الرئيسية / اخبار اسلامية / المسيح في ليلة القدر 30
0

المسيح في ليلة القدر 30

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله – قسم من دروس سماحة الإمام الخامنئي دام ظله ضمن سلسلة جلسات تفسير القرآن في العامَيْن 1982م و 1983م

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾1 إلى آخر الآية.
هذه آخر آية من سورة الصف المباركة – والّتي قُلنا إنّه يُمكن أن تُسمّى أيضاً بسورة الجهاد – وفي هذه الآية الشريفة أيضاً يحثّ الله سبحانه وتعالى الناس، المؤمنين، المخاطَبين بالخطاب القرآني، ويُشجّعهم بلسان آخر على الجهاد في سبيل اللّه، وفي سبيل نصرة الإسلام ونصرة القيم الإلهيّة. ويُشبّه ويُماثل المؤمنين وأنصار اللّه سبحانه وتعالى في هذا الزمن- أي زمن هذا الدِّين المقدّس – بالأنصار والمؤمنين بالله ويوم القيامة في زمن النبيّ عيسى عليه السلام. ويجعلهم مماثلين لبعضهم بعضًا، ويُبيّن لهؤلاء مصير أولئك.
ومن الواضح طوال التاريخ أنّ هناك قانوناً واحداً يجري في هذا المجال، وخطاب اللّه سبحانه وتعالى للمؤمنين هو خطاب واحد دائماً، والأنبياء هم الرسل الإلهيّون الّذين بُعثوا ليُوصلوا رسالة واحدة وخطاباً واحداً، ويكشفوا عن حقيقة واحدة لكلّ الناس في كلّ العصور والقرون والدهور، وذلك الخطاب هو اتباع الحقّ والجهاد لنصرة الحقّ على الباطل. هذا هو خطاب رسل اللّه، وذلك الحقّ – الّذي ينبغي السعي لأجله – هو الحقّ الفطريّ الصافي
 

1- سورة الصف، الآية 14.
 
 
439

378

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 الّذي يُعدّ الإيمان بالله والإيمان بالقيامة، والإيمان بالإنسان، والإيمان بالتكامل البشري في سبيل الله أجزاء فصوله وأبوابه. ولأنّ البحث الآن ليس في باب النبوّات فلن نتعرّض لمسألة الهدف من إرسال الرسل وبعثهم. الكلام ههنا هو أنّ أتباع عيسى وأتباع النبيّ الخاتم وأتباع بقيّة الأنبياء وجميع المؤمنين في كلّ عصور التاريخ يجب أن ينصروا الله وينصروا دين الله، ويعلموا أنّهم إذا نصروا دين الله فإنّ الله سينصرهم على أعدائهم، أي إنّ الله سينصرهم كذلك، هذه هي خلاصة الحقيقة المندرجة في هذه الآية.

يُمكن أيضاً أن نستخلص من مجموع السورة عدّة نتائج، فطوال هذه السورة كان التحريض على الجهاد وبثّ الأمل والتبشير بالنصر النهائي، وكانت أيضاً جهود ومساعي الكفّار وأصحاب الطاغوت وأهل الباطل لأجل تدمير الحقّ والقضاء عليه، وأنّ هذه المساعي لن تصل إلى غايتها. وقد بيّنتُ كلّ هذه الأمور تقريباً في هذه الآية على شكل خلاصة من خلال التشبيه بالأزمنة الماضية وأنصار حضرة عيسى.
الآن نوضّح بعض كلمات الآية الكريمة، يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾، لا يقول صيروا أنصار اللّه، لأنّ المؤمنين هم أنصار اللّه بشكل طبيعي، بإيمانهم باللّه قد نصروه، بل يقول كونوا، يعني ابقوا كما أنتم الآن أنصاره، أو قوّوا هذه النصرة في نفوسكم. وكلّما مرّ الزمان، زيدوا من نصرتكم لله. ونصرة الله هي نصرة دين الله ونصرة المعارف والحقائق الّتي تمّ بيانها بواسطة أنبياء الله للناس، وإلاّ فليس لله سبحانه وتعالى نصرة من دون دينه ومن دون أنبيائه ومن دون أحكامه ومعارفه. ومحبّة الله هي كذلك أيضاً، فمحبّة اللّه هي بمعنى محبّة دين الله ومحبّة نبيّ الله، ليس أنّه لا معنى لمحبّة الله، فذلك أمر قلبي – الحب الإلهي هو مقام عالٍ جدّاً وعظيم، بحيث يصل إليه العرفاء العظام والعباد المخلصون – لكنّ الأثر العملي لهذه المحبّة هو في اتّباع النبيّ. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾1، أي إنّ الأثر العمليّ لهذه المحبّة هو أن يتّبع الإنسان النبيّ، وإلاّ فمِن الممكن أن يقول الإنسان أنا متّبع للّه، ومحبّ للّه، وناصر للّه. لكنّ هذه النصرة وهذه المحبّة لا يكون لها أثرٌ أو انعكاس في عمله الخارجيّ. في هذه الحال لا يكون هذا القول صادقاً ولا مقنعاً. 
هذا المعنى موجودٌ أيضاً في سائر آيات القرآن الكريم، وهو أنّنا إذا كُنّا مرتبطين بالله فلا بدّ أن يتخذ هذا الارتباط
 

1- سورة آل عمران، الآية 31.
 
 
 
440

379

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 شكل الارتباط بنبيّ اللّه وبدين اللّه وبأولياء اللّه وبالحقائق الخارجيّة. وحتى لا يتمكّن أيّ أحد أن يدّعي هذا باطلاً ووهماً. حتّى في الزمن الذي لا يكون فيه النبيّ موجوداً في هذه الدنيا، فالمعيار والشاخص أيضاً هو خليفة النبيّ. ولذلك يقول سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾1، يعني عندما يكون النبيّ موجوداً في دار الدنيا، ويقول الإنسان أنا أُطيع النبيّ فمن السهل أن يُعرف ما إذا كان يُطيعه أم لا، لكن في الوقت الّذي يُغادر فيه النبيّ هذه الدنيا يعني بعد وفاته كيف تُعرف طاعة النبيّ؟ هل يُمكن لشخص أن يعصيَ خليفة النبيّ، ويقول إنّه يُطيع النبي؟ كلا، هذا الأمر لا معنى له، ولذلك يقول: ﴿وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، أي أطيعوا أولي الأمر. الآن من هم أولو الأمر؟ هذا بحث آخر. ليس محلّه هنا. في كلّ حال، يجب إطاعة أولي الأمر. والأمر هو كذلك الآن. هكذا كان في الماضي وفي المستقبل سيبقى كذلك أيضاً. إنّ طاعة الله تكون في شكل إطاعة قوانين الله، هذه القوانين والشرائع الواضحة والمدوّنة والمشخّصة، وإلاّ يُمكن لأيّ شخص أن يدّعي أنّه ناصرٌ للّه، أو ناصرٌ للإسلام أو أنّه مطيع، لكنّه لا يُراعي أيّاً من هذه الأحكام والضرورات الإسلاميّة. كلاّ، هذه لا تُحتسب إطاعة للّه. إنّ نصرة اللّه هي نصرة دينه، وأولئك الذين ينصرون دين اللّه هم في الحقيقة ينصرون اللّه سبحانه وتعالى.

حسنًا، هذا الخطاب هو للمؤمنين، يا أيّها الذين آمنوا انصروا دين الله. وبالتأكيد، لو أنّ هذا العمل كان سهلاً ومن دون مشقّات وآلام لما كان التأكيد عليه بهذا المقدار، ولما جرى تشبيهه 
وضرب مثاله ببني إسرائيل وأصحاب عيسى عليه السلام. لو أنّ هذا العمل كان من دون مشقّة لكان من السهل أن يُقال انصروا اللّه، فيُجيب الجميع نحن بالخدمة، نحن ننصره. ولكانوا 
نصروه لو أنّ الأمر من دون مشقّات. لكنّ هذا العمل هو أصعب وأشقّ الأعمال أبداً. ليس في هذه الدنيا أيّ عمل آخر أكثر تعباً ومشقّة وجهداً من النصرة الإلهيّة، أي نصرة الله ونصرة 
دينه. لماذا؟ لأنّ الإنسان عندما يسير في خطّ نصرة الله، فإنّ كلّ القوى المعادية لله تحتشد ضدّه وتتعبّأ لمواجهته. كلّ الذين لا يقبلون دين الله ولا يعترفون بالله ولا يريدونه ولا يُحبّونه ويشعرون أنّ دينه يُضيّق عليهم بنحو من الأنحاء ويُعارض مصالحهم سيقفون في وجه ذلك الشخص الذي ينصر الله سبحانه وتعالى.
 
 

1- سورة النساء، الآية 59.
 
 
 
 
441

380

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 وكما شاهدتم في مجتمعكم أنتم أيضاً، في تلك الأزمنة التي كان الطاغوت حاكماً في هذا البلد، لو أنّ شخصاً كان يأتي على ذكر الإسلام بلسانه من دون أن ينصر الله، بل كان يُتابع شؤونه الخاصّة ولم يكن مهتمّاً بنصرة الدين ولم يسع إلى تحكيم الدين وتحقّقه في الحياة، لم يكن ليتعرّض له أحد. يعيش حياته بيسر وراحة، يأكل وينام، ويُسافر ويذهب إلى مكّة، ويزور 

كربلاء، ويُمارس حياته في المجتمع بسهولة من دون أن يتدخّل في شؤونه أحد. أمّا ذلك الشخص الّذي يريد أن ينصر دين اللّه، ذلك الشخص الذي يريد أن يعمل لأجل دين اللّه، ذلك الشخص الذي يريد أن يواجه مخالفي دين اللّه ويُزيل أثرهم حتى يُحكّم دين الله في الحياة، فإنّ جميع البلاءات والعوائق ستُحيط به. ولن يسمحوا له بالسفر إلى مكّة ولا إلى كربلاء، ولن يُجيزوا له الكلام، أو يدعوه يُمارس تجارته إن كان من أهل التجارة، أو يُتابع دراسته، سواء كان من طلبة العلوم الدينية أو الأكاديمية.
نصرة الله إذاً محفوفة بالمشقّات، ولأنّها شاقّة ومؤلمة جاء التأكيد عليها وإيراد التشابيه والأمثلة لها من الماضي حتى يتشجّع المؤمنون للقيام بهذا العمل الشاقّ والمتعب. ولذلك يقول: كَمَا قَالَ عِيسَى ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي من هو الذي سينصرني مع اللّه؟ أو من ينصرني في سبيل اللّه ؟ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ﴾. نحن مستعدّون أن ننصرك. تُلاحظون أنّه من بين كلّ ذلك الجمع الّذي كان يعيش في زمن النبي عيسى عليه السلام لم يتجاوز عدد الحواريّين اثنَيْ عشر شخصاً. فقط اثنا عشر مؤمناً من بين كلّ أولئك الناس، كانوا مستعدّين أن ينصروا عيسى عليه السلام. انظروا كم أنّ هذا العمل صعبٌ ومتعبٌ. ولقد قاموا بهذا العمل في ذلك العصر. أي إنّ أنصار عيسى استطاعوا في أزمنة القمع الذي كان يُمارسه الحكّام الروم والإسرائيليّون، أن يدافعوا عن دين اللّه في مقابل عالم الظلم والفساد والكفر والطغيان آنذاك، وأن يُلازموا عيسى وينصروه. لقد أدّوا هم هذا العمل الصعب، يعني أنتم أيضاً أدّوه.
﴿كَمَا قَالَ﴾ هذه التي تشبّه بعمل النبي عيسى عليه السلام هي بمعنى أنّ دعوة النبي الخاتم للمؤمنين للمسارعة في نصرة الله تشبه دعوة النبيّ عيسى عليه السلام، وكما أنّ ذلك العمل كان عملاً صعباً، فهذا العمل أيضاً هو عمل محفوف بالمشقّات. وكما إنّ ذلك العمل كان عملاً سامياً كذلك هذا العمل هو عملٌ سامٍ أيضاً. وكما إنّ الذين قاموا بذلك العمل في
 
 
 
 
442

381

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 تاريخ الأديان الإلهية، في تاريخ المسيحية، كانوا أفضل المؤمنين وخلاصتهم من أمثال يوحنا ومتّى وبطرس وباقي حوارييّ حضرة عيسى، فإنّ أولئك الأشخاص الذين ينصرون نبي الإسلام ويسارعون إلى نصرة دين اللّه سيكونون أيضاً من الوجوه البارزة في التاريخ، مثلما صاروا كذلك في الواقع. انظروا أنتم اليوم في تاريخ الإسلام، أولئك الذين نصروا النبي هم اليوم نجوم ساطعة في تاريخنا. وأنتم أيضاً كذلك، إذا نصرتم دين الله اليوم ستكونون كمسلمي صدر الإسلام، نجوم هذا التاريخ المشرقة، وستكونون كحوارييّ عيسى عليه السلام أيضًا. إنّ دين الله في كلّ الأزمان واحد، ونصرة دين اللّه في كلّ الأزمان لها القيمة نفسها والسمو نفسه، مثلما لها الخير والبركة ذاتها. لقد كان الحواريّون أنصار النبي عيسى عليه السلام. وكما هو معروف وقد بيّنا، أنّ هؤلاء كانوا اثنَيْ عشر رجلاً من المؤمنين بدين عيسى عليه السلام وكانوا مرافقين له دائماً، يسمعون منه ويسألونه حتّى أشرقت قلوبهم بنور المعرفة. لماذا قيل لهؤلاء حواريون؟ البعض يقول إنّ حواريين هي من مادة حَوَر أو حَوِر، بمعنى البياض، لأنّ قلوب هؤلاء كانت قلوباً بيضاء في وسط ذلك الظلم والظلام آنذاك. وقد سمعت قلوبهم النقية دعوة عيسى عليه السلام واستجابت لها. يقول البعض: إنّ سبب التسمية يرجع إلى أنّهم كانوا يلبسون عباءات بيضاء، ثياباً بيضًا، أو أنّهم كانوا يبيّضون ثيابهم بمعنى أنّهم كانوا ينظفونها من الأوساخ ويطهرونها من القذارات. والبعض الآخر يقول: إنّهم كانوا يبيّضون ألبسة الآخرين وينظفونها من الأوساخ والقذارات. وأنا أقدّم احتمالاً آخر وهو أنّ الحواريّين من الحوار، أي المحاورة. والحوار بمعنى المحادثة. لقد صادف أنّني كنت أقرأ بعض الكتب، وفيما كنت أنظر فيها رأيت أنّ أحداً لم يتعرّض من قبل لهذا الاحتمال الّذي خطر ببالي، ربما لأنّ في هذا الاحتمال خطأ فادح أنا لست ملتفتاً إليه، أو أنّهم لم يخطر في بالهم هذا الاحتمال. وبرأيي أنّ هذا الاحتمال يمكن أن يكون مقبولاً، من الحوار والمحاورة، ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾1، هذا التعبير موجود في القرآن الكريم، وقد قرأناه في سورة المجادلة. ومن الواضح أنّ مصدر تحاور هو حوار. هذه “الحَواريّين” بفتح الحاء، وتلك “الحِواريّين” بكسر الحاء، يمكن أن تكونا من نفس المصدر، والسبب في أنّه يُقال لهم حواريون أيضاً هو أنّهم كانوا دائماً مرافقين لعيسى عليه السلام يُحدّثونه ويستمعون إليه ويسألونه ويتلقّون إجاباته العميقة والناضجة والمختصرة بكلّ ما فيها من صعوبات وغموض.

 


1- سورة المجادلة، الآية 1.

 

 

 

443


382

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 هذه الإجابات موجودة الآن إلى حدٍّ ما في الأناجيل، وهي موجودة أيضاً في رواياتنا1. وقد نقل القرآن الكريم أيضاً في موارد عدّة أموراً عن نبيّ اللّه عيسى عليه السلام، وهي في غاية الفائدة وزاخرة بالمعاني. وما نُقل في رواياتنا عن حضرة النبي عيسى المسيح عليه السلام كذلك عامرٌ بالمطالب اللافتة والعميقة والجميلة والّتي تستحقّ القراءة والسماع،. وقد وردت بلسان الكناية والاستعارة، ما يُدلّل على أنّ دور حضرة النبي عيسى عليه السلام في ذلك الزمان كان تليين القلوب بخطابه. في زمن حياته أي في زمن حضور النبي عيسى بين الناس – لأنّنا نعتقد أنّه لم يُغادر هذا العالم -، في تلك المدّة من السنوات القليلة التي كان حاضراً فيها بين الناس، كان عيسى النبي عليه السلام يستجلب القلوب إلى الحقائق الإلهيّة بالخطاب. أجل، كانوا يُسمّون الحواريّين بهذا الاسم لأنّهم كانوا المصاحبين لحضرة عيسى الّذين يُحادثونه ويتحاورون معه. وعلى كلّ حال، هؤلاء الحواريون هم أنصار عيسى المقرّبون.

