ليلى عماشا
كثيرون ممن استحضروا مواقفَ وأقوالًا ومسيرةَ الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر منذ اقتراب ذكرى اختطافه في ٣١ آب/أغسطس، حاولوا توظيفها في خدمة مشروع شرذمة بيئة المقاومة والنيل من وحدتها، دسّوا الأقوال الداعية إلى المقاومة وحفظ الأرض بين سطور دعواتهم إلى الاستسلام والخضوع للصهاينة تحت مسمّى «الدبلوماسية»، وانغمسوا في حملة تشويه وحتى تزوير إرث السيّد موسى الحاضر في وجدان الناس كسيّد مقاوم دعاهم إلى قتال «إسرائيل»: «قاتلوا إسرائيل بأسنانكم وأظافركم، مهما كان سلاحكم وضيعًا، آملًا أن يتحوّل الجنوب صخرة تتحطّم عليها مطامع العدوّ الصهيوني»، وكقائد يرى أنّ «السلاح زينة الرجال»، وكثوريّ خاطب إخوته الثوّار: «أنتم كموج البحر، متى توقّفتم انتهيتم!»، وكصاحب بصيرة أكّد أنّ «إسرائيل شرّ مطلق».
بدا هؤلاء المتحدّثون وكأنّ التعليمة التي وردت إليهم في هذا الإطار لم تعطهم فرصة البحث قليلًا في مسيرة السيّد موسى الصدر ولا الاطلاع على حقيقتها، أو فرضت عليهم وجوب تناسيها وتقديمها بشكل يناقضها.
تناسى هؤلاء، أو حاولوا طمس الحقيقة التي تقول إنّ السيّد موسى الصدر هو مؤسّس أفواج المقاومة اللبنانية «أمل»، وهو الأحرص على الجنوب وأهله: «أنا مستعدّ لتقديم حياتي كي تتوقّف الآلام في الجنوب»، وهو القائل: «من واجبي بذل كل ما أملك بما فيه حياتي في محاربة إسرائيل»، و«نحن نؤمن في هذا الوطن بأنّ المقاومة الفلسطينية تمثّل حقًّا مقدّسًا لا نتنازل عنه».
إذًا، في سياق ادّعاء تكريم السيّد والثناء على نهجه، أساؤوا إليه عبر تشويه صورته وتزوير مواقفه وتاريخه، وعبر انتزاع أقواله من سياقها الطبيعيّ وتقديمها كمبرّرات تبيح لهم استكمال عدوانهم على اللبنانيين بالاشتراك مع طائرات العدوّ وصواريخه الذكيّة، إرضاءً للأميركي وتنفيذًا لتعليماته، وبالتوازي مع العدوان العسكريّ الدمويّ الذي يشنّه الصهاينة على الجنوب، ناشرين خريطة أطماعهم بوضوح، رغم غرق اليمين اللبناني في السخرية من فكرة أن يكون لـ«إسرائيل» أطماع في لبنان.
كثيرون ممن أمعنوا في اختلاق الذرائع للعدوّ في عدوانه الوحشي المتواصل على لبنان، على مدى أشهر وسنوات، وبذلوا ماء وجههم كلّه في التزلّف لـ«إسرائيل» ولجميع المنظومة الإبستيمية حول العالم، لم يخجلوا من استغلال ذكرى اختطاف السيّد موسى ومحاولة تحويلها إلى فرصة للقنص على المقاومة وأهلها، عبر تجريدهم من حقّهم الفطريّ والطبيعيّ بالدفاع عن أرضهم وبيوتهم وحياتهم، وعبر الاستماتة في شقّ وحدة الصفّ في البيئة المجبولة بالمقاومة، والباذلة فيها أغلى ما عندها.
