الرئيسية / الاسلام والحياة / الحياة الآخرة – دروس في المعاد والآخرة 07

الحياة الآخرة – دروس في المعاد والآخرة 07

الدرس السابع:

عالم البرزخ وحقيقته

 

أهداف الدرس:

على الطالب مع نهاية هذا الدرس أن:

1- يذكر معنى البرزخ والحكمة من وجوده.

2- يستدل على البرزخ بواسطة الآيات والروايات الشريفة.

3- يبيّن التصوّر والمعتقد الصحيح للحياة البرزخية.

 

تمهيد

عن عمرو بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: “إنّي سمعتك وأنت تقول كلّ شيعتنا في الجنّة على ما كان فيهم، قال عليه السلام: صَدَقْتُكَ كلّهم والله في الجنّة، قلت: جُعِلْتُ فداك إنّ الذّنوب كثيرة كبائر، فقال عليه السلام: أمّا في القيامة فكلّكم في الجنّة بشفاعة النَّبي المُطاع أو وصيّ النّبيّ ولكِنّي والله أتَخَوَّفُ عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ، قال عليه السلام: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة”[1].

 

ماهيّة البرزخ ومعناه

البرزخ لغةً هو الشيء الحاجز بين شيئين[2]، ثمّ توسّع الاستعمال لهذا اللفظ وأطلق على كلِّ ما يحول بين الشيئين، وهذا ما ورد في سورة الرّحمن ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾[3]، أي يوجد بينهما حائل، فيوجد بين البحرين، المالح والعذب، حاجز هو ما يسمّى بالبرزخ، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. واصطلاحاً, هو العالم الذي يتوسّط بين الدّنيا والآخرة، أي أنّ الرّوح بعد انفصالها عن الجسد وقبل عودتها إليه ثانياً يوم القيامة، سوف تبقى في عالم يتوسَّط العالمين ويطلق عليه اسم البرزخ. يقول العلامة الطباطبائي صاحب تفسير الميزان: “إنّ الحياة البرزخيّة وهي المسمّاة بعالم القبر، عالم متوسّط بين الموت والقيامة، ينعم فيه الميِّت أو يعذّب حتى تقوم القيامة”[4].

 

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: “البرزخ القبر وهو الثواب والعقاب بين الدّنيا والآخرة”[5].

 

وبالرَّغم من أنّ القرآن لم يتعرّض إلا إجمالاً لمسألة البرزخ وتفاصيلها، إلا أنّ الأدلّة الرئيسة التي يمكن الاعتماد عليها لإثباته، هي الأدلّة النقليّة الواردة في السُّنة الشّريفة. وبغضِّ النَّظر عن الاختلاف الموجود بين علماء المسلمين في تفاصيل عالم البرزخ، فإنّهم اتّفقوا جميعاً على أصل وجود هذا العالم.

 

البرزخ في الكتاب والسُّنة

1- الآيات الكريمة:

ورد لفظ البرزخ في جملةِ آيات كريمة، نذكر منها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[6]. فالآيتان شرعتا بالحديث عن وضع الكفّار والظلمة والمجرمين، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ﴾ وسرعان ما يواجه بجواب سلبي فيقال له: ﴿كَلَّا﴾ ثمّ يضاف إلى الجواب: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فبدايةً الآية الأولى من هاتين الآيتين تشير إلى المنزل الأوّل “الموت”، والثانية منهما تشير إلى المنزل الثَّاني، أي “البرزخ”. وجملة ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ تعتبر قرينةً واضحةً على أنَّ عالم البرزخ هو مرحلةٌ تسبق يوم القيامة بعد الموت.

 

ويقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[7].

 

يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾[8].

 

الآيات من الأدلّة الواضحة على وجود عالم البرزخ، فالملاحظ فيها أنّها تتحدّث عن الشُّهداء بما هم “أحياء”، وليست الحياة هنا هي الحياة المجازيّة – كما تخيّل البعض – كبقاء أسمائهم وآثارهم وذكرهم ونحوه، لأنّ هذا لا يتناسب مع سياق الآيات والأوصاف الواردة فيها، وإنّما المقصود هو الحياة الحقيقيّة، وإلى هذا أشار السيد الطباطبائي في تفسير الميزان فقال: “والمراد بالحياة في الآية هو الحقيقية دون التقديرية”[9].

 

أمَّا توجيه الخطاب في الآيات للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، إنّما ذلك لأنّ الكثير من الناس في أواسط عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, كانوا يجهلون هذه الحياة البرزخية ما بين الموت إلى الحشر، فالثابت عندهم كان هو البعث للقيامة، بالإضافة إلى اعتقاد البعض والذين يرون كون النفس غير مجرّدة عن المادّة، وأنّ الإنسان يبطل وجوده بالموت، وانحلال التركيب، ثمّ يبعثه الله إلى القضاء يوم القيامة. بناءً على هذين الأمرين، يمكن أن يكون المراد هو بيان أنّ حياة الشهداء في ذلك العالم أفضل من حياة غيرهم، فحياتهم تشتمل على أنواع النعم والرزق الإلهيّ.

 

ولهذا فالمستفاد من الآية ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ﴾ في هذا الخطاب الموجّه للمؤمنين، أي لا تعتقدوا فيهم الفناء والبطلان كما يفيد لفظ الموت عندكم، ومقابلته مع الحياة. وكما يعين على هذا القول حواسُّكم فهم ليسوا بأموات بمعنى البطلان، بل أحياء ولكن حواسكم لا تشعر بهم، وإلقاء هذا القول على المؤمنين إنّما هو لإيقاظهم وتنبيههم بما هو معلوم عندهم من الحياة بعد الموت.

 

2- في النصوص الشريفة:

أمّا الروايات الواردة في البرزخ فقد ذكر الخواجة الطوسي: “إنّ روايات البرزخ من المتواترات لكثرتها”. وورد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نادى عدداً من قتلى المشركين بأسمائهم، وقال: هل وجدتم ما وعد ربّكم حقاً؟ فإنّي وجدت ما وعد ربي حقاً، فقالوا: يا رسول الله: أما تكلّم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال: “والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنّهم لا يستطيعون جواباَ”[10]. وروي هذا الحديث بصيغ مختلفة كلّها تدلّ على نفس المضمون، وهذا أوضح في الدلالة على وجود عالم البرزخ، بل قد يستفاد منها أمور أخرى من ناحية ارتباطهم بهذا العالم.

 

وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: “القبر إما روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران”[11]، ودلالته واضحة على حياة وعالم البرزخ. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ضرورة زيارة أهل القبور وقال: “زوروا قبور موتاكم وسلّموا عليهم فإنّ لكم فيهم عبرة”[12] إلى ما هنالك من الروايات الكثيرة في هذا الخصوص، خصوصاً تلك التي تتحدّث عن تفاصيل حياة القبر، كلّها تدلّ على حياة القبر وعالم البرزخ. وإنّ الذي يتتبّعها بكلّ جزئيّاتها وتفاصيلها يتضح له أنّ تلك الحياة هي عالم آخر قائم بذاته قبل يوم البعث والحشر الأكبر.

 

تصوير عالم البرزخ

بناءً على ما ورد في الآيات والرّوايات من تفاصيل حول عالم البرزخ، نجدُ أنّه لا يوجدُ اختلافٌ في أصل وجود عالم البرزخ. ولكن عندما نحاول الاطّلاع على صورة هذا العالم نجد أنّ العلماء قد طرحوا تصوّرات مختلفة، إلا أنّ أوضحها وما ينسجم مع الروايات الواردة في المقام ما ذكر بعض العلماء من أنّ روح الإنسان بعد انتهاء الحياة الدّنيا، تحلّ في جسمٍ لطيفٍ يفتقد الكثير من أعراض الجسم الماديّة، ولكن

 

لشبه هذا الجسم بالمادة أطلق عليه اسم “الجسم المثالي” أو “القالب المثالي”. وقيل إنّ له نوعاً من التجرّد البرزخي. ولكن بما أنّ إدراك حقيقة الحياة الآخرة غير ممكن بالنسبة لنا نحن أسارى عالم المادّة، فالاطلاع الكامل على عالم البرزخ لا يكون ممكناً أيضاً، لأنّ عالم البرزخ هو أعلى مرتبة من هذا العالم.

 

ولتوضيح المقام نقول: يمكننا تشبيهه بعالم الرؤيا، فالرّوح الإنسانية في الأحلام الصادقة تتجوّل في نقاط مختلفة بواسطة الجسم المثالي، وتشاهد المناظر وتتلذّذ بالنعم، كما أنّها أحياناً تشاهد المشاهد المرعبة فتضجر بشدّة وتصرخ وتصحو من نومها. وهنا يذكر العلامة المجلسي في البحار: “إنّ تشبيه عالم البرزخ بحالة النوم والرؤيا كثيراً ما ورد في الأخبار”[13].

 

يعتقد البعض، أنّ القالب المثالي موجود في جسم كل إنسان لكنّه ينفصل عن الجسم بعد الموت ويبدأ حياته في البرزخ. فالرّوح تكون في حالة التنويم المغناطيسي، تتجوّل وتذهب إلى مناطق مختلفة. بل إنّ بعض الأرواح القويّة يتمكّن من السفر إلى مناطق بعيدة في عالم اليقظة فيطّلع على أسرار تلك المناطق، وكلّ هذا يتم بواسطة القالب المثالي[14].

 

وخلاصة الكلام إنّ هذا القالب المثالي، ليس مادّةً كثيفةً ولا يتشكّل من العناصر الماديّة، بل هو جسمٌ لطيف نوراني لا يحتوي على العناصر الماديّة المعروفة في هذا العالم المادي.

 

فقد ورد في المقام عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: “فإذا قبضه (أي المؤمن) الله عزّ وجل صيّر تلك الأرواح في قالب كقالبه في الدّنيا”[15].

 

وجاء في حديث آخر عنه عليه السلام, عندما سئل عن أرواح المؤمنين أجاب: “في حجرات في الجنّة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أقم الساعة لنا، وأنجز لنا ما وعدتنا”[16].

 

وهذا واضحٌ في أنّ الأرواح تعيش في عالم البرزخ، لذلك يتمنّون قيام القيامة. هذا بالإضافة إلى أنَّ وجودهم في البرزخ المكاني يدلّ على حلول أرواحهم في القالب المثاليّ، وذلك لأنّها فارقت الأجسام التي كانت تعيش فيها في هذه الدّنيا.

 

 

المفاهيم الرئيسة

1- البرزخُ لغةً هو الشَّيء الحاجز بين شيئين[17]، ثمّ توسّع الاستعمال لهذا اللّفظ وأطلق على كلّ ما يحول بين الشَّيئين.

 

2- البرزخ اصطلاحاً العالم الذي يتوسَّط بين الدّنيا والآخرة، أي أنّ الرّوح بعد انفصالها عن الجسد وقبل عودتها إليه ثانياً يوم القيامة، سوف تبقى في عالمٍ يتوسَّط العالمين ويطلق عليه اسم البرزخ.

 

3- ورد لفظ البرزخ في جملة آياتٍ كريمةٍ نذكر منها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[18].

 

4- ذكر بعض العلماء أنّ روح الإنسان بعد انتهاء الحياة الدّنيا تحلّ في جسمٍ لطيفٍ يفتقد الكثيرَ من أعراض الجسم الماديّة، ولكن لشبه هذا الجسم بالمادّة أطلق عليه اسم “الجسم المثاليّ” أو “القالب المثاليّ”.

 

5- يعتقد البعض أنّ القالب المثاليّ، موجود في جسم كلّ إنسانٍ لكنّه ينفصل عن الجسم بعد الموت ويبدأ حياته في البرزخ. وهذا القالب المثاليّ ليس مادةً كثيفةً ولا يتشكّلُ من العناصر الماديّة، بل هو جسمٌ لطيفٌ نورانيٌّ لا يحتوي على العناصر الماديّة المعروفة في هذا العالم الماديّ.

 

للمطالعة

 

الحياةُ خطواتٌ نحو الموت[19]

إنَّ كل قدم تخطونها الآن تقودكم نحو القبر، فلا مجال للتأخير أبداً، وليس هناك ما يمنعكم من ذلك أبداً. كلُّ دقيقة تمرّ من أعماركم الشريفة تقرّبكم من القبر ومن المكان الذي ستتعرّضون فيه إلى المساءلة، وكلُّكم ستُسألون، وأنتم تقتربون تدريجياً. فكّروا في أنّ القضية هي الاقتراب من الموت، وأنّ أحداً لم يضمن لكم أنْ تُعمِّروا مائة وعشرين سنة، فليس متعارفاً بيننا أن يعمَّر أحدنا مائة وعشرين سنة، فالإنسان قد يموت وهو في الخامسة والعشرين من عمره أو في الخمسين أو الستين، ليس هناك من ضمان، لعلّ الأجل يحلّ بنا الآن – لا سمح الله – فلا ضمان.

 

يجب أن تفكّروا وتتأمّلوا في هذه الأمور. هذّبوا أخلاقكم، هذّبوها أكثر – إن شاء الله – ولتكن أعمالكم مطابقةً للإسلام، مطابقة لأحكام الإسلام، لكي توفّقوا – إن شاء الله – وأنتم تحت القبة المطهّرة للمولى – سلام الله عليه – بالتنعّم بأنوار العلم الذي يرضي الله‏ تعالى، العلم الذي هو نور، العلم الذي يقربكم من الله تبارك وتعالى.

 

الإمام الخميني قدس سره

 

[1] بحار الأنوار، ج 6، ص 267.

[2] المنجد، ص 34.

[3] سورة الرحمن، الآية 20.

[4] تفسير الميزان، ج 1، ص 349.

[5]  بحار الأنوار، ج 6، ص 218.

[6] سورة المؤمنون، الآيتان 99 ـ 100.

[7] سورة آل عمران، الآيتان 169 ـ 170.

[8] سورة البقرة، الآية 154.

[9] الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 347.

[10] بحار الأنوار، ج 6، ص 207.

[11] م. ن، ج 6، ص 205.

[12] بحار الأنوار، ج 79، ص 64.

[13] بحار الأنوار، ج 6، ص 261.

[14]  الشيرازي، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج 10، ص 514.

[15] بحار الأنوار، ج 58، ص 50.

[16] الكافي، ج 3، ص 244.

[17] المنجد، ص 34.

[18] سورة المؤمنون، الآيتان: 99 ـ 100.

[19] صحيفة الإمام الخميني قدس سره، ج 2، ص 38.

شاهد أيضاً

عاشوراء في فكر الامام الخميني ( قدس سره)

تمهيد معنى عاشوراء إنّ المعنى المراد لكلمة عاشوراء كان يُطلق ـ وحسب ابن منظور في ...