تاريخ العلاقة بين بريطانيا وبعض القيادات والحركات الكردية في العراق يحمل جوانب استخبارية وسياسية حقيقية، لكن من المهم عدم تحويل ذلك إلى تعميم بأن «الأكراد» جميعًا أداة للمخابرات البريطانية.
العلاقة كانت متغيرة، وفيها مصالح متبادلة وصراعات وتعاون أحيانًا.
أين توجد الأدلة التاريخية؟
1. منذ تأسيس العراق الحديث
خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، كان البريطانيون يتعاملون مع القيادات الكردية باعتبارها عاملًا مهمًا في رسم مستقبل شمال العراق.
وتُظهر وثائق بريطانية أن ضابط الاستخبارات إدوارد نويل أشرف عام 1918 على اجتماع لقيادات كردية، بينما كانت بريطانيا تحاول ضبط المطالب الكردية ضمن ترتيبات تخدم تصورها للعراق والمنطقة.
2. في الستينيات والسبعينيات أصبح الملف أكثر حساسية
الوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية تكشف أن قيادة مصطفى بارزاني كانت تسعى للحصول على دعم غربي، بما في ذلك التعاون الاستخباري.
وفي وثيقة عام 1972 ذُكر صراحة أن مسعود بارزاني كان مسؤولًا عن الاستخبارات الكردية وأن القيادة الكردية طلبت تعاونًا استخباريًا غربيًا.
والأهم أن الولايات المتحدة قدمت بالفعل دعمًا سريًا للكرد بقيادة مصطفى بارزاني في تلك المرحلة بهدف الضغط على حكومة بغداد وإبقائها في حالة ضعف.
لكن هذه الوثائق تثبت الدور الأمريكي بوضوح أكبر من إثباتها أن MI6 البريطانية كانت تدير الحركة الكردية.
وهذه نقطة مهمة جدًا حتى لا نخلط بين ما هو موثق وما هو استنتاج.
فما هي «الأهداف الخفية» المحتملة؟
من منظور استراتيجي بريطاني تاريخي، يمكن فهم الاهتمام بالكرد من خلال عدة أهداف:
التأثير في بغداد ومنع قيام حكومة عراقية قوية جدًا ومستقلة عن النفوذ الغربي.
مراقبة إيران وتركيا والعراق والاتحاد السوفيتي؛ لأن المناطق الكردية تقع في نقطة تماس بين هذه الدول.
النفط والموارد والطريق إلى الخليج، وهي عوامل كانت شديدة الأهمية في السياسة البريطانية.
استخدام الورقة الكردية كورقة ضغط عند تدهور العلاقات مع بغداد.
وفي العصر الحديث، أصبحت العلاقة أكثر علنية، وتشمل الأمن والتدريب ومكافحة الإرهاب والعلاقات الاقتصادية والسياسية.
وهناك مفارقة مهمة: بريطانيا اليوم لا تعلن دعم استقلال كردستان العراق؛ بل تؤكد رسميًا دعمها لوحدة العراق مع دعم حقوق الكرد داخل الدولة العراقية.
كما أن بريطانيا دربت قوات البيشمركة منذ 2014 وقدمت لها معدات، وهو تعاون أمني معلن وليس بالضرورة نشاطًا استخباريًا سريًا.
الخلاصة
إذا كان المقصود بـ «علاقات مشبوهة» وجود تاريخ من الاتصالات السرية، جمع المعلومات، الدعم غير المعلن، واستخدام القضية الكردية في الصراع الإقليمي، فهناك أساس تاريخي موثق لهذا الكلام.
أما القول إن MI6 تتحكم حاليًا بكل القوى الكردية وتستخدمها لتنفيذ مخطط بريطاني واحد، فهذا يحتاج إلى أدلة محددة ولا يمكن اعتباره حقيقة لمجرد وجود تاريخ طويل من العلاقات.
والأكثر إثارة للاهتمام هو أن ننظر إلى الموضوع من زاوية أكبر: لماذا حافظت بريطانيا، ثم الولايات المتحدة، على علاقة قوية مع كردستان العراق رغم إصرارهما رسميًا على وحدة العراق؟
هنا تظهر المصالح المتعلقة بالنفط، إيران، تركيا، سوريا، بغداد، والممرات الاستراتيجية بصورة أوضح.