، في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها ، بأفسد فيها من حب المال « الدنيا خ ل » والشرف في دين المسلم » ( 2 ) . وقال أمير المؤمنين عليه السلام في ضمن وصيته لولده الحسن عليه السلام : « واعلم يقيناً أنك لن تبلغ أملك ، ولن تعدو أجلك ، وأنك في سبيل من كان قبلك ، فخفض في الطلب ، وأجمل في المكتسب ، فإنه رب طلب ، قد جر إلى حرب ، فليس كل طالب بمرزوق ، ولا كل مجمل بمحروم » ( 3 ) . وقال الحسن بن علي عليهما السلام : « هلاك الناس في ثلاث : الكبر . والحرص . والحسد . فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس . . والحرص عدو النفس ، وبه أخرج آدم من الجنة . والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل » ( 4 ) .
مساوئ الحرص : وبديهي أنه متى استبد الحرص بالانسان ، استرقه ، وسبب له العناء والشقاء ، فلا يهم الحريص ، ولا يشبع جشعه إلا استكثار الأموال واكتنازها ، دون أن ينتهي إلى حد محدود ، فكلما أدرك مأرباً طمح إلى آخر ، وهكذا يلج به الحرص ، وتستعبده الأطماع ، حتى يوافيه الموت فيغدو ضحية الغناء والخسران . والحريص أشد الناس جهداً في المال ، وأقلهم انتفاعاً واستمتاعاً به ، يشقى بكسبه وادخاره ، وسرعان ما يفارقه بالموت ، فيهنأ به الوارث ، من حيث شقى هو به ، وحرم من لذته .
والحرص بعد هذا وذاك ، كثيراً ما يزج بصاحبه في مزالق الشبهات والمحرمات والتورط في آثامها ، ومشاكلها الأخروية ، كما يعيق صاحبه عن أعمال الخير ، وكسب المثوبات كصلة الأرحام وإعانة البؤساء والمعوزين ، وفي ذلك ضرر بالغ ، وحرمان جسيم .
علاج الحرص :
وبعد أن عرفنا مساوئ الحرص يحسن بنا أن نعرض مجملاً من وسائل علاجه ونصائحه وهي : 1 – أن يتذكر الحريص مساوئ الحرص ، وغوائله الدينية والدنيوية وأن الدنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب .
2 – أن يتأمل ما أسلفناه من فضائل القناعة ، ومحاسنها ، مستجليا سيرة العظماء الأفذاذ ، من الأنبياء والأوصياء والأولياء ، في زهدهم في الحياة ، وقناعتهم باليسير منها .
3 – ترك النظر والتطلع إلى من يفوقه ثراءاً ، وتمتعاً بزخارف الحياة والنظر إلى من دونه فيهما فذلك من دواعي القناعة وكبح جماح الحرص .
4 – الاقتصاد المعاشي ، فإنه من أهم العوامل ، في تخفيف حدة الحرص ، إذ الاسراف في الانفاق يستلزم وفرة المال ، والافراط في كسبه والحرص عليه .
قال الصادق عليه السلام : « ضمنت لمن أقتصد أن لا يفتقر » ( 1 ) .