حسناً، عبارة: ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ هذه، قال بعض المفسّرين: إنّ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ فيها تعني “مع اللّه”، أي من هم أنصاري مع اللّه، حيث يستفاد هنا من “إلى” بمعنى “مع”. 
وأرى أنّ هناك احتمالاً آخر كأن نقول من هم أنصاري في سبيل اللّه ونحو اللّه، أي إنّني لا أريد هذه النصرة لأجل شخصي ونفسي، لا أريد هذه النصرة لأجل الأمور الماديّة، بل في هذه 
الحركة والسلوك الّذي نسير فيه نحو الله أحتاج إلى أنصار، فمن هم أنصاري؟ 
حسناً، وبعد جريان هذه المحاورة بين النبي عيسى عليه السلام والحواريّين، وصيرورة الحواريّين أنصار الله، لا تُبيّن لنا الآية هنا ما الذي فعلوه، لكن يتّضح أنّ عيسى عليه السلام والحواريّين قد بدؤوا بجهاد عظيم. 
لقد ورد هذا الحوار في سورة أخرى من القرآن الكريم، أعتقد أنّها سورة آل عمران الّتي تقول: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾2، فلمّا شعر عيسى عليه السلام من بني إسرائيل الكفر
 

1- من بين الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام قسم ينقل أقوال النبي عيسى عليه السلام. هذا القسم موجود في كل كتبنا الحديثيّة، وهو يعدّ من الأقسام الزاخرة بالمعاني. 
فأقواله عميقة المعنى وقوية وفيها الحكمة البالغة. لا أعلم إن كانت تلك المضامين قد وردت في الأناجيل أو لا. لم أبحث في هذا الخصوص، ويا حبذا لو يقوم أحد بهذا البحث، أي يستخرج كل الأقوال الواردة عن النبي عيسى عليه السلام في رواياتنا ويطبّقها على الأناجيل ليتبين في أي أناجيل توجد هذه الأقوال المنقولة في رواياتنا. وإن لم تكن منقولة في الأناجيل فليس هناك مشكلة، لأن المسيحيّين لا يدّعون أن كلمات الأناجيل هي كلمات حضرة عيسى عليه السلام فقط. وعلاوة على الأناجيل الموجودة كان هناك أناجيل أكثر وما أكثر الأقوال الواردة في رواياتنا والتي كانت جزءًا من أناجيل ضاعت واندثرت. وعلى كل حال، فالأقوال التي رويت عن أئمتنا ينظر إليها المسيحيون بعين الاعتبار، فلتكن في متناول أيديهم فيتمكنوا من الاستفادة منها. ما المشكلة في ذلك؟ ولربما كان هذا العمل وسيلة لتقريب أصحاب الأديان بعضهم من بعض. 12/10/1373ه. ش. – (1994م).
2- سورة آل عمران، الآية 52.
 
 
 
 
444

383

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 ورأى عدم استعدادهم لقبول الدين الإلهي والإيمان الحقيقي، ﴿قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ﴾، ههنا تُنقل أيضاً هذه المحاورة بين النبي عيسى والحواريّين في سورة آل عمران على ما أظنّ. في ذلك العالم الظالم الّذي لم يكن الناس فيه مستعدّين لسماع كلمات الحقّ والحقيقة، يريد نبيّ اللّه عيسى أن يختار أنصاره الأعزّاء والمقرّبين والحميمين، فيطرح هذا السؤال، ويستجيب له الحواريون وينخرطون في الجهاد.

وبالطبع، هذا الجهاد لا يتوقّف على زمن حضور النبي عيسى عليه السلام فبعد أن يعرج عيسى المسيح إلى السماء ويختفي من بين الناس ويُغادرهم، يواصل الحواريّون عملهم ويُبلّغون 
دين اللّه. ولكن في نهاية الأمر، تزداد ضغوط الحكومة الظالمة للروم الّذين كانوا مشركين ويعبدون الأصنام، ويشتدّ ظلمهم للحواريّين والمؤمنين بعيسى كثيراً بحيث يفقدون القدرة على العمل العلني والظاهر، وتبدأ مرحلة العمل السرّي في أقبية البيوت وسراديبها، ويختفون في القرى ومغارات الجبال. ويصير التواصل فيما بينهم في غاية الصعوبة. ويُمارس الإسرائيليّون على أصحاب عيسى منتهى الظلم والخبث، فلا يتورّعون عن ممارسة أيّ ضغط أو تضييق عليهم. لقد استمرّت الضغوط على المسيحيّين شديدة جدّاً لمدّة من الزمن، لعلّها حوالي مئتَيْ سنة أو ثلاثمئة سنة، بحيث بقيت كلّ جهودهم في ترويج الدين وبيان الحقائق والمعارف الإلهيّة سرّية ومخفية وفي الظلام. وكانت كلمات حضرة عيسى تُتناقل فيما بينهم مشافهة ومن لسان إلى لسان. 
لكن بعد ذلك الإصرار على مواصلة هذا النضال والجهاد المعنوي من دون تعب أو تراجع أو يأس أو ملل أو ضجر، فإنّ الله سبحانه وتعالى في نهاية المطاف ينصرهم على أعدائهم، ويؤمن امبراطور الروم. فجأة يؤمن امبراطور الروم الّذي كان هو نفسه منشأ لكلّ هذه الخيرات! – أظنّه كنستانتين المعروف بقسطنطين عند العرب – ويصير مسيحيّاً. وبعد أن صار مسيحياً يُضيّق على كلّ أعداء المسيحية، وقد أشير إليه في هذه الآية القرآنية حيث تقول: ﴿فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾1, يعني قبلت طائفة من بني إسرائيل تعاليم عيسى عليه السلام، ﴿وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾ أخرى فلم تقبل المعارف العيسويّة. بعد أن تتشكّل هاتان الطائفتان، وعلى أثر الجهاد الّذي بذله الحواريّون وتلاميذ الحواريّين والمؤمنون بدين
 

1- سورة الصف، الآية 14.
 
 
 
 
445

384

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 عيسى- وهؤلاء جميعاً هم جزء من مفاخر تاريخ البشريّة – فإنّ الله سبحانه وتعالى يرتّب على جهاد الحواريّين وتلاميذهم هذا الأثر حيث يقول ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، أي ساعدنا أولئك الأشخاص الذين آمنوا ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي أصبحوا منتصرين وغالبين.

وبالطبع، هناك اختلاف بين المفسّرين حول زمن وقوع هذه الغلبة للمؤمنين بدين عيسى على الكفار. أحد الآراء هو ما عرضته لكم، أي بعد مرور عدّة مئات من السنين، لعلّها مئتان أو 
ثلاثمائة سنة من خروج النبي عيسى من بين الناس وعروجه، حيث يؤمن قسطنطين الّذي كان امبراطورًا للروم، ويؤدّي إيمانه هذا في نهاية المطاف إلى انتصار وغلبة المؤمنين بعيسى 
على الكفار والمشركين الّذين كانوا على ديانة اليهود وكانوا من المعاندين. ويسود دين عيسى في جميع بلاد الروم والبلاد التابعة لها – الّتي كانت بلاد الشام وفلسطين والمناطق المحيطة بها جزءاً منها – فيؤمن أهل هذه المناطق بأكملها بالمسيحيّة في تلك الفترة من الزمن. هذا رأي من الآراء. البعض الآخر لا يوافق على هذا التفسير، ويقول إنّ المقصود من غلبة أصحاب عيسى عليه السلام وانتصارهم على أعدائهم لا يتعلّق بذلك الزمان، بل هو يرتبط بزمان ظهور الإسلام، فعند ظهور الإسلام ورفع النبي الأكرم للواء التوحيد أصبح دين عيسى عليه السلام وبشكل طبيعي حيّاً من جديد، لأنّ الذي جاء به عيسى لا يختلف عما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فعيسى كان مبشراً بالمعارف الإلهيّة نفسها التي جاء رسول الإسلام مبشّراً بها ومبيّناً لها. 
ونحن نعلم أنّ الأنبياء الإلهيّين والمؤمنين بالله والرجال الإلهيّين والروحانيّين لا تكون غلبتهم هي غلبة أشخاصهم دائماً، بل إنّ غلبتهم هي غلبة دينهم، وانتصار قيمهم وأهدافهم. ولذلك في بحث النبوّة، نحن نقول وندّعي أنّ جميع الأنبياء قد انتصروا، لا يُمكن أن تجد أيّ نبي لم ينتصر حتى ذلك النبي الذي نشروه بالمنشار إلى نصفين هو أيضاً قد انتصر، وذلك لأنّه استطاع أن يتقدّم بذلك الحمل الذي كان على كاهله وبمقدار حياته وبحسب زمانه وبما في وسعه إلى الأمام ويوصله إلى من يحمله من بعده. افترضوا على سبيل المثال طريقاً طوله كيلومتر واحد، وهناك حملٌ ثقيل ينبغي أن يُنقل من أول هذا الطريق إلى آخره حيث تتمّ الحاجة إليه والاستفادة منه في نهاية ذلك الطريق، ويقوم شخصٌ ويرفع هذا الحمل على كتفه ويسير به في هذا الطريق مسافة عشرة أمتار. بعد ذلك يُصبح الحمل ثقيلاً جدّاً عليه بحيث لا يقدر أن يتقدّم. يقع ويموت فيأتي شخص آخر عند نقطة العشرة أمتار هذه فيرفع
 
 
 
 
446

385

الملحق الأوّل: الحواريّون أنصار دين الله

 ذلك الحمل على كتفه ويسير به مسافة عشرين متراً أو ثلاثين متراً أو عشرة أمتار أخرى، لكن يقع بعدها ولا يستطيع الاستمرار، يموت. فيأتي شخص آخر يرفع ذلك الحمل ويتقدّم به وعلى هذا النحو يأتي كلّ شخص ويرفع الحمل من حيث توقّف سابقه، ويستمرّ بالتقدّم به إلى الأمام حتّى يصل في النهاية إلى الهدف. في هذه الحال، هل كان هؤلاء الأشخاص الذين شاركوا في نقل هذا الحمل موفّقين أم أنّهم أخفقوا؟ ذلك الشخص الذي رفع الحمل من بداية الطريق وسار به لمسافة عشرة أمتار ثم توفّي، هل يمكن أن تقولوا إنّه أخفق في سعيه؟ هذا لم يُخفق أبداً! إنّ القدرة الطبيعيّة لشخص ما هي نقل هذا الحمل لعشرة أمتار لا أكثر، لأنّ الحمل ثقيل جدّاً. والفن كان في أن يتمكّن من إيصال هذا الحمل إلى الشخص الّذي يستطيع أن يواصل نقله من بعده. وهذا يشبه عملية نقل الرسائل وإيصال البريد في السابق. في الزمن القديم، كان حملة الرسائل ينقلون هذه المغلفات والأمانات – التي كانت تخصّ الحكومات وحكّام تلك الأزمنة – فيحملها شخص ويسير بها مسافة ما، لكنه لا يستطيع أن يكمل بالسرعة المطلوبة نفسها في كلّ الطريق الممتدة لمسافة ثلاثمئة فرسخ أو مئتَيْ فرسخ مثلاً. فكان يوجد في أماكن معيّنة أشخاصٌ آخرون جاهزون لاستلام أمانات الشخص الأوّل الّذي كان يودع أماناته عند الشخص الثاني ويعود إلى متابعة شؤونه الخاصّة، فقد أنجز ما عليه. ثمّ يطوي هذا الشخص الآخر مسافة من الطريق حتى يوصل تلك الرسائل إلى مكان معيّن بسرعة محدّدة، وهكذا حتى تصل هذه الأمانات في نهاية الأمر إلى مقصدها. إنّ هؤلاء الأشخاص الذين ساروا على هذا الطريق حتى وصلت هذه الأمانات إلى محلّها كانوا بأجمعهم موفّقين وناجحين في عملهم.

وعليه، عندما نفترض أنّ الدين الإلهي سيصل في نهاية هذا التاريخ وفي ختام تاريخ النبوات إلى نقطة يغلب عندها التوحيد وتعمّ تعاليم الدين الإلهي ينبغي أن نقول: إنّ كلّ الرسل الإلهيّين منذ آدم عليه السلام حتّى آخر نبي قبل النبي الخاتم كانوا جميعاً موفّقين لأنّهم استطاعوا أن يؤدّوا ذلك العمل الّذي كان على عهدتهم، وأن يوصلوا ذلك الحمل إلى الشخص الّذي يليهم، ويُقرّبوا البشريّة خطوة إلى الأمام، ويتقدّموا بهذه الرسالة مقداراً في التاريخ. لقد استطاعوا أن يُنجزوا هذا العمل، ولهذا كلّ الأنبياء كانوا منتصرين.
 
 
 
 
 
447

شاهد أيضاً

0

المسيح في ليلة القدر 32

الملحق الثّالث: مريم المقدّسة في القرآن  الملحق الثّالث: مريم المقدّسة في القرآن – بيان مكانة ...