في الصحف، وفي محطات التلفزة، وفي كلّ الإعلام العامل في حظيرة عوكر، تنافست الأدوات الأميركية الناطقة في الحديث عن المناسبة من باب الادّعاء الفارغ بأنّها تفهم نهج السيّد موسى، وتنطلق منه في مقاربة مفاهيم الدولة والمقاومة، علمًا أنّ جميع هؤلاء يقفون على النقيض تمامًا من مفاهيمه التي عبّر عنها وأكّد عليها حتى يوم اختطافه، ولا سيّما في ما يخصّ الحقّ بالمقاومة وجدوى سلاحها، وفي ما يخصّ مسؤولية «الدولة» في حفظ الجنوب وأهله.
المضحك المبكي في الأمر، أنّ هؤلاء لم يشعروا ببرهة خجل وهم يردّدون أقوال السيّد الصدر عن ضرورة قيام الدولة بجميع واجباتها في الجنوب ورفع الحرمان والظلم عن الجنوبيين؛ لقد استحضر هؤلاء هذه الأقوال وهم في الوقت نفسه يصفقون للعدوّ على استباحته الجنوب، ويتخلّون عن أبسط واجباتهم تجاه الأرض والناس، ويتنازلون جهارًا عن كلّ حقوق أهل الأرض، بل ويحسب وزير خارجيتهم أن الاعتداءات «الإسرائيلية» حقّ لـ«إسرائيل»!
أشار أحدهم في هذا السياق، أي في إطار التشويه المتعمّد لرؤية السيّد الصدر حول العمل المقاوم، إلى أنّ السيّد لطالما حسب «سلاح المقاومة استثناءً فرضه غياب الدولة»، ويحسب القائل هذا الموقف نقطة يدين من خلالها المقاومة وسلاحها. لم يسأل نفسه إن كان هذا الاستثناء لم يزل ضرورة في ظلّ الغياب المستمرّ للدولة ولأدائها لواجبها البديهي المفترض والمتمثّل بحماية الأرض وأهلها.
بل يفترض أنّ الوضع اختلف وأنّ الدولة حاضرة على أتمّ وجه وتبذل كلّ ما يمكنها في الدفاع عن قرى الجنوب وأهله. وهنا، لا يمكن أن يكون عذر القائل جهله أو عدم اطّلاعه؛ فالدولة تجاوزت مرحلة التقصير والعجز وبلغ بعض رموزها حدّ التواطؤ الصريح مع العدوّ ضدّ أهل الأرض!
يستخدم قولًا للسيّد موسى بنيّة إدانة المقاومة، فيُفتضح لا بانعدام فهم القول فحسب، بل بالتشويه الصريح للحقائق المشهودة الساطعة!
وللمفارقة، خطاب المقاومة في لبنان لم يكفّ يومًا عن مطالبة الدولة بالقيام بواجبها، بل سهّل لها كلّ السبل لذلك، ووضع قوّة المقاومة كورقة يمكن للدولة استخدامها من أجل تعزيز مكانتها، أي لم يختلف عن خطاب السيّد الصدر، إلّا أنّ «الدولة» بنفسها تصرّ على التنصّل من أيّ واجب، تمامًا كما فعلت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وبالتالي، ما تفعله المقاومة اليوم يتطابق تمامًا مع رؤية السيّد المغيّب، وهذا ما يحاول خطاب الإعلام المتصهين طمسه وتشويهه، عبر تكرار سردية الاختلاف بين نهج المقاومة الإسلاميّة ونهج السيّد موسى الصدر.
بالخلاصة، أبواق الوهم تعرف جيّدًا ما تفعل، لكنّها تغرق في شبر الأمنيات فتجافي الوقائع والحقائق، وتزوّر التاريخ والمواقف: أهل المقاومة يعرفون السيّد موسى الصدر، ويهزأون رغم آلامهم من محاولات استخدام أقواله للنيل من وحدتهم، وحدتهم المذخّرة بالدم، والمسلّحة بالحقّ، وبالصدق، وبالبذل الوفير.
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله