الرئيسية / زاد الاخرة / وصية الإمام الخميني(قده) إلى السالكين

وصية الإمام الخميني(قده) إلى السالكين

بني:

هناك أمر يثلج أفئدتنا نحن المتخلفين عن “قافلة الأبرار” وهو -في ما أرى- قد يكون دخيلاً في بناء من يكون بصدد بناء نفسه..

يجب أن ننتبه إلى أن منشأ فرحنا بالمدح والثناء واستيائنا من الإنتقادات والشائعات هو حب النفس الذي هو أخطر شراك إبليس اللعين..

نحن نميل أن يكون الآخرون مداحين لنا.. حتى ولو صوَّروا أفعالنا العادية، وحسناتنا المتخلية أكبر من حجمها بمئات المرات..

ونحب أن تكون أبواب انتقادنا -ولو بحق- موصدة أو يتحول انتقادنا إلى مديح.

ننزعج من الحديث عن معايبنا لا لأنها ليست حقا، ونفرح بالمدح والثناء لا لأنه حق بل لأنه “عيبي أنا” و”مدحي أنا”.

إذا صدر منك أمر ما، وصدر عين ذلك الأمر أو أفضل منه وأسمى من شخص آخر، خصوصاً أولئك الذين هم زملاؤك، وانبري المداحون لمدحه سيكون ذلك مزعجا لك..

وأدهي من ذلك إذا حولوا عيوبه مدائح. في مثل هذه الصورة، تيقَّن أن يد الشيطان والنفس الأسوأ منه هي السبب.

بني: 

ما أحسن أن تلقِّن نفسك وتقنعها حقيقة واحدة وهي أن مدح المداحين وإطراء المطرين غالباً ما يهلك الإنسان ويجعله بعيداً عن التهذيب وأشدَّ بعداً..

التأثير السييء للثناء الجميل في نفوسنا الملوثة أساس تعاساتنا والإلقاء بنا نحن ضعفاء النفوس بعيدا عن المحضر المقدس للحق جل وعلا..

ولعل الباحثين عن عيوبنا والمروجين للشائعات ضدنا مفيدون لعلاج معايبنا النفسـية -وهو كذلك- كالعملية الجراحية المؤلمة المفيدة للمريض..

أولئك الذين يبعدوننا بمدائحهم عن جوار الحق أصدقاء يعبّرون عن عداوتهم بصورة صداقة..

وأولئك الذين يظنون أنهم يعبّرون عن عداوتهم لنا بالذم والفحش واختلاق الإشاعات هم أعداء يصلحوننا -إذا كنا أهلاً لذلك- إنهم يعبّرون عن صداقتهم لنا بصورة عداوة..

أنا وأنت إذا اقتنعنا بهذه الحقيقة وتركنا الحيل الشيطانية والنفسية نرى الواقعيات كما هي.. عندها سنضطرب من مدح المداحين وثناء أهل الثناء كما نضطرب اليوم من ذم الأعداء وشائعات المغرضين..

وسنتفاعل مع الذم ونتلقاه كما نتفاعل اليوم مع المدائح والاطراءات ونتلقاها..

إذا وصل إلى قلبك مما ذكر، لن تتألم من

المنغصات واختلاق الأكاذيب وستحصل على اطمئنان القلب.. فإن أكثر المنغصات من الأنانية..

رحمنا لله جميعا بالنجاة منها..

3- الاحتمال الآخر أن الخطاب لأصحاب الإيمان من خواص أهل المعرفة والمولعين بمقام الربوبية عاشقي الجمال الجميل الذي يرون بعين القلب ومعرفة الباطن جميع الموجودات مظهر الحق، ويرون نور الله في جميع المرائي وأدركوا (الآية) الكريمة {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}(النور/35) بالمشاهدة المعنوية والسير القلبي.. رزقنا الله وإياكم..

بناء على هذا الإحتمال، فإن للأمر بالتقوى لهذه الطائفة من العشاق والخواص فروقاً عن الأمر بها للآخرين..

من الممكن أن تكون التقوى عن رؤية الكثرة وشهود المرائي والرائي، تقوى عن التوجه إلى الغير حتى إذا كان في صورة التوجه إلى الحق من الخلق، تقوى عن “ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله ومعه وبعده”(8- الرواية في علم اليقين ج1/149 باختلاف يسير.) الذي هو المقام العادي لخلص الأولياء فإن لـ”شيء” هنا دخلاً في الحديث..

تقوى عن مشاهدة {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ..}.

تقوى عن مشاهدة {هو معكم} و {وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(الأنعام/79).

تقوى عن مظهر جمال الحق في الشجرة.

ومن هذا القبيل ما يرتبط برؤية الحق في الخلق..

وعلى هذا المنوال يكون المراد من الأمر بالنظر في ما قدمناه لغد تلك الحالات: مشاهدة الحق في الخلق والوحدة في الكثرة التي لها صورها المناسبة في العوالم الأخرى..

4- الاحتمال أن الخطاب لأولئك الخلَّص من الأولياء الذين تجاوزوا مرحلة رؤية الحق في الخلق وجمال حضرة الوحدة في الكثرة الفعلية ولا أثر لغبار الخلق في مرآة مشاهداتهم وتخلصوا من الشِّرك الخفي في هذه المرحلة. إلا أنهم أسلموا القلب لتجليات أسماء الحق وأصبحوا العشاق المتيمين لحضرة الأسماء، وتجلياهم الأسمائية فانية من الغير ولا يشاهدون شيئاً غير جلوات (مظاهر) الأسماء..

بناءً على هذا يكون الأمر بالتقوى تقوى عن رؤية الكثرات الأسمائية والجلوات الرحمانية والرحيمية وسائر أسماء الله..

كأن صوتاً يضج في مسامعهم أنه من الأزل إلى الأبد ليس هناك إلا جلوة واحدة..

وتفسِّر جميع الفقرات بما يناسب هذا.. وأنهم إذا تجاوزوا هذا فليس بعده شاهد ومشاهدة وشهود.. وليس إلاَّ الفناء في “هو المطلق” و”لا هو إلا هو”..

5- أشمل الإحتمالات أن كل لفظ مثل “آمنوا” و “اتقوا” و”انظروا” و”ما قدمت” وهكذا.. يحمل على معناه المطلق وكل مراتبه حقائق فإن الألفاظ موضوعة للمعاني بدون قيد ومطلقة من الحدود..

وإذا كان ثمة من احتمالات أخرى فهي تندرج في هذا الاحتمال ومن مراتبه..

بناء على هذا تشمل (الآية ) كل فئة وطائفة من المؤمنين بالمعنى الحقيقي وتكون (جميع الفئات والأقسام) مصاديق للعنوان المطلق.

وهذا المطلب يفتح طريق فهم كثير من الأخبار التي تطبق الآيات على فئة أو شخص فيتوهم الاختصاص وليس كذلك بل هو ذكر المصداق أو المصاديق..

وبهذا المنوال الذي ذكر من الاحتمالات يفتح الطريق -أيضاً- لفهم الآية المباركة {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}(الحشر/19) التي هي بعد الآية المتقدمة.

وحسب الإحتمالات المتقدمة، في هذه الآية الشريفة أيضا احتمالات متناسبة مع تلك الإحتمالات مختلفة المراتب ومتحدة الحقيقة.. لا مجال لتفصيلها.. وأكتفي فقط بذكر نكتة واحدة وهي أن نسيان الحق موجب لنسيان النفس سواء “النسيان” بمعنى عدم التذكر أو بمعنى الترك..

وفي كل من المعنيين إنذار عاصف..

إن لازم نسيان الحق تعالى أن ينسى الإنسان نفسه أو فقل يجره الحق تعالى إلى نسيان نفسه وهو أمر صادق في جميع المراحل السابقة.

في مرحلة العمل، فإن الذي ينسى الله وحضوره جل وعلا يبتلى بنسيان ذات نفسه أو يجر إلى ذلك.

ينسى عبوديته فيجر من مقام العبودية. ومن لا يعرف ما هو ومن هو وماهي وظيفته والعاقبة، يحل الشيطان فيه ويجلس بدلاً من ذاته، والشيطان عامل عصيان وطغيان..

وإذا لم يثب إلى رشده ويرجع إلى ذكر الحق وانتقل من هذا العالم على هذه الحال من الطغيان والعصيان فقد يظهر (في ذلك العالم) على شكل شيطان مطرود من الحق تعالى.

وبالمعنى الآخر الذي هو بمعنى الترك.. الأمر أشد إيلاماً لأنه إذا كان ترك إطاعة الحق وترك الحق موجبا أن يتركه الحق (9- *المراد والله العالم أن النسيان إذا كان بمعنى عدم التذكر فإن من ينسى الله ولا يتذكره ينسيه الله تعالى نفسه فلا يعود يتذكرها وهذا لا يدل على أن العنايات الإلهية تنقطع عنه حتماً.. فقد تشمله عنايةٌ ما رغم أن الله أنساه نفسه فهو سبحانه لم يتركه وإنما أنساه نفسه.. أما إذا اعتبرنا النسيان بمعنى الترك فإن الآية بمعنى قوله تعالى {..نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ..}(التوبة/67) أي تركوا الله فتركهم وترك الله تعالى للإنسان أشد من حمله له على نسيان نفسه.. إنه بمعنى الخذلان خذلانه وإيكاله إلى نفسه.. ومن هنا كان الأمر أشدّ إيلاماً.) ويكله إلى نفسه ويقطع عنه عناياته فلاشك في أنه ينتهي إلى خذلان الدنيا والآخرة (10- ورد في الأدعية المروية عن الموالي الكرام عليهم السلام “لا تكلنى إلى نفسي” و “ولا تكلنى إلى نفسي طرفة عين أبدا” أصول الكافي كتاب الدعاء -باب القول عند الإصباح والإمساء حديث10 وباب الدعاء للكرب والهم حديث20 وباب دعوات موجزات لجميع الحوائج حديث15.ويقول الإمام زين العابدين عليه السلام في أحد الأدعية: “وانظر في جميع أموري فإنك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها” الصحيفة السجادية الدعاء22. ويقول عليه السلام في دعاء آخر: ولا تكلني إلى حولي وقوتي الصحيفة -الدعاء47.).

في الأدعية الشريفة للمعصومين نجد أنه تم التأكيد على الدعاء كي لا يكلنا الله إلى نفوسنا، لأنهم عليهم السلام كانوا يعلمون نتائج هذه المصيبة ونحن غافلون عنها..

شاهد أيضاً

الثورة الإسلامية والغزو الثقافي

كم بُذِل طوال عشرات السنين من الثروات والفكر؟ وكم ارتكبت من الجرائم والأكاذيب والدعاية المضادَّة